دراسة في فلسفة القيام في الفكر الإمامي...
في مسار التاريخ الإمامي، يبرز سؤالٌ يظلّ مفتوحاً على التأمل العميق: لماذا خرج الإمام الحسين (عليه السلام)، ولم يُسجّل لغيره من أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) خروجٌ مماثلٌ في الشكل والنتائج؟
أكان خروجه استثناءً في السياق التاريخي؟
أم أنه تكليفٌ إلهيٌّ خاصٌّ ارتبط به (عليه السلام)؟
أم أنّ المسألة أعمق من ذلك، بحيث تتصل بفلسفة القيام ذاتها في الفكر الإمامي، حيث تتبدّل صور التكليف بتبدّل الظرف؟
إنّ هذا السؤال لا يُراد به مجرد المقارنة التاريخية، بل فتحُ بابٍ لفهم منطق الحركة عند الأئمّة (عليهم السلام): متى يكون القيام؟ ومتى تكون التقية في القعود؟
ولفهم الجواب لا بد من فهم السُنن الإلهية في بعث الأنبياء والأولياء (عليهم السلام)، وما هي وظائفهم التي انيطت بهم، فلم تكن بعثتهم (عليهم السلام) حركةً عفويّةً في تاريخ البشر، بل هي قانونٌ ربّانيٌّ محكم، قائمٌ على تمييزٍ دقيقٍ بين مقام الهداية ومقام التنفيذ.
فالأنبياء (عليهم السلام) قد نُيطت بهم وظيفة التبليغ والبيان، وإقامة الحجّة على العباد، ليكون الحقّ واضحاً لا لبس فيه، والحجّة قائمةً لا مدفع لها.
أمّا إقامة العدل في الواقع الخارجي، وبسط القسط في حياة الأمم، فليس فعلاً قهريّاً يُفرض من علٍ، بل هو تكليفٌ جماعيٌّ موكولٌ إلى إرادة الناس واختيارهم، بقدر ما يتحمّلونه من مسؤوليّة الامتثال والانقياد، كما نطق به الوحي في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾(1).
ومن هنا، يتجلّى البُعد في الحركة الإصلاحية؛ إذ لم تُبعث الرسل لتُقيم العدل بمعزلٍ عن الناس، بل لتصنع الإنسان القادر على حمل العدل، وتؤسّس لوعيٍ ينهض به المجتمع بنفسه. وهذا ما يفسّر اختلاف مآلات التجارب النبويّة في التاريخ؛ فبين نبيٍ تمكّن من تشييد دولة العدل، وآخر لم يُمهل لذلك، وثالثٍ تخلّلت تجربته انتكاساتٌ واضطرابات، وهنا تتبدّى الحقيقة جليّة: أنّ مدار النجاح والإخفاق ليس في مقام القيادة المعصومة، ولا في كمال الرسالة وتمام التبليغ، بل في قابلية الأمم واستعدادها لتحمّل أعباء التكليف.
وعليه، فإنّ القراءة الواعية لا تُسند تعثّر مسيرة العدل إلى نقصٍ في الهداة (عليهم السلام)، فهم محلّ العصمة وتمام الحجّة، وإنّما تُرجعه إلى خللٍ بنيويٍ في الأمّة؛ إذ قد تعجز عن حمل المسؤولية ابتداءً، أو تنهض بها زمناً ثم يطول عليها الأمد، فتقسو قلوبها، وتنقلب على أعقابها، فيتبدّد ما أُسّس من معالم القسط، ويعود الانحراف ليملأ الساحة من جديد. وهنا تتجلّى المأساة التاريخيّة للإنسان: أنّه كثيراً ما يُمنح فرصة العدل، لكنّه لا يحسن حفظها.
ومن هنا، فإنّ قراءة سيرة النبيّ والأئمّة المعصومين (عليهم السلام) تكشف بوضوحٍ عن هذه السُنّة؛ إذ لم تكن إقامة العدل مجرّد نتاجٍ لوجود القيادة المعصومة، بل رهناً بقابليّة الأمّة واستعدادها. فالنبيّ (صلى الله عليه وآله) ـ مع تمكّنه من تأسيس الدولة ـ لم يسلم من خذلانٍ ظاهر، وتململٍ في الصفوف، وكثرةٍ في المنافقين؛ حتى إنّا نجده يقاتل في بدرٍ مع قلّةٍ صادقة، ثم يصالح في الحديبية مع كثرةٍ لم تبلغ مستوى الثبات. وهذا يكشف أنّ الكثرة ليست معياراً للنهضة، بل قد تكون سبباً للانكسار. وقد أشار الشيخ المفيد ﴿رحمه الله﴾ إلى هذا المعنى بقوله: ﴿وأنه لو كان المعلوم من أصحابه في عام الحديبية ما كان المعلوم منهم في حال بدر لما وسعه القعود والمهادنة، ولوجب عليه الجهاد كما وجب عليه قبل ذلك﴾ (2).
فمع تمام الحجّة، فرض الواقع صلح الحديبية، شاهداً على تذبذب النفوس رغم كمال القيادة.
وقد بلغ هذا التذبذب ذروته بعد استشهاد النبيّ (صلى الله عليه وآله)، حيث شهدت الأمّة ـــ بشهادة القرآن ـــ انقلاباً على الأعقاب، لا بوصفه حادثةً فجائيّة، بل نتيجة مسارٍ تراكميٍ بدأ حين خفت وهج الإيمان العملي، وتسرّب التردّد إلى مواقع النصرة.
وهذا بعينه ما واجهه أمير المؤمنين (عليه السلام)، إذ لم يكن مدار قيامه على وفرة العدد، بل على تحقّق النصرة الواعية؛ فقد قال: ﴿ولو كنت وجدت يوم بويع أخو تيم تتمة أربعين رجلاً مطيعين لي لجاهدتهم﴾(3).
فالمناط إذن ليس الكثرة، بل وجود الحدّ الأدنى من الرجال الثابتين القادرين على حمل المشروع.
وعلى هذا الأساس، لم يكن جهاده (عليه السلام) اندفاعاً ظرفيّاً، بل مرتبطاً بتحقّق علّةٍ محدّدة، عبّر عنها بقوله: ﴿ لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز﴾ (4).
وفي هذا البيان تتجلّى معادلة التكليف: فواجب مقاومة الظلم أصلٌ ثابت، غير أنّ فعليّته تبقى مشروطةً بالقدرة المتمثّلة بوجود الناصر، فإذا تحقّق هذا الحدّ قامت الحجّة، ولم يعد يسوغ التخلّي عن أداء الوظيفة.
أمّا إذا فُقد الناصر، أو تقاعس، أو انقلب من ركيزة نصرةٍ إلى عنصر خذلان، فإنّ التكليف لا يسقط، بل يتحوّل طوراً؛ فيغدو موردُ التقية وحفظ النفس والمشروع، لا تنازلاً عن الحقّ، بل تدبيراً للواقع وفق شروطه. ويشهد لذلك ما ورد عن الإمام الباقر ﴿عليه السلام﴾: ﴿إذا اجتمع للإمام عدة أهل بدر ثلاث مائة وثلاثة عشر وجب عليه القيام والتغيير﴾(5).
حيث يدلّ على أنّ بلوغ حدٍ معيّنٍ من النصرة ينقل الحكم من التقية إلى القيام، وأنّ المدار هو القدرة وجوداً وعدماً.
وعلى هذا الميزان يُفهم صلح الإمام الحسن ﴿عليه السلام﴾؛ فلم يكن تراجعاً عن مبدأ، بل قراءةً لواقعٍ تآكلت فيه القواعد، وغلبت فيه خيانات القريب قبل البعيد، حتى انتفى الرجاء من ثباتهم. ومع ذلك أقام الحجّة، فقال: ﴿ويلكم! والله إنّ معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي، وإنّي أظنّ إن وضعتُ يدي في يده فأسلمه لم يتركني أدين بدين جَدّي، وإنّي اَقدِرُ أن أعبدَ الله عزوجلّ وحدي، ولكن كأنّي أنظر إلى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم يستسقونهم ويطعمونهم بما جعل الله لهم فلا يسقون ولا يطعمون، فبُعداً وسحقاً لما كسبته أيديهم، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون﴾(6).
بل بلغ توصيف الواقع حدّاً صادماً، كما في نقل زيد بن وهب الجهنيّ عنه ﴿عليه السلام﴾ ـ وهو جريحٌ متألّم ـ: ﴿أرى والله أن معاوية خير لي من هؤلاء، يزعمون أنهم لي شيعة، ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي، وأخذوا مالي، والله لئن آخذ من معاوية عهدا أحقن به دمي، وأومن به في أهلي، خير من أن يقتلوني فتضيع أهل بيتي وأهلي...﴾ (7).
وهو يكشف عن انهيار بنية النصرة، حيث صار الخذلان الداخليّ أخطر من العدوّ الخارجيّ.
ومن مجموع ذلك يتّضح أنّ منهج الأئمّة ﴿عليهم السلام﴾ ليس القعود ولا التقية كقاعدةٍ أصليّة، بل الأصل هو القيام عند تحقّق شرطه، ولو بقلّةٍ صادقةٍ ثابتة. غير أنّ هذا الشرط النوعيّ لم يتكرّر بعد أمير المؤمنين ﴿عليه السلام﴾ إلّا في تجربةٍ فريدة، تجسّدت في نهضة الإمام الحسين ﴿عليه السلام﴾، حيث اجتمع له من الناصرين ما قامت به الحجّة، بل بما يزيد على حدّها الأدنى، فتحقّق بهم قيامه الشريف.
ومن هنا، يتّضح أنّ القيام الحسينيّ يمثّل الذروة في تجلّي وظيفة الإمام عند تحقّق شرطها؛ لا بوصفه حالةً استثنائيّةً أو تكليفاً خاصّاً ــ كما يفهم البعض ذلك ــ بل من حيث انطباق معايير القيام عليه.
كما أن عدم تحقّق النصر الدنيويّ لم يكن ناشئاً عن خللٍ في التخطيط أو قصورٍ في الرؤية، بل كان ثمرةً مباشرةً لخذلان الأمّة وتقاعسها عن الالتحاق بموقع النصرة. ومن ثمّ، فإنّ علم الإمام ﴿عليه السلام﴾ بمآل خروجه ـ كما يُفهم من قوله: ﴿من لحق بي استشهد ... ﴾ ـ لم يكن مانعاً من القيام، لأنّ المدار في منطق الإمام ليس على النتائج، بل على تحقّق شرط التكليف بوجود الناصر وحضور الحاضر، فكان قيامه حجّةً قائمةً على الأمّة، كما كان قيام أبيه كذلك من قبل.
وبهذا تتكرّر السُنّة التي تجلّت في سيرة أمير المؤمنين ﴿عليه السلام﴾؛ إذ قام حين قامت الحجّة، رغم علمه بما ستؤول إليه النتائج من تعثّرٍ ظاهريّ. وهو ما يكشف أنّ ميزان الأئمّة ﴿عليهم السلام﴾ لا يُقاس بمعايير الربح والخسارة، بل بميزان الامتثال؛ حيث يجب القيام عند تحقّق شرطه، سواء أفضى إلى نصرٍ عاجل أم إلى شهادةٍ خالدة تؤسّس لوعي الأمّة عبر التاريخ.
وعند التأمّل في مدوّنة الأخبار، ينكشف بُعدٌ أعمق في فهم حركة التاريخ الإماميّ؛ إذ لا تُقرأ دولة العدل كحادثةٍ منفصلة، بل كمشروعٍ إلهيٍ محكومٍ بسُننٍ دقيقة، يتقدّم ويتأخّر تبعاً لموقف الأمّة. ومن ذلك ما رواه أبو حمزة الثمالي، قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقر ﴿عليه السلام﴾: إن علياً ﴿عليه السلام﴾ كان يقول: ﴿إلى السبعين بلاء﴾ وكان يقول: ﴿بعد البلاء رخاء﴾ وقد مضت السبعون ولم نر رخاء! فقال ﴿عليه السلام﴾: ﴿يا ثابت إن الله تعالى كان وقت هذا الامر في السبعين، فلما قتل الحسين عليه السلام اشتد غضب الله على أهل الأرض، فأخره إلى أربعين ومائة سنة، فحدثناكم فأذعتم الحديث، وكشفتم قناع السر... ﴾(9).
وهذا النصّ يكشف عن علاقةٍ دقيقة بين الفعل الإنسانيّ والتقدير الإلهيّ؛ إذ كانت “سنة السبعين” ظرفًا مهيّأً ـ في الجملة ـ لتحقّق مشروع العدل، وهو ما يتقاطع مع نهضة الإمام الحسين ﴿عليه السلام﴾، غير أنّ خذلان الأمّة في تلك اللحظة المفصليّة لم يقتصر على فشلٍ مرحليّ، بل أفضى إلى تأخير المشروع نفسه، بوصفه أثراً مترتّباً على ذلك الموقف.
وإذا نُظر إلى سنة الأربعين ومائة للهجرة، حيث بدأ اختلال الدولة الأمويّة، بدت ــ ظاهراً ــ فرصةً مهيّأةً لانتقال السلطة وقيام العدل، غير أنّ العامل الحاسم ظلّ مفقوداً: الناصر الصادق. فاستمرّ الخذلان، وتكرّرت الإشكاليّة، وانكشف ضعف القاعدة، وتهافت البنية التي يُفترض أن تحمل المشروع.
ومن هنا، يتّضح أنّ الأمر قد انتقل في طورٍ لاحق إلى الإمام جعفر الصادق ﴿عليه السلام﴾، حيث قال: ﴿كان هذا الامر فيّ فأخره الله ويفعل بعد في ذريتي ما يشاء﴾(10). وهو تصريحٌ يكشف أنّ الإمكانيّة التاريخيّة لقيام العدل لم تكن معدومة، بل كانت قائمةً في الجملة، غير أنّها أُرجئت للعلّة نفسها: قلّة الناصر الصادق، وخذلان الأمّة عند الامتحان، مع الإشارة إلى إمكان تحقّقها في ذريّته متى ما تغيّر حال الأمّة.
وتتجلّى هذه الحقيقة بأوضح صورها في التجربة العمليّة التي نقلها المأمون الرقّي؛ إذ احتجّ سهل بن الحسن الخراسانيّ على الإمام ﴿عليه السلام﴾ بكثرة الأنصار، فكان الجواب درسًا تطبيقيًّا: أمر بإحماء التنور، ودعاه للدخول فيه، فتراجع، بينما امتثل هارون المكّي بلا تردّد، فخرج سالماً، فقال الإمام: ﴿لا والله ولا واحدا... أما إنا في زمان لا نجد فيه خمسة معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت﴾ (11).
فرغم الكثرة العددية التي كانت حول الإمام الصادق ﴿عليه السلام﴾ ، إلا أنها في الواقع كتلك الكثرة التي كانت حول النبي ﴿صلى الله عليه وآله﴾ في الحديبية، فظهر أنّ النصرة ليست دعوى، بل ثباتٌ عند الامتحان.
ويؤكّد ذلك ما رواه الكليني ﴿رحمه الله﴾: ﴿أما والله لو أني أجد منكم ثلاثة مؤمنين يكتمون حديثي ما استحللت أن أكتمهم حديثا﴾(12)، وهو نصٌّ يكشف بلوغ الأزمة حدّ فقدان الحدّ الأدنى من الأمناء، فضلاً عن حملة مشروع التغيير.
وفي السياق نفسه، يخاطب الإمام الصادق ﴿عليه السلام﴾ سدير الصيرفيّ بعد ادّعائه كثرة الشيعة، فيقول: ﴿والله يا سدير لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ما وسعني القعود... ﴾(13)، فلم تبلغ الجداء إلّا سبعة عشر، دلالةً على أنّ النصرة الحقيقيّة لا تُقاس بالكثرة، بل بالصدق والثبات.
ومن مجموع هذه النصوص، تتكرّر الصورة ذاتها: قلّة الناصر المخلص، وهشاشة دعوى الاتّباع؛ فإن وُجد الناصر، كان كثيراً ما يشوبه التزلزل والضعف، كما شهد به تاريخ أمير المؤمنين ﴿عليه السلام﴾، وتكرّر في زمن الحسن، واستمرّ في عهد الصادق ﴿عليه السلام﴾، حتى قال كاشفاً واقع المدّعين: ﴿وأيم الله لو دعيتم لتنصرونا لقلتم لا نفعل إنّما نتّقي، ولكانت التقية أحبّ إليكم من آبائكم وأمّهاتكم، ولو قد قام القائم ما احتاج إلى مسائلتكم عن ذلك، ولأقام في كثير منكم من أهل النفاق حدّ الله﴾ (14).
وهنا نبلغ لبّ البحث، فنطرح السؤال التالي: ما دلالة لفظ "القائم" في الأخبار؟
أهو عنوانٌ خاصٌّ بالإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري ﴿عجّل الله فرجه﴾، أم أنّه مفهومٌ أوسع كان من الممكن أن ينطبق على كلّ إمامٍ تتوفّر له شروط القيام، فينهض بوظيفته عند تحقّقها؟
إنّ التتبّع الدقيق لمدوّنة الأخبار يكشف بوضوحٍ أنّ لفظ "القائم" لم يكن دائماً عنواناً منحصراً بشخصٍ بعينه، بل جرى استعماله في موارد كثيرة بوصفه وصفاً وظيفيّاً، يُشير إلى الإمام الذي تتوفّر له شروط النهوض، لا إلى اسمٍ خاصٍ بعينه.
ويشهد لذلك ما عُرف في أوساط شريحةٍ من الشيعة ــ بل من خاصّتهم ــ من الاعتقاد بأنّ الإمام الكاظم ﴿عليه السلام﴾ هو "القائم"، وهو اعتقادٌ لم ينشأ من فراغ، بل استند في جذوره إلى نصوصٍ صدرت عن الإمام الصادق ﴿عليه السلام﴾، غير أنّ الإشكال ــ كما تكرّر في غير مورد ــ كان في إذاعة هذا المعنى، وإخراجه من دائرة الكتمان إلى فضاء التداول.
ومن أعمق ما ورد في هذا الباب، ما رواه داود الرقّي، قال: قلت للإمام الرضا ﴿عليه السلام﴾: ﴿جعلت فداك انه والله ما يلج في صدري من أمرك شئ الا حديثا سمعته من ذريح يرويه عن أبي جعفر عليه السلام، قال لي: وما هو؟ قال سمعته يقول: سابعنا قائمنا إن شاء الله، قال: صدقت وصدق ذريح وصدق أبو جعفر عليه السلام، فازددت والله شكا، ثم قال يا داود بن أبي خالد: أما والله لولا أن موسى قال للعالم ستجدني إن شاء الله صابرا ما سأله عن شئ، وكذلك أبو جعفر عليه السلام لولا أن قال ان شاء الله لكان كما قال، قال: فقطعت عليه﴾(15).
واللافت أنّ الإمام لم يُكذّب الخبر، بل أمضاه، ثم بيّن أنّ موطن الإشكال إنّما هو في عدم تحقّق الشرط، الذي يستتبع عدم تحقّق المعلَّق؛ فالقضيّة لم تكن وعداً حتميّاً منفصلاً عن الواقع، بل مرتبطةً بسننٍ إلهيّةٍ تجري في الاجتماع البشريّ.
وعلى هذا، فإنّ "القائم" في هذا السياق لا ينصرف بالضرورة إلى "المهديّ الموعود" كما ذهبت إليه "الواقفة"، بل يُراد به الإمام الذي لو تهيّأت له شروط النصرة، لنهض بمشروع إقامة العدل. غير أنّ تلك الإمكانيّات كانت تُجهض مراراً، إمّا بالخذلان، أو بالوشاية، أو بإفشاء السرّ. ومن شواهد ذلك ما نُقل من وشاية عليّ بن إسماعيل ابن الامام الصادق، وما ترتّب عليها من اعتقال عمه الإمام الكاظم ﴿عليه السلام﴾ وانتهاء أمره إلى الشهادة، حتى رُفع جسده الشريف، ونودي بذلك النداء المؤلم: "هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنّه لا يموت، فانظروا إليه ميتاً".
وهنا يبرز سؤالٌ دالّ: لِمَ تعمّدت السلطة إطلاق مثل هذا التصريح؟ إنّ ذلك لا يُفهم إلّا على ضوء ما كان رائجاً في الوعي الشيعيّ من أنّ الإمام هو "القائم" المنتظر لإقامة العدل، حتى بلغ هذا الفهم حدّ الاشتهار الذي التقطته السلطة، فسعت إلى تقويضه عبر هذا المشهد العلنيّ، محاولةً نفي تلك العقيدة من خلال إظهار الإمام ﴿عليه السلام﴾ في صورة الموت الجسديّ على جسر بغداد.
ويبدو ــ من خلال استقراء هذه النصوص وتضافر دلالاتها ــ أنّ العلّة التي أعاقت تحقّق قيام العدل عبر الأزمنة لم تكن طارئةً، بل سُنّةً متكرّرةً، أعادت إنتاج التأخير في كلّ مرحلة، حتى في عصر الإمام موسى الكاظم ﴿عليه السلام﴾. ويؤكّد ذلك ما رواه ثقة الإسلام الكليني ﴿رحمه الله﴾ بسنده، عن موسى بن بكر الواسطي، قال: قال لي أبو الحسن ﴿عليه السلام﴾: ﴿لو ميزت شيعتي لم أجدهم إلا واصفة ولو امتحنتهم لما وجدتهم إلا مرتدين ولو تمحصتهم لما خلص من الألف واحد ولو غربلتهم غربلة لم يبق منهم إلا ما كان لي إنهم طال ما اتكوا على الأرائك، فقالوا: نحن شيعة علي، إنما شيعة علي من صدق قوله فعله﴾(16).
وهذا النصّ ـ على شدّة لهجته ــ لا يرسم قسوةً اعتباطيّة، بل يكشف عن حقيقةٍ بنيويّة: أنّ الأزمة لم تكن في فقدان الشعار، بل في غياب المصداق؛ فالتشيّع في ميزان الأئمّة ﴿عليهم السلام﴾ ليس دعوى تُقال، بل التزامٌ يُجسّد، وثباتٌ يُمتحن في مواطن الشدّة.
ولم تكن هذه الظاهرة حبيسة مرحلةٍ بعينها، بل تردّد صداها في كلمات الإمام الرضا ﴿عليه السلام﴾، حين واجه دعاوى الانتساب بالتقويم الصارم، فقال: ﴿...ويحكم إن شيعته: الحسن والحسين وسلمان، وأبو ذر، والمقداد، وعمار، ومحمد بن أبي بكر الذين لم يخالفوا شيئا من أوامره، وأنتم في أكثر أعمالكم له مخالفون... لو قلتم: إنكم مواليه ومحبوه... لم أنكره من قولكم ... ﴾ (17).
وهو بيانٌ يكشف عن فجوةٍ عميقة بين الانتماء اللفظيّ والالتزام العمليّ، بين الادّعاء وحقيقة الامتحان.
وعليه، يتّضح من مجموع ما تقدّم أنّ تأخّر ظهور الإمام المهدي ﴿عجّل الله فرجه﴾ ليس حادثةً منفصلةً عن سياق التاريخ الإماميّ، بل هو امتدادٌ لذات العلّة التي حالت دون قيام دولة العدل في عصور الأئمّة ﴿عليهم السلام﴾، وهي فقدان شرط النصرة الصادقة وتحقّق الحدّ الكافي من القابلية الاجتماعيّة. ومن هنا يُطرح السؤال: ما مقدار هذا الشرط الذي إذا تحقّق كان ظرفاً للقيام؟
وقد فهم بعضهم أنّه مرتبطٌ بعددٍ معيّن، استناداً إلى ما روي عن أبي عبد الله ﴿عليه السلام﴾ أنّه قال: ﴿جعلت فداك، إني والله أحبك وأحب من يحبك، يا سيدي ما أكثر شيعتكم. فقال له: أذكرهم. فقال: كثير. فقال: تحصيهم؟ فقال: هم أكثر من ذلك. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أما لو كملت العدة الموصوفة ثلاثمائة وبضعة عشر كان الذي تريدون...) (18).
غير أنّ التأمّل الدقيق في مجموع النصوص يفضي إلى أنّ هذا البيان لا يراد به حصرُ أمر الظهور النهائيّ للإمام المهدي ﴿عجّل الله فرجه﴾ بهذا العدد على وجه التعيين، بل هو بيانٌ لمعيارٍ من معايير تحقّق شرط القيام في الجملة في كل العصور السابقة في زمان الائمة ﴿عليهم السلام﴾؛ أي تحقق الحدّ الأدنى من النصرة الواعية القادرة على حمل المشروع. ويؤيّد هذا الفهم ما تقدّم عن أبي جعفر الباقر ﴿عليه السلام﴾: ﴿إذا اجتمع للإمام عدة أهل بدر ثلاث مائة وثلاثة عشر وجب عليه القيام والتغيير﴾، حيث يُفهم منه أنّ مناط القيام يدور مدار تحقّق النصاب النوعيّ من الناصرين، لا مجرّد الانتظار العدديّ لقيامٍ مطلق.
وعلى هذا الأساس، يمكن فهم رواية الإمام الصادق ﴿عليه السلام﴾ على أنّها بيانٌ لشرطٍ من شروط قيام الإمام في عصره أو في عصر أحد أبنائه ﴿عليهم السلام﴾، لا أنّها تحديدٌ نهائيٌّ لظهور الإمام المهدي ﴿عجّل الله فرجه﴾ بمعناه العقائديّ الخاصّ؛ إذ المدار في جميع تلك الموارد واحد: تحقّق النصرة التي تُقيم الحجّة، لا مجرّد بلوغ رقمٍ عدديٍّ جامد.
أما شرط قيام المهدي الموعود ﴿عجل الله فرجه﴾ فقد ورد في ما رواه الشيخ النعماني ﴿رحمه الله﴾ بسنده عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله ﴿عليه السلام﴾: ﴿لا يخرج القائم (عليه السلام) حتى يكون تكملة الحلقة. قلت: وكم تكملة الحلقة؟ قال: عشرة آلاف جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، ثم يهز الراية ويسير بها فلا يبقى أحد في المشرق ولا في المغرب إلا لعنها، وهي راية رسول الله (صلى الله عليه وآله) نزل بها جبرئيل يوم بدر...﴾(19).
إنّ معنى "لعن الراية" في هذا السياق لا يُفهم بوصفه مجرّد ردّة فعل لفظيّة، بل هو تعبير عن حالة مواجهة شاملة بين الحقّ المحض الذي تمثّله الراية، وبين منظومات المصالح والسلطات القائمة في ذلك الزمان. فحين تتجلّى هذه الراية، لا تُواجه كرمزٍ مجرّد، بل كخطٍ فاصلٍ بين مشروعٍ إلهيٍ لإقامة القسط، وبين واقعٍ عالميٍ متراكمٍ على الظلم والانحراف؛ ولذلك يُقابلها أهل المصالح في "المشرق والمغرب" بالرفض واللعن، لأنّها تهدّد بنيتهم الوجوديّة قبل أن تمسّ مواقعهم السياسيّة.
وأمّا ذكر "عشرة آلاف" فهو أقرب ــ في ضوء طبيعة المهمة الكونيّة للإمام ﴿عجّل الله فرجه﴾ ــ إلى بيان حجم الحلقة التنفيذيّة القادرة على إدارة مشروع عالميّ، لا على نفي أصل وجود العدد الأصغر الذي ورد في بعض النصوص الأخرى الثلاثمائة وبضعة عشر. فليس في ذلك تعارض، بل لا بد أن تجتمع العدة والحلقة لتتحقّق القدرة على الامتداد العالميّ للمشروع. وعليه، فإنّ "الحلقة" ليست مجرد رقم، بل بنية نصرةٍ متكاملةٍ تتحمّل أعباء إقامة القسط في أفق الإنسانية كلّها.
ومن هنا، تبقى مسؤولية المنتظرين ليست حالة انتظارٍ سلبيّ، بل مشروع إعدادٍ وتمهيد. وقد ورد عن أبي عبد الله ﴿عليه السلام﴾: ﴿... من سره أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر ، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه ، فجدوا وانتظروا ، هنيئا لكم أيتها العصابة المرحومة﴾(20).
فالمعيار هنا هو تحويل الانتظار إلى سلوكٍ أخلاقيٍ عمليٍ يوازي حقيقة الانتماء.
وثاني ذلك الإعداد العملي الذي يرسّخ معنى الاستعداد الواقعي، كما في قوله ﴿عليه السلام﴾: ﴿ليعدن أحدكم لخروج القائم ولو سهما فإن الله تعالى إذا علم ذلك من نيته رجوت لأن ينسئ في عمره حتى يدركه فيكون من أعوانه وأنصاره﴾ (21).
فـ"ليعدن" لا تُفهم توصيةً جزئيّة، بل تأسيسٌ لثقافة الإعداد ضمن حدود القدرة، بحيث يصبح الانتماء للمشروع المهدويّ مرتبطاً بالتهيّؤ الفعلي لا بالانتظار الذهني وحده.
وأمّا قوله ﴿ولو سهما﴾ فهو تعبيرٌ رمزيٌّ عن أدنى درجات الإعداد الممكنة، أي أن لا يُترك باب القدرة ــ مهما صغر ــ دون توظيف. فالسهم هنا ليس مقصوداً لذاته، بل رمزٌ لمطلق الوسيلة التي يدخل بها الفرد في دائرة التهيئة؛ وكأنّ النصّ يريد أن يقول: لا يُطلب من كلّ أحدٍ ما ليس في وسعه، لكن يُطلب منه ألّا يُفرّط في أقلّ ما يستطيع. وهذا المعنى يتّضح أكثر إذا قورن بمضمون روايات أخرى تؤكّد أنّ إقامة دولة العدل لا تتمّ خارج سنن الأسباب، كما في قول الإمام الباقر ﴿عليه السلام﴾: ﴿... كلا والذي نفسي بيده حتى نمسح وأنتم العرق والعلق﴾ (22)، وهو تصريحٌ بنفي التوهّم الغيبيّ المنفصل عن الجهد البشريّ، وإثبات أنّ المشروع الإلهيّ يتحقّق ضمن حركةٍ تاريخيّةٍ واقعيّةٍ تُبذل فيها التضحيات وتُستنفد فيها الأسباب، وبذلك في تحتاج إلى الأدوات كما احتاجت حركات الأنبيا (عليهم السلام) من قبل.
يتّضح من مجموع هذه النصوص أنّ مشروع العدل الإلهيّ في فكره الإماميّ ليس فكرةً غيبيةً معلّقةً خارج التاريخ، ولا حركةً منفصلةً عن سنن الاجتماع، بل هو مشروعٌ مشروطٌ بوعي الأمّة واستعدادها، وبناءُ "الحلقة" فيه ليس حدثاً فجائيّاً، بل نتيجة تراكمٍ تربويٍ وإيمانيٍ وإعداديّ.
ومن ثمّ فإنّ الانتظار الحقيقيّ ليس ترقّباً زمنيّاً، بل انخراطٌ في صناعة الشرط، بحيث تتحوّل الأمة من موقع التمنّي إلى موقع التهيئة، ومن خطاب الدعاء إلى فعل الإعداد، لتكون حينها مؤهّلةً لحمل أمانة القسط الإلهيّ في لحظته الموعودة.
والحمد لله رب العالمين
المصادر:
(1)- الحديد : 25
(2)- رسائل في الغيبة، ج ٣، الشيخ المفيد، ص ١٣
(3)- كتاب سليم بن قيس الهلالي، ج ٢، سليم بن قيس الهلالي الكوفي، ص ١١٩
(4)- نهج البلاغة، خطب الإمام علي (ع )، ص ٥٠
(5)- دعائم الاسلام ، ج 1 ، ص 342
(6)- تاريخ الطبري ، ج 4 ، ص 122
(7)- الاحتجاج، ج ٢، أحمد بن علي الطبرسي، ص ١٠
(8)- كامل الزيارات، جعفر بن محمد بن قولويه، ص ١٥٧
(9)- الغيبة، الشيخ الطوسي، ص ٤٥٦
(10)- الغيبة، الشيخ الطوسي، ص ٤٥٧
(11)- مناقب آل أبي طالب، ج ٣، ابن شهر آشوب، ص ٣٦٣
(12)- الكافي، ج ٢، الشيخ الكليني، ص ٢٤٢
(13)- الكافي، ج ٢، الشيخ الكليني، ص ٢٤٣
(14)- تهذيب الأحكام، ج ٦، الشيخ الطوسي، ص ١٧٢
(15)- اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي)، ج ٢، الشيخ الطوسي، ص ٢٥٥
(16)- الكافي، ج ٨، الشيخ الكليني، ص ٢٥٢
(17)- تفسير الإمام العسكري ( ع )، المنسوب إلى الإمام العسكري ( ع )، ص ٣٢١
(18)- الغيبة، ابن أبي زينب النعماني، ص ٢١١
(19)- الغيبة، ابن أبي زينب النعماني، ص ٣٢٠
(20)- الغيبة، ابن أبي زينب النعماني، ص ٢٠٧
(21)- الغيبة، ابن أبي زينب النعماني، ص ٣٣٥
(22)- الغيبة، ابن أبي زينب النعماني، ص ٢٩٤

اترك تعليق