العدل الإلهي وسُنّة الابتلاء .. الحلقة الاولى

دراسة كلامية قرآنية روائية في فلسفة البلاء وحكمة الاختبار

إنّ من أخطر المزالق الفكرية عند قراءة الأحداث الكبرى، ولا سيما في زمن الفتن والحروب والانتظار الطويل، أن يُقرأ البلاء قراءة سطحية منفصلة عن العدل الإلهي أو أن يُفهم العدل الإلهي بمعنى الراحة الدائمة، والسلامة المستمرة، والنصر الفوري وكأنّ مقتضى عدل الله تعالى أن يمنع الألم عن المؤمنين، وأن لا يسمح بوقوع الهزيمة عليهم، وأن لا يُمهل الظالمين، وأن يجعل الدعاء مقرونًا بالإجابة العاجلة في كل ظرف.

وهذا الفهم، وإن كان يصدر أحيانًا من عاطفة إيمانية متألمة، إلا أنه من الناحية الكلامية فهم ناقص؛ لأنه يغفل عن أن الله تعالى لم يخلق الإنسان للراحة المجردة بل خلقه للامتحان والتكامل والاختيار، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾[1]، فالآية لا تقول: ليعلم من يعمل، بل تقول: أيكم أحسن عملًا، أي إنّ القضية ليست مجرد صدور العمل، بل جودة العمل، وصفاؤه، وثباته، وصدقه، ووقوعه في موضعه. ومن هنا كان الابتلاء جزءًا من نظام العدل، لا نقضًا له.

فالعدل الإلهي ليس معناه أن لا تقع المحنة، بل معناه أن لا تكون المحنة عبثًا، وليس معناه أن لا يتأخر النصر، بل أن لا يضيع الصبر والعمل، وليس معناه أن لا يُقتل المؤمن، بل أن لا يكون قتله بلا كرامة ولا أثر ولا جزاء.

معنى العدل الإلهي وعلاقته بالابتلاء

العدل في أصله هو وضع الشيء في موضعه، وإعطاء كل ذي حق حقه، وتنزيه الفعل عن الظلم والعبث والقبح، وقد اختلفت الفرق الإسلامية في هذا الأصل فقد توافق الامامية مع المعتزلة في مذهبهم حول هذا الموضوع واطلق عليهم بالعدلية أي ان كلاهما يعتقدان بالعدل المطلق لله عز وجل وهذا بخلاف الاشاعرة الذين لا يرفضون نسبة الظلم لله حاشاه عز وجل ومحور الخلاف فيما يعبر عنه ( بالحسن والقبح العقليين) فقد ذهب الاشاعرة بان الحسن في الأمور التكوينية هو ما يفعله الله عز وجل اما التشريعية فالحسن ما يأمر به الله تعالى وليس الفعل في ذاته حسنا ولأجل ذلك يفعله الله تعالى او يأمر به واما العدلية يعتقدون بان الأفعال بذاتها تتصف بالحسن والقبح بغض النظر عن انتسابها التكويني او التشريعي لله تعالى ويمكن للعقل الى حد ما ان يدرك جهات الحسن والقبح في الأفعال وتنزيه الذات عن الأفعال القبيحة ولكن هذا الادراك لا يعني ان العقل يأمر الله ويناه عز وجل بل يعني ان العقل يكتشف تناسب فعل ما مع الصفات الكمالية الإلهية وعدم تناسب فعل آخر معها وعلى هذا فان العقل يرى استحالة صدور الأفعال القبيحة من الله تعالى . 

واما النقل فقد دلت النصوص القرآنية على ذلك قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾[2]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾[3]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾[4].

فهذه الآيات تؤسس قاعدة قطعية: كل ما يقع في دائرة الفعل الإلهي فهو منزّه عن الظلم.، لكن الإشكال ينشأ حين يخلط الإنسان بين الألم والظل، فليس كل ألم ظلمًا، وليس كل حرمان ظلمًا، وليس كل تأخير ظلمًا، قد يكون الألم علاجًا، وقد يكون الحرمان حماية، وقد يكون التأخير تربية، وقد تكون الهزيمة الظاهرية كشفًا وتمحيصًا.

فالطبيب حين يقطع عضوًا فاسدًا لا يكون ظالمًا، والمربي حين يختبر الطالب لا يكون ظالمًا، والقائد حين يؤخر المواجهة لعدم اكتمال شروطها لا يكون خاذلًا، فكيف يُنسب إلى الله تعالى ما لا يُنسب إلى العقلاء من أهل الحكمة؟ ومن هنا لا يصح أن نقول: لماذا ابتلى الله المؤمنين؟ بل السؤال الأدق: ما الحكمة التي يجريها الله من خلال ابتلاء المؤمنين؟ 

الابتلاء سنة عامة لا تختص بالمذنبين

من الأخطاء الكبرى أن يتصور الإنسان أن البلاء لا ينزل إلا عقوبة، نعم قد يكون البلاء عقوبة في بعض الموارد، لكنه ليس كذلك دائمًا فالقرآن الكريم يصرّح بأن الابتلاء سنة عامة تشمل المؤمن والكافر، الصالح والطالح، الفرد والأمة قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾[5]،فهنا يصرح القرآن أن الابتلاء يكون بالشر والخير معًا، فالفقر ابتلاء، والغنى ابتلاء، والمرض ابتلاء، والصحة ابتلاءو الهزيمة ابتلاء، والنصر ابتلاء، والخوف ابتلاء، والأمن ابتلاء ، وهذا يجري على جميع البشر معهما كانت منزلتهم ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: «إنّ البلاء للظالم أدب، وللمؤمن امتحان، وللأنبياء درجة، وللأولياء كرامة)[6].

وورد أيضاً عن الصادق عليه السلام : «إنّ الله تبارك وتعالى ليتعاهد المؤمن بالبلاء، إمّا بمرض في جسده، أو بمصيبة في أهله أو مال، أو مصيبة من مصائب الدنيا؛ ليأجره عليها)[7].

الابتلاء ملازم لدعوى الإيمان

قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾[8] هذه الآية من أعظم آيات الباب لأنها تؤسس لقاعدة (الإيمان لا يُترك بلا اختبار)، فالقول: (آمنا) ليس نهاية الطريق، بل بدايته ولا يكفي أن يقول الإنسان إنه مع الحق، أو مع الإمام×، أو مع مشروع الانتظار، أو مع المستضعفين، حتى يدخل امتحان الصدق والايمان.

والآية لا تريد نسبة الجهل لله حاشاه عز وجل، بل المراد أن يظهر الصادق والكاذب في عالم الواقع حتى لا يبقى الإيمان دعوى خفية، بل يتحول إلى موقف خارجي مشهود ولهذا ورد في الحديث الشريف «قال الصادق عليه السلام : (سئل رسول الله صلى الله عليه واله من أشدّ الناس بلاء في الدنيا؟ فقال صلى الله عليه واله: (النبيّون، ثمّ الأمثل فالأمثل، ويبتلى المؤمن بعد على قدر إيمانه وحسن أعماله، فمن صحّ إيمانه، وحسن عمله اشتدّ بلاؤه، ومن سخف إيمانه وضعف عمله قلّ بلاؤه).

والمعنى الكلامي لهذه الرواية أن شدة البلاء ليست دائمًا علامة غضب، بل قد تكون علامة قرب واصطفاء ورفع درجة فالأنبياء، وهم أحب الخلق إلى الله، كانوا أكثر الناس ابتلاءً، واسرعه إليهم ولو كان البلاء دليل خذلان، لكان الأنبياء أولى الناس بالخذلان، وهذا باطل قطعًا.

لماذا يبتلي الله عز وجل وهو يعلم؟

هذه من أهم الأسئلة الكلامية: إذا كان الله يعلم الصادق من الكاذب، فلماذا يبتلي الناس؟

الجواب:

الابتلاء ليس ليعلم الله عز وجل، بل ليظهر المعلوم في الخارج، وتقوم الحجة على العبد، ويترتب الجزاء على فعل اختياري ظاهر كل بحسبه، فالعلم الإلهي لا يسلب الإنسان اختياره. 

فان الله عز وجل يعلم أن فلانًا سيثبت، وأن فلانًا سينهزم، لكن هذا العلم لا يغني عن وقوع الفعل من العبد لأن الثواب والعقاب لا يكونان على مجرد علم الله عز وجل بل بما سيفعل الإنسان، بل على ما يفعله الإنسان باختياره، وهذا هو مقتضى الحكمة وغاية العدل.

مثال تقريبي: فان الأستاذ الخبير قد يعلم من حال الطالب أنه ناجح أو راسب، لكنه لا يعطيه الدرجة إلا بعد الامتحان؛ لأن الامتحان هو الذي يُظهر الاستحقاق ويقطع العذر ولله المثل الأعلى قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾[9].

فالتمييز هنا ليس لأن الله لا يعلم، بل لأن المجتمع لا يعرف، والإنسان نفسه قد لا يعرف حقيقة نفسه حتى يوضع في الامتحان كم من إنسان يظن نفسه شجاعًا حتى يحضر الخوف؟ وكم من إنسان يظن نفسه زاهدًا حتى تأتي الدنيا؟

وكم من إنسان يظن نفسه منتظرًا حتى يطول الانتظار؟

الابتلاء والتمحيص

التمحيص هو تنقية الشيء مما علق به وفي السياق الإيماني، هو تنقية الصف المؤمن من الضعف، والنفاق، والوهم، والادعاء، والارتباطات غير النقية قال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾[10].

هذه الآية جاءت في سياق الحديث عن وقائع الصراع، وخاصة بعد ما أصاب المؤمنين من جراح فهي تكشف أن الجراح ليست بلا معنى، وأن الانكسار الظاهري قد يكون وسيلة تمحيص فالأمة التي لا تُمحّص تبقى ممتلئة بالعناصر الهشة وقد تبدو قوية في الظاهر، لكنها عند أول صدمة تتفتت لذلك تأتي المحن لتكشف من يعبد الله على حرف، ومن يثبت مع الحق في الشدة، ومن يبحث عن النصر لا عن التكليف ومن يريد الدين ما دام الدين لا يكلّفه شيئًا قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ﴾[11]، هذه الآية تصف نموذجًا خطيرًا: إنسان يعبد الله بشرط السلامة، فإن رأى خيرًا بقي، وإن رأى فتنة انهار وهذا ليس إيمانًا راسخًا، بل إيمان مشروط بالمصلحة.

 

الابتلاء في قصص الأنبياء

أولًا: نوح عليه السلام وابتلاء الزمن الطويل

قال تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾[12] تسعمائة وخمسون عامًا من الدعوة، ومع ذلك لم يؤمن معه إلا قليل هذا النموذج يكشف أن تأخر النتائج لا يعني بطلان المشروع، وأن قلة الأنصار لا تعني سقوط الحق، فلو قرأ الإنسان دعوة نوح قراءة مادية، لقال: أين النصر؟ أين الثمرة؟ أين العدل؟ لكن القرآن يعلّمنا أن الحق لا يُقاس بالعدد، وأن زمن الابتلاء قد يطول جدًا، وأن النبي صلى الله عليه واله قد يبذل عمرًا كاملًا قبل أن يرى الحسم الإلهي وهنا تظهر قاعدة مهمة للمؤمنين المنتظرين لصاحب الامر عجل الله فرجه الشريف وهي: (ان طول الطريق لا يعني خطأ الطريق) وانما يعني عدم تحقق جميع الاستحقاقات والتي منها تمييز المؤمنين وتمحيصهم وغربلتهم حتى يخرج منهم الصفوة من الأنصار والاعوان وقد ورد هذا المعنى في روايات آخر الزمان فعن أبي بصير، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي ‘ يقول: (والله لتميزن، والله لتمحصن، والله لتغربلن كما يغربل الزؤان من القمح ) [13]، وقال الإمام الكاظم عليه السلام: ( أما والله يا أبا اسحاق لا يكون ذلك حتى تميّزوا وتمحّصوا وحتى لا يبقى منكم إلا الأقل) [14].

 

ثانيًا: إبراهيم عليه السلام وابتلاء النار والولد

ان إبراهيم عليه السلام لم يكن مبتلى بخصم عادي، بل ابتُلي بمجتمع كامل، وبسلطة، وبأبيه، وبالنار، وبالهجرة، وبالأمر بذبح ولده قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾[15] ثم قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ هنا التدخل الإلهي جاء بعد بلوغ الابتلاء ذروته ونجاح إبراهيم بالتسليم والانقياد، لا قبلها لم يمنع الله القوم من جمع الحطب، ولم يمنعهم من إشعال النار، ولم يمنعهم من إلقاء إبراهيم، بل جاء اللطف الإلهي عند تمام الامتحان وهذه قاعدة مهمة:

(ليس من الضروري أن يمنع الله مقدمات البلاء، فقد يسمح بها لحكمة، ثم يجعل العاقبة لأهل الحق).

ثالثًا: موسى عليه السلام وابتلاء الخوف والمطاردة

قال تعالى عن موسى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾[16] نبي من أولي العزم يخرج خائفًا فهل الخوف هنا يناقض العناية الإلهية؟ لا، بل هو جزء من مسار الإعداد، موسى عليه السلام لم يصل إلى مواجهة فرعون إلا بعد تجربة الخروج، والغربة، والعمل والصبر، ثم العودة برسالة، وهنا نقرأ سنة أخرى: القائد الرسالي قد يمر بمرحلة ضعف ظاهر قبل مرحلة المواجهة.

رابعًا: النبي محمد صلى الله عليه واله وابتلاء أحد

غزوة أحد من أعظم الشواهد على أن المؤمنين قد يُهزمون إذا اختلت شروط النصر

قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾[17]، هذه الآية جوهرية جدًا، لأنها ترد على من يريد تفسير كل هزيمة بأنها خذلان إلهي فالقرآن الكريم يقول: هو من عند أنفسكم، أي إن بعض الهزائم ناتجة من خلل في الطاعة، أو في التنظيم، أو الثبات، أو الالتزام بأمر القيادة، وفي أحد، لم تكن المشكلة في أصل الحق، ولا في نبوة النبي’، ولا في وعد الله عز وجل، بل في مخالفة بعض الرماة لأمر رسول الله صلى الله عليه واله.

إذن: الهزيمة لا تعني بطلان المشروع، بل قد تعني وجود خلل في شروط النصر.

الابتلاء في مدرسة أهل البيت عليهم السلام

بلغ الابتلاء ذروته في سيرة أهل البيت عليهم السلام فالإمام علي عليه السلام ابتُلي بعد رسول الله صلى اله عليه واله بالإقصاء والصبر واستشهاد فاطمة عليها السلام، وانقلاب الامة على وصية رسول الله صلى الله علبه واله وتغيرهم وتبديلهم وتحريرهم لسنة النبي صلى الله عليه واله، ثم ابتلي بالناكثين والقاسطين والمارقين ورغم هذا قام بتكليفه بأروع صور عرفت بالتاريخ الإسلامي. 

والإمام الحسن عليه السلام ابتُلي بخذلان المجتمع، حتى اضطر إلى الصلح حفظًا لأصل الدين والشيعة، والإمام الحسين عليه السلام ابتُلي بكربلاء، حيث اجتمع القتل والعطش والسبي والغربة، ومع ذلك تحولت كربلاء إلى أعظم نصر قيمي في التاريخ.

وهنا نصل إلى قاعدة دقيقة:

(ليس كل نصر هو غلبة ميدانية، وليس كل هزيمة هي سقوط حقيقي)، فكربلاء في ظاهرها العسكري انتهت باستشهاد الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه، لكنها في ميزان العدل الإلهي صارت طريقا لحفظ الدين ومنهج الولاية، وارجعت الامة الى منطق القران والعترة الطاهرة، وفضحت السلطة الاموية وفتحت الباب امام الثوار واحييت الضمائر، وأصبحت مدرسة للثبات ومعيارًا دائمًا بين الحق والباطل ولذلك قيل في مضمون الزيارة: «أشهد أنك قد أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر) ، فالشهادة هنا لم تُقرأ كحادثة موت، بل كإقامة للدين.

أنواع الابتلاء

ان الابتلاء ليس نوعا واحدا بل هناك أنواع متعددة من الابتلاءات والاختبارات الإلهية تحكمها المرحلة في بعض الأحيان والظروف والمقامات كل بحسبه واليك اهم تلك الأنواع: 

1. الابتلاء بالخوف: قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾[18] الخوف يكشف حقيقة التوكل فكثيرون يتكلمون عن الثبات في زمن الأمن، فإذا جاء الخوف تراجعوا. والخوف ليس عيبًا بذاته؛ فقد خاف موسى عليه السلام، ولكن العيب أن يتحول الخوف إلى ترك للتكليف.

2. الابتلاء بالجوع والحاجة: قال تعالى: ﴿وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ الحاجة الاقتصادية من أخطر الابتلاءات؛ لأنها قد تدفع الإنسان إلى التنازل، أو الخضوع للظالم، أو بيع الموقف لذلك كان الصبر الاقتصادي جزءًا من الإيمان.

3. الابتلاء بنقص الأنفس قال تعالى: ﴿وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾[19]، وهذا يشمل الفقد، والشهادة، والخسائر البشرية. والقرآن لم يقل إن المؤمنين لن يفقدوا، بل قال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ أي إن البشارة ليست لمن لم يُبتلَ، بل لمن صبر داخل البلاء.

4. الابتلاء بطول الانتظار

طول الانتظار من أعقد الابتلاءات؛ لأنه لا يضغط على الجسد فقط، بل يضغط على اليقين ولهذا وردت مضامين روائية كثيرة في فضل الثبات في الغيبة، لأن المنتظر لا يواجه عدوًا خارجيًا فقط، بل يواجه: الشك والتعب والسخرية وطول الأمد وضعف النتائج الظاهرة قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾[20] هذه الآية تكشف أن النصر قد يأتي بعد بلوغ الشدة أعلى درجاتها.

وقد وردت روايات عدة تشير الى ان أحد اهم الابتلاءات التي تصيب المؤمن في عصر الغيبة هو طول امد الغيبة عن الإمام الصادق × أنّه قال: (إنّ للقائم منّا غيبة يطول أمدها، فقلتُ له: يا بن رسول الله ولِمَ ذلك؟ قال: لأنّ الله عزّ وجلّ أبى إلّا أن تجري فيه سنن الأنبياء ^في غيباتهم)[21] .

وعن المفضل بن عمر الجعفي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سمعته يقول: إياكم والتنويه أما والله ليغيبن إمامكم سنينا من دهركم وليمحص حتى يقال مات أو هلك بأي واد سلك، ولتدمعن عليه عيون المؤمنين ولتكفأن كما تكفأ السفن في أمواج البحر، فلا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه، وكتب في قلبه الايمان، وأيده بروح منه)[22] .

عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: (للقائم منا غيبة أمدها طويل كأني بالشيعة يجولون جولان النعم في غيبته يطلبون المرعى فلا يجدونه ألا فمن ثبت منهم على دينه ولم يقس قلبه لطول أمد غيبة إمامه فهو معي في درجتي يوم القيامة)[23].

الهوامش:

[1] الملك: 2

[2] فصلت: 46

[3] يونس: 44

[4] الكهف: 49

[5] الأنبياء: 35

[6] البحار ۸۱/۱۹۸.

[7] البحار ۸۱/۱۹۸.

[8] العنكبوت: 2-3

[9] آل عمران: 179

[10] آل عمران: 141

[11] الحج: 11

[12] العنكبوت: 14

[13] الغيبة للنعماني ص211.

[14] البحار:2/213

[15] الأنبياء: 68

[16] القصص: 21

[17] آل عمران: 165

[18] البقرة: 155

[19] البقرة: 155

[20] يوسف: 110

[21] بحار الأنوار: ج 100 ص49

[22] بحار الأنوار - ج ٥٢ - ص ٢٨٢

[23] كمال الدين - ج ١ - ص ٣٣١

: الشيخ وسام البغدادي