قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته المعروفة بالقاصعة:
(وَلَقَدْ دَخَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَمَعَه أَخُوهُ هَارُونُ عليه السلام عَلَى فِرْعَوْنَ وَعَلَيْهِمَا مَدَارِعُ الصُّوفِ وَبِأَيْدِيهِمَا الْعِصِيُّ فَشَرَطَا لَهُ إِنْ أَسْلَمَ بَقَاءَ مُلْكِهِ وَدَوَامَ عِزِّهِ فَقَالَ أَ لَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَيْنِ يَشْرِطَانِ لِي دَوَامَ الْعِزِّ وَبَقَاءَ الْمُلْكِ وَهُمَا بِمَا تَرَوْنَ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ وَالذُّلِّ فَهَلَّا أُلْقِيَ عَلَيْهِمَا أَسَاوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ إِعْظَاماً لِلذَّهَبِ وَجَمْعِهِ وَاحْتِقَاراً لِلصُّوفِ وَلُبْسِهِ...)
هذا المقطع من الخطبة القاصعة لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام يبيّن فيه تواضع الأنبياء، ونستطيع أن نأخذ فكرة عامة من هذا المقطع وهي أن المظاهر المادية لا قيمة لها في قبال الحقائق المعنوية والتي هي جوهر الأشياء.
إن موسى وأخاه هارون ذهبا إلى فرعون بأمر من الله تعالى وقد ذكر القرآن هذه القصة في أكثر من آية، قال تعالى مخاطبا موسى عليه السلام: (ٱذۡهَبۡ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔایَـٰتِی وَلَا تَنِیَا فِی ذِكۡرِی، ٱذۡهَبَاۤ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ، فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلࣰا لَّیِّنࣰا لَّعَلَّهُۥ یَتَذَكَّرُ أَوۡ یَخۡشَىٰ)
والذي بينه أمير المؤمنين في هذا المقطع الهيئة التي كانا عليها عند دخولهما على فرعون، كانا يلبسان الصوف وهو لباس الفقراء وبأيديهما العصي، بهذه الهيئة قابلا أعتى طاغية في عصره بل وشرطا عليه إن أسلم دوام ملكه! وهذا يدل على الجرأة والقوة التي كان يحملها موسى وهارون
والتي استمداها من الله تعالى وذلك قوله تعالى:
(قَالَ لَا تَخَافَاۤۖ إِنَّنِی مَعَكُمَاۤ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ)
لقد كان رد فرعون يعبر عن التشبث بالمظاهر المادية عند البشر والتوسل بالأسباب المادية للحصول على الجاه والقوة وأظهر بذلك ظغيانه، ويحدثنا القرآن عن حجة فرعون في رده على موسى فيقول:
(وَنَادَىٰ فِرۡعَوۡنُ فِی قَوۡمِهِۦ قَالَ یَـٰقَوۡمِ أَلَیۡسَ لِی مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَـٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَـٰرُ تَجۡرِی مِن تَحۡتِیۤۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ، أَمۡ أَنَا۠ خَیۡرࣱ مِّنۡ هَـٰذَا ٱلَّذِی هُوَ مَهِینࣱ وَلَا یَكَادُ یُبِین، فَلَوۡلَاۤ أُلۡقِیَ عَلَیۡهِ أَسۡوِرَةࣱ مِّن ذَهَبٍ أَوۡ جَاۤءَ مَعَهُ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ مُقۡتَرِنِینَ، فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُوا۟ قَوۡمࣰا فَـٰسِقِین).
نلاحظ التمسك بالظاهر المادية في حجة فرعون، حيث يحتج بملكه وما لديه من أسباب القوة والسلطة، وبضعف موسى وفقره مع الاستهانة والاستهزاء بموسى عليه السلام، وبقوله أفلا تبصرون يريد التأكيد على أهمية الظاهر والابتعاد عن المعنى والجوهر، وبذلك استخف بعقول قومه الذين أطاعوه بعد أن صرف عقولهم عن النظر إلى المعنى، فلا بصيرة لهم فسمّاهم تعالى بالفاسقين، حيث كان حريٌّ بهم أن ينظروا بعين البصيرة لا عين البصر .
إن التعويل على المظاهر المادية واعتبارها الأساس في حياة الإنسان والحكم على الأشياء من خلالها من أخطر ما يصيب الإنسان، بل هو من الأمراض الاجتماعية الخطيرة.
ذكروا أن أحد علمائنا كان في أوائل حاله، معتزلا مشتغلا بالبحث والدراسة والتحقيق، فكتب إليه فضلاء الحلة من العراق صحيفة تحتوي على عذله ولومه على ذلك، فمع مهارته في العلوم والمعارف وحذاقته في التحقيق والإبداع، معتزل خامل، فكتب في جوابهم هذين البيتين من الشعر:
طلبتُ فنونَ العلمِ أبغي بها العلا
فقصّر بي عمّا سموتُ به القلُّ
تبيّن لي أنّ المحاسن كلها
فروع، وأنّ المال فيها هو الأصلُ
فلما وصل هذا الشعر إليهم كتبوا إليه: " إن حكمك بأصالة المال عجيب غريب، بل خطأ ظاهر، أقلب تصب " فكتب في جوابهم هذه الأبيات لبعض المتقدمين:
قد قال قوم بغيرِ علمٍ
ما المرءُ إلا بأصغريهِ
فقلتُ قولَ امرئٍ حكيمٍ
ما المرءُ إلا بدرهميهِ
من لم يكنْ له درهم لديه
ِلم تلتفت عرسُهُ إليهِ
ثم توجه إلى العراق لزيارة الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، وبعد زيارة تلك المشاهد المشرفة، توجه إلى الحلة، فلبس بعض ثيابه العتيقة الخشنة والرثة، ودخل بعض مدارسهم المشحونة بالباحثين والدارسين، فسلّم عليهم فلم يرد عليه إلا بعضهم متثاقلاً عنه، ولم يلتفتوا إليه، فجلس أول المجلس في صف النعال!
وعكف أولئك في بحثهم على مسألة دقيقة مشكلة، فأدلى فيها بدلوه وأجاب عنها بتسع أجوبة في غاية الجودة والدقة... ومع ذلك أحضروا طعاما أفردوه بشيء منه على حده ولم يشركوه في مائدتهم! وانفض مجلسهم فقاموا.
وفي اليوم التالي عاد إليهم وقد تعمم بعمامة كبيرة وبملابس فاخرة ذات أكمام واسعة وهيئة رائعة! فلما دخل عليهم وسلم قاموا فرحبوا به وأكرموه وعظموه وأجلسوه صدر المجلس واجتهدوا في تكريمه وتوقيره وبالغوا في ملاطفته ومطايبته... وإنما داخلهم في بحثهم بكلام لا مشروع ولا معقول! ومع ذلك فقد قابلوه بالتحسين والتسليم على وجه التكريم! ولما حضرت المائدة بادروا إليه بالآداب... فألقى الشيخ كُمّه في ذلك الطعام وقال: لها كلي يا كمي! فاستغربوا ذلك وتعجبوا واستفسروه عن ذلك.
فقال: أنتم إنما أكرمتم أكمامي هذه الواسعة، وإلا فأنا صاحبكم بالأمس، جئتكم بهيئة الفقراء ولكن بسجية العلماء، واليوم جئتكم بلباس الجبارين وتكلمت بكلام الجاهلين وأنتم رجحتم الجهالة على العلم والغنى على الفقر... نعم، أنا صاحب الأبيات التي كتبتها إليكم في أصالة المال وفرعية صفة الكمال، وأنتم قابلتموها بالتخطئة!
فاعترف الجماعة له واعتذروا إليه عما صدر منهم من التقصير في شأنه.

اترك تعليق