منهج الاعتزال في مسيرة الانبياء

واحد من أساليب الدعوة ومنهج من مناهج التعامل الواعي وسياسة من سياسات الأنبياء عليهم السلام ذكرها الله عزوجل في الكتاب المجيد هي”العزلة والاعتزال“ قال تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا[1].

حيث ان أساليب الأنبياء عليهم السلام في الدعوة إلى الله تعددت بتعدد الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية لكل أمة من الأمم، وإن أسلوب الاعتزال لا يتصدر أساليب الدعوة بل قد يأتي بعد جملة من تلك الأساليب وبعد أن يستيئس الرسل من صلاح أقوامهم، قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِين.[2]

العُزلة في اللغة:

 (تَعَاَزَلَ القومُ انْعَزَلَ بَعْضُهم عن بَعَض والعُزْلةُ الانْعِزال نفسُه يقال العُزْلةُ عِبادة وكُنْتُ بمَعْزِلٍ عن كذا وكذا أَي كُنْتُ بموْضع عُزْلةٍ منه واعْتَزَلْتُ القومَ أَي فارَقْتهم وتَنَحَّيت عنهم)[3].

وفي الاصطلاح: (هي الخروج عن مخالطة الخلق بالانزواء والانقطاع)[4].

قد يُستدلُّ على أفضلية العزلة في الإسلام، بمجموعة من الآيات والرِّوايات، يُفهم منها الحث على اعتزال النَّاس واجتناب معاشرتهم.

ونقف وقفة مع دلالات هذه الآيات والرِّوايات التي اُستدل بها على أفضلية العزلة في الإسلام

 الآية المباركة في سورة الكهف: 

التي وردت في قصة أصحاب الكهف، قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم‌ مِّرْفَقاً[5] .

إن الآية تحثهم على أن يعتزلوا قومهم وأن يذهبوا إلى الكهف، وأن في ذهابهم الى الكهف رحمة ونعمة سيمّن الله بها عليهم.

وعليه فاعتزال الناس والذهاب إلى الكهوف والصوامع من الأمور التي تنشر الرحمة؛ في نظر المستدلين على العزلة.

ويمكن ان يرد على استدلالهم:

أولا: إنَّ اعتزال أصحاب الكهف لمجتمعهم، لم يكن هروباً من المسؤولية التي كانت ملقاةً على عاتقهم، وإنما اتخذوا خيار الاعتزال بعد أن جاهدوا، ووقفوا وأعلنوا دعوة التَّوحيد، وتعرَّضوا لصنوف الآلام والتَّعذيب، حينذاك، آثروا العزلة صوناً لدمائهم وحفظاً لأرواحهم.

وإذا ما نظرنا لمسألة اعتزالهم، فإنَّه نوعٍ آخرَ من الجهاد واجهووه؛ فإن تركهم أهاليهم وراء ظهورهم، والالتجاء إلى الكهف، كان ذلك جهاداً آخر آثروه على إعلانهم الكفر والاستسلام للطاغوت.

ثانيا: إن هؤلاء كانوا بين خيارين، اختاروا المرّ منه والاصعب من أجل أن يظفروا بدينهم، وهذا النوع من المواقف التي يُمتحن فيها الإنسان المؤمن، وقد ورد في قصة نبيّ الله يوسف اختياره السجن على ما كان نسوة المدينة يدعونه إليه: ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ[6]

والنَّبيّ صل الله عليه واله وسلم اعتزل قريش وهاجر إلى المدينة، لما وصل إليه من عدم الفائدة في دعوة هؤلاء، وأنَّ التُّربة لم تعد صالحة، ولكن فعل ذلك بعد أن بذل جهده واتعب نفسه.

ثالثا: إنَّ الآية في مقام بيان اعتزال المؤمنين للكفار: ولم تكن بصدد التعرَّض إلى مسألة العزلة بشكلٍ مطلق فإنَّ الاعتزال سيكون عن المشركين الذين يعبدون الأصنام ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ[7]

والنتيجة المتحصلة: إنَّ هذه الآية المباركة لا تدل بأيِّ نحو من الأنحاء على أفضليّة العزلة.

الآية المباركة في سورة مريم:

وهي قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِياً * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاً جَعَلْنَا نَبِياً * وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِياً * وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِياً[8] .

فقالوا إنَّ هذه الآية فيها حثٌّ على العزلة.

والکلام في هذه الآية كسابقتها ؛ فإن نبي الله إبراهيم عليه السلام اعتزل قومه لمّا آيس من هدايتهم، فلما أن اعتزلهم، عوَّضه الله عن اعتزاله لهم بأولاد صلحاء، يؤنسون وحشته.

النصوص الروائية في العزلة

 قال الإمام علي (عليه السلام)”لا سلامة لمن أكثر مخالطة الناس“[9].وعنه عليه السلام ”من اعتزل الناس سلم من شرهم“[10].

السؤال هنا ما هو مراد الإسلام من العزلة؟

والجواب: إنَّ العزلة ليست مرفوضة بشكلٍ مطلق، وليست مقبولة بشكلٍ مطلق؛ فقد تكون العزلة واجبة وقد تكون محرّمة، وقد تكون مستحبّة. 

الواجبة: عزلة أهل المعاصي والمنكرات، والابتعاد عنهم إلا بمقدار دعوتهم، ويظهر ذلك من قوله تبارك وتعالى في خطابه لنبيّه الكريم: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوٰةُ الدُّنْيَا[11].

المحرمة: الاعتزال وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حالة عدم وجود من يكفي للقيام بهذه الفريضة المباركة. 

المستحبة: وهي التي حثَّ عليها الإسلام في بعض المواطن، كالاعتزال لمحاسبة النفس، والتفرّغ للعبادة في بعض الأزمنة المباركة لذلك أكدَّ الإسلام على الاعتكاف، وخصوصاً في العشر الأواخر من شهر رمضان، فقد كان النبي صل الله عليه واله وسلم يواظب على الاعتكاف. وهذه كانت سيرة الأئمّة، فقد رُوي أن الإمام الحسين عليه السلام قد قال لأخيه العبّاس: «ارجِع إلَيهِم، فَإِنِ استَطَعتَ أن تُؤَخِّرَهُم إلى غُدوَةٍ وتَدفَعَهُم عِندَ العَشِيَّةِ؛ لَعَلَّنا نُصَلّي لِرَبِّنَا اللَّيلَةَ، ونَدعوهُ ونَستَغفِرُهُ، فَهُوَ يَعلَمُ أنّي قَد كُنتُ احِبُّ الصَّلاةَ لَهُ، وتِلاوَةَ كِتابِهِ، وكَثرَةَ الدُّعاءِ وَالاستِغفارِ!»[12].

النتيجة

ان العزلة تولد كثير من المفاسد وحاشا للدين ان يأمر بها فالخلوة التي يذكرها أهل المعرفة، لا تعني العزلة واعتزال النَّاس في الأصل، بل المراد منها هو عزل القلب عن الانشغال بغير الحق.

 وان في العزلة حرمان من الكثير من المعارف والعلوم، كما أنَّ خدمة الخلق -وهي من أفضل الطاعات والقربات- تحصل عادة من خلال المعاشرة لا من العزلة! ثم ان الله عزوجل حث في كثير من آياته على العبادة الجماعية لما فيها من ابراز لوحدة المسلمين وتماسكهم فقد حثّت الآيات المباركة والروايات بشكل كبير جداً على معاشرة الناس، وتشييع الموتى، والصلاة جماعة، وعيادة المرضى، لما فيه من الخير الكثير وبناء مجتمع صالح. 

وقد بينت الرِّوايات الجوانب الاجتماعيّة لمجموعة من العبادات فتبين من الآيات والروايات أن العزلة بالنحو الذي يدّعيه أصحابها مرفوضة وغير محبّذة في الإسلام.

 

الهوامش:-----

[1] -مريم /48

[2] - يوسف/110

[3] - لسان العرب لابن منظور

[4] -التوقيف على مهمات التعاريف لمحمد عبد الرؤوف المناوي

[5] - الكهف/16

[6] - يوسف/33

[7] - الكهف/16

[8] - سورة مريم/48

[9] - مطالب السؤل/56

[10] - غرر الحكم/

[11] - الانعام/70

[12] - الإرشاد 230 .

: الشيخ علاء محسن السعيدي