المكانة المعرفيّة لأهل البيت(عليهم السلام) في القرآن الكريم

يمكن بحث المكانة المعرفية لأهل البيت (عليهم السلام) في القرآن الكريم من جهتين؛ الجهة الأولى: ما هي المنزلة المعرفية التي يحتلها أهل البيت (عليهم السلام) من وجهة نظر القرآن الكريم؟ والجهة الثانية: ما هي المنزلة المعرفية لأهل البيت (عليهم السلام) بالنسبة إلى العلوم القرآنية، من قبيل: التفسير والقراءة وما إلى ذلك؟ وهل لهم المرجعية في فهم ومعرفة القرآن الكريم أم لا؟[1] .

إنّ البحث والإجابة عن هذين السؤالين، من شأنه أنْ يبيّن جانبًا من المنزلة المعرفية لأهل البيت (عليهم السلام).

فيما يتعلّق بالإجابة عن السؤال الأول (المكانة المعرفية للأئمة (عليهم السلام) في آيات القرآن الكريم)، فإنّه بالإضافة إلى روايات الإمامية، توجد رواياتٌ متعدّدةٌ وردت في كتب العامة أيضًا. من ذلك على سبيل المثال أنّ الحاكم الحسكاني عقد في كتاب شواهد التنزيل بابًا بعنوان (في كثرة ما نزل فيه وفي أولاده والعترة من القرآن على الجملة)، نقل فيه كثيرًا من الروايات عن الصحابة والتابعين، ومفاد هذه الروايات بيان منزلة معرفية خاصة للإمام علي(عليه السلام) وسائر الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) في القرآن الكريم. كما ذكر ابن عساكر في ترجمة أمير المؤمنين(عليه السلام) في كتابه تاريخ مدينة دمشق كثيرًا من الروايات في هذا الباب. وإنّ محتوى هذه الروايات، الواردة في مصادر أهل السنة الأخرى أيضًا[2]، عبارةٌ عن مسائل من قبيل: نزول أكثر الروايات في شأن الإمام بالقياس إلى سائر الصحابة[3]، ونزول ثلث أو ربع القرآن الكريم بشأن أهل البيت (عليهم السلام)[4]، والفضائل الخاصّة بأمير المؤمنين وأهل البيت (عليهم السلام) في القرآن الكريم[5]، وما إلى ذلك من الموارد الأخرى[6].

وكذلك ذكر الحاكم الحسكاني في باب بعنوان: (في أنّه المعني بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ في كلّ القرآن وقد نزل في ما يقرب من تسعين موضعًا من كتاب الله تعالى)، روايات تؤكّد أنّ المصداق الأصلي والأكمل للمخاطبين بعبارة (الذين آمنوا)، هو أمير المؤمنين(عليه السلام)[7]. ثم قام بعد ذلك بتفصيل الآيات التي نزلت في شأن الإمام علي وأهل البيت (عليهم السلام) بحسب ترتيب سوَر القرآن الكريم، وعددها كبير جدًا[8]. كما يمكن العثور على هذه الطائفة من الروايات بكثرة في تقارير ابن عساكر في ترجمة الإمام علي(عليه السلام) في كتاب تاريخ مدينة دمشق أيضًا[9]، وكذلك قام ابن مردويه الإصفهاني في كتابيه (مناقب علي بن أبي طالب)، و(ما نزل من القرآن في علي)، بنقل أكثر من خمسين آيةٍ من القرآن الكريم، نزلت في شأن أمير المؤمنين طبقًا لروايات أهل السُنّة(عليه السلام)[10].

إنّ هذه الروايات الواردة في المصادر الروائية لدى الفريقين بكثرة صريحةٌ في إثبات أنّ لأهل البيت (عليهم السلام) مكانةً معرفيةً خاصةً في القرآن الكريم. ومن هذه الزاوية يحتل أمير المؤمنين(عليه السلام) منزلةً مميّزة من بين أصحاب النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا يمكن مقارنة منزلة سائر الصحابة في القرآن الكريم بمنزلته.

وفي الإجابة عن السؤال الثاني (موقع أهل البيت (عليهم السلام) بالنسبة إلى علم القرآن أو العلوم القرآنية)، نجد أنّ دراسة التقارير التاريخية تثبت أنّ لأهل البيت (عليهم السلام) مكانةً معرفية خاصةً، وأنّهم يمثّلون مرجعيةً علميةً في علوم القرآن[11]. وقد نُقل في التقارير التاريخية وفي السيرة النبوية أنّ من بين الأدوار التي اضطلع بها الإمام علي(عليه السلام) العمل على جمع التراث التفسيري للنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلم القرآن الكريم. كما وقد ورد تأكيد على هذا الدور بشكلٍ صريح في المصادر المختلفة لأهل السُنّة[12]. من ذلك على سبيل المثال ما ورد في الأثر أنّ الأمر الأول الذي كان يقوم به النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) فور عودته من الحروب لا التي كان يخوضها خارج المدينة المنوّرة، تخصيص الإمام علي(عليه السلام) في السرّ والعلن بما نزل من القرآن الكريم في غيابه، مقرونًا بتفسيره وتنزيله وتأويله وناسخه ومنسوخه، وكان الإمام علي(عليه السلام) يقوم بتدوين وكتابة كلّ ما يمليه عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الشأن[13]. وكذلك فقد روي عن الإمام علي(عليه السلام) أنّه قال: «ما في القرآن آيةٌ إلّا وقد قرأتُها علی رسول الله وعلّمني معناها»[14]. وقد أكّد الإمام علي(عليه السلام) في روايةٍ أخرى علمه بشأن نزول جميع آيات القرآن الكريم[15].

وقد ظهر هذا التراث بعد رحيل النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في القرآن الكريم الذي قام بجمعه الإمام علي(عليه السلام)[16]. وقد قيل إنّ هذا القرآن قد تمّ جمعه على أساس ترتيب نزول الآيات[17]. وكذلك فإنّ الروايات التي ورد التصريح فيها بالقول: «علي مع القرآن، والقرآن مع علي» تؤيّد هذا المعنى أيضًا[18]. وقام الحاكم الحسكاني في كتابه شواهد التنزيل تحت باب بعنوان: (في توّحده بمعرفة القرآن ومعانيه وتفرّده بالعلم بنزوله وما فيه) بذكر كثيرٍ من الروايات الواردة في باب المنزلة الخاصّة للإمام علي(عليه السلام) في التفسير وفي سائر العلوم القرآنية الأخرى[19].

يضاف إلى ذلك أنّ أشهر المفسّرين في الصدر الأول قد اعترفوا بأنّهم إنّما أخذوا علم القرآن من الإمام علي(عليه السلام). وقد أقرّ بذلك حتى عبد الله بن عباس، وهو من أكابر المفسرين في صدر الإسلام[20.]، وقد اعترف الحسن البصري بأنّه بسبب خوفه من الحجّاج بن يوسف الثقفي وظروف التقية كان في نقله لروايات الإمام علي ينسب الكلام إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: (قال النبيّ)، بدلًا من: (قال علي)[21]. وقيل إنّه في عصر حكم بني أميّة، كان يعبّر عن الإمام علي(عليه السلام) في الروايات التي ينقلها عنه بـ(أبي زينب)[22]. كما أشار عبد الله بن مسعود إلى مكانته الخاصّة في فهم القرآن الكريم وتفسير[23]، وقال إنه عالم بظاهر القرآن وباطنه. وبالإضافة إلى اعترافه بتعلم القرآن الكريم على يد الإمام علي(عليه السلام)، قال: «قرأت على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تسعين سورة وختمت القرآن على خير الناس بعده. فقيل له: من هو؟ قال علي بن أبي طالب»[24]. وكذلك تشير التقارير إلى أنّ أشخاصًا من أمثال: سلمان الفارسي، والمقداد، وأبي ذر الغفاري، الذين نقلوا تراثًا تفسيريًّا مختلفًا، قالوا إنّهم تعلّموا هذا التراث من الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)[25].

الهوامش:----

[1] يُنظر: أبطحي، عبد الحميد، (مصدریت امام علی(عليه السلام) در علوم اسلامی در سدۀ اول هجری)، دو فصلنامه علمی تخصصی سیره‌ پژوهی اهل بیت (عليهم السلام)، ص 27 - 46. (مصدر فارسي).

[2] يُنظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج 1، ص 219.

[3] يُنظر: ابن ‌عساکر، تاریخ مدینة دمشق، ج 42، ص 263 - 364؛ الحاکم الحسکاني، شواهد التنزیل، ج 1، ص 52.

[4] يُنظر: الحاکم الحسکاني، شواهد التنزیل، ج 1، ص 52.

[5] م.ن، ج 1، ص 54 ـ 55.

[6] م.ن، ص 52 ـ 62.

[7] م.ن، ص 63 ـ 72.

[8] م.ن، ج 1، ص 73 ـ 574.

[9] يُنظر: ابن ‌عساکر، تاریخ مدینة دمشق، ج 42، ص 215 – 352.

[10] يُنظر: ابن‌ مردویه، مناقب علي بن أبي ‌طالب ما نزل من القرآن في علي، ص 215 - 352.

[11] يُنظر: الصدر، السيد محمد باقر، نشأة التشيّع والشيعة، ص 129 ـ 140؛ الحسيني الميلاني، قادتنا كيف نعرفهم، ج 2، ص 185 ـ 523.

[12] يُنظر: الحسيني الميلاني، قادتنا كيف نعرفهم، ج 2، ص 187 ـ 190.

[13] يُنظر: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 1، ص 62 ـ 64.

[14] الحاکم الحسکاني، شواهد التنزیل، ج 1، ص 43.

[15] يُنظر: البلاذري، أنساب الأشراف، ج 2، ص 99.

[16] يُنظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 2، ص 257 ـ 258؛ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 2، ص 78.

[17] يُنظر: الذهبي، معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، ج 1، ص 27 - 28.

[18] يُنظر: القندوزي الحنفي، ینابیع المودة، ج 1، ص 124؛ ابن ‌مردویه، مناقب علي بن أبي ‌طالب ما نزل من القرآن في علي، ص 117.

[19] يُنظر: الحاکم الحسکاني، شواهد التنزیل، ج 1، ص 43 ـ 51.

[20] يُنظر: ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج 3، ص 1104.

[21] يُنظر: المزّي، تهذيب الكمال، ج 6، ص 124.

[22] يُنظر: السيد المرتضى، الأمالي، ج 1، ص 112.

[23] يُنظر: القندوزي الحنفي، ينابيع المودّة، ج 1، ص 223.

[24] ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج 42، ص 400 ـ 401.

[25] يُنظر: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 1، ص 62.

: السيد علي حسيني زاده خضر آباد