مقايضةُ الحسنات بالسيئات: الغيبةُ في ميزان العدل الإلهي...

ليست الغيبةُ زلّةَ لسان عابرة، ولا عثرةً أخلاقيةً تُطوى مع اعتذارٍ سريع؛ إنّها ـ في المنظار الديني ـ فعلُ تقويضٍ داخلي، واحتراقٌ بطيءٌ في بنية الروح. إنّها اللحظةُ التي ينقلبُ فيها اللسانُ من أداة ذكرٍ إلى سكين نحر، ومن جسر تواصلٍ إلى معبر خراب؛ فيغدو الإنسانُ ـ وهو يظنّ أنّه يتكلّم ـ مأدبةً للعدم، يقتاتُ من لحم أخيه، ويُطعمُ وجوده للفناء.

أولاً: الغيبةُ بوصفها انتحاراً للدين واغتيالاً للآخر:

يكشفُ النبيُّ (صلى الله عليه وآله) عن البعد التدميريّ الخفيّ لهذا الذنب، فيقول: (الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الآكلة في جوفه) (1).

ليست المسألةُ هنا تشبيهاً بلاغياً فحسب، بل توصيفٌ أنطولوجيّ: فكما تأكلُ الآكلةُ الجسد من داخله، تأكلُ الغيبةُ الإيمان من جذره، حتى لا يبقى منه إلا أسمٌ بلا روح.

ومن هنا جاء توصيفُها الصادم في قول النبي ( صلى الله عليه وآله ) : (من اغتاب مؤمنا ، فكأنما قتل نفسا متعمدا) (2).

فالقتلُ ليس دائماً سفكاً للدم، بل قد يكونُ اغتيالاً للسمعة، وهدماً للصورةِ المعنوية، ونسفاً لحرمةٍ هي عند الله أعظمُ من حرمة الجسد. المغتابُ لا يطعنُ اللحم، بل يطعنُ الكرامة؛ ولا يسفكُ دماً، بل يسفكُ معنى.

ثانياً: حجابُ الملكوت وانحباسُ الصعود:

الصلاةُ والصيامُ معراجان للروح، درجتان نحو العلوّ؛ غير أنّ الغيبة تُثقلُ الجناح، وتحبسُ الصعود. يقولُ المصطفى (صلى الله عليه وآله): (من اغتاب مسلما أو مسلمةً، لم يقبلِ اللهُ تعالى صلاتَه ولا صيامَه أربعين يومًا وليلةً) (3).

إنّها ليست كلمةً عابرة، بل حدثٌ وجوديٌّ يُكدِّرُ صفاء العمل. حتى سمّاها النبي (صلى الله عليه وآله) (حدثاً) يقطعُ عبادة الجلوس في المسجد (4). فالطهارةُ ليست طهارة ماءٍ فحسب، بل طهارةُ لسانٍ أيضاً.

بل إنّ تركها ـ في ميزان القيم ـ (أحبُّ إلى الله من عشرة آلاف ركعةٍ تطوّعاً) (5)؛ لأنّ الكفَّ عن أذى الخلق مقدّمٌ على التوسّع في نوافل الخالق. فالفضيلةُ ليست في كثرة الحركة، بل في نقاء النيّة وصيانة اللسان.

ثالثاً: تبادلُ الأقنعة في محكمة العدل الإلهي:

في مشهدٍ أخرويٍّ مهيب، تنكشفُ الحقيقةُ العاريةُ للغيبة. يقولُ (صلى الله عليه وآله): (يؤتى بأحد يوم القيامة يوقف بين يدي الله ويدفع إليه كتابه فلا يرى حسناته فيقول : إلهي ليس هذا كتابي فاني لا أرى فيها طاعتي ، فيقال له : إن ربك لا يضل ولا ينسى ، ذهب عملك باغتياب الناس ، ثم تؤتى بآخر ويدفع إليه كتابه فيرى فيها طاعات كثيرة فيقول : إلهي ما هذا كتابي ، فاني ما عملت هذه الطاعات ، فيقال لان فلانا اغتابك فدفعت حسناته إليك) (6)

هناك، لا تُمحى الكلماتُ، بل تتحوّلُ إلى تحويلاتٍ كونية؛ تُنقلُ الحسناتُ من رصيدٍ إلى رصيد، ويجدُ الإنسانُ نفسهُ أمام كتابٍ لا يشبهُه.

إنّها مقايضةُ الغفلة: يكدحُ لسنين، ثم يسلّمُ ثمرة جهده بكلمةٍ طائشة. يغتابُ غيره، فيُثريه؛ ويظلمُ سواه، فيفقرُ نفسه. تلك هي عدالةُ الحقّ حين تتجرّدُ من المجاز.

رابعاً: السترُ الإلهيّ ورفعُ الأجنحة:

روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (إن لله تبارك وتعالى على عبده المؤمن أربعين جنة(7) ، فمتى أذنب ذنبا " كبيرا " رفع عنه جنة فإذا اغتاب أخاه المؤمن بشئ يعلمه منه انكشفت تلك الجنن عنه ويبقى مهتوك الستر فيفتضح في السماء على ألسنة الملائكة ، وفي الأرض على ألسنة الناس ، ولا يرتكب ذنبا إلا ذكروه ويقول الملائكة الموكلون به : يا ربنا قد بقي عبدك مهتوك الستر وقد أمرتنا بحفظه ، فيقول عز وجل : ملائكتي لو أردت بهذا العبد خيرا " ما فضحته فارفعوا أجنحتكم عنه فوعزتي لا يؤول بعدها إلى خير أبدا) (8)

يرسمُ الإمام الصادق (عليه السلام) صورةً مهيبةً لـ (جُنن الستر)، فالإنسانُ محاطٌ بأربعين جُنّةً من عنايةِ الله. لكنّ من مزّق ستر أخيه، مُزّق الله سترُه؛ ومن كشف عورة غيره، كُشفت عورتُه.

إنّها عقوبةُ التخلّي: يُرفعُ عنه جناحُ الحماية، فيغدو (مهتوكَ الستر فيُفتضحُ في السماءِ… وفي الأرض). الغيبةُ إذن ليست اعتداءً على الآخر فحسب، بل إعلانُ انسحابٍ من مظلّة الرحمة.

خامساً: التجلّي الملكوتيُّ للفعل:

في ليلة الإسراء، رأى النبيُّ (صلى الله عليه وآله) صور الأعمال وقد تجسّدت:

أقوامٌ (يخمشون وجوههم بأظفارهم) (9)، ليست هذه مشاهد تهويلٍ، بل انكشاف الجوهر: فاللسانُ الذي يقرضُ أعراض الناس في الدنيا، يصيرُ في الآخرة مقراضاً على نفسه. العملُ صورةٌ مؤجّلة، والآخرة مرآة السرائر.

سادساً: حدودُ الولاية والقطيعةُ الروحية:

يضعُ الإمام الصادق (عليه السلام) حدّاً فاصلاً: (فهو خارجٌ عن ولاية الله تعالى ذكرُه، داخلٌ في ولاية الشيطان) (10)

الغيبةُ هنا ليست ذنبا جزئيّاً، بل انكسارُ انتماء. إنّها لحظةُ انتقالٍ من حضن الولاية إلى عتمة الخذلان؛ لأنّ من استهان بحرمة المؤمن، استهان بعهد الله.

وختاماً نقول: لقد وُصفت الغيبةُ بأنّها (إدامُ كلابِ النار)(11)، وأنّ صاحبها (آخرُ من يدخلُ الجنةَ إن تاب، وأوّلُ من يدخلُ النارَ إن لم يتب)(12)

هي كلمةٌ صغيرةُ المبنى، عظيمةُ المآل؛ تبدو همسة، فإذا بها زلزال.

إنّ مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) تدعونا إلى صمتٍ عارف، وصيانة لسانٍ هو مرآةُ القلب؛ فحفظُ الأعراض حفظٌ للذات، وكفُّ الأذى عمارةٌ للوجود. وما بين كلمةٍ تُقال وأخرى تُحبس، يتحدّدُ مصيرُ إنسان.

والحمد لله رب العالمين

المصادر:-----

(1)- الكافي، ج ٢، الشيخ الكليني، ص ٣٥٧

(2) - مستدرك الوسائل، ج ٩، ميرزا حسين النوري الطبرسي، ص ١٢٥

(3)- مستدرك الوسائل، ج ٧، ميرزا حسين النوري الطبرسي، ص ٣٢٢

(4)- مستدرك الوسائل، ج ٩، ميرزا حسين النوري الطبرسي، ص ١٢٥

(5)- الدعوات ، ص 293 ؛ بحار الأنوار ، ج 72 ، ص 261 ، ح 66

(6)- بحار الأنوار، ج ٧٢، العلامة المجلسي، ص ٢٦١

(7)- الجُنة - بالضم - : السترة وجمعها جُنَن بضم الجيم وفتح النون

(8)- الاختصاص، الشيخ المفيد، ص ٢٣٢

(9)- جامع أحاديث الشيعة، ج ١٦، السيد البروجردي، ص ٣٣٢

(10)- وسائل الشيعة ( الإسلامية )، ج ٨، الحر العاملي، ص ٦٠٢

(11)- الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ٢٧٨

(12)- بحار الأنوار، ج ٧٢، العلامة المجلسي، ص ٢٢٤

: علي الحداد