معنى «لا يحتمله» في حديث الأئمّة الصعب المستصعب

دراسةٌ روائيّةٌ في دلالة الاحتمال بين الإدراك والكتمان

بسم الله الرحمن الرحيم

وردت عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) طائفةٌ من الروايات في بيان عظمة علومهم ورفعة معارفهم، وأنّ بعض ما أُوتوه من العلم ليس من قبيل المعارف المتعارفة التي تستوي في حملها أفهام الناس، بل منها ما عبّرت عنه الروايات بـ «الصعب المستصعب»؛ لما ينطوي عليه من دقائق المعارف وحقائق الولاية ومقامات الحجج الإلهية التي لا يطيق حملها إلا من بلغ مرتبةً عاليةً من الإيمان والتسليم. ومن أشهر تلك النصوص ما رواه الصفّار بالإسناد إلى أبي جعفر الباقر محمد بن عليّ (عليهما السلام) أنّه قال: «حديثنا صعبٌ مستصعب، لا يؤمن به إلا ملكٌ مقرّب، أو نبيٌّ مرسل، أو عبدٌ امتحن الله قلبه للإيمان، فما عرفت قلوبكم فخذوه، وما أنكرت فردّوه إلينا» (1).

وما رواه الصفار أيضاً بالإسناد إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهما السلام) أنه قال: «إنّ حديثنا صعبٌ مستصعب، خشنٌ مخشوش، فانبذوا إلى الناس نبذًا، فمن عرف فزيدوه، ومن أنكر فامسكوا، لا يحتمله إلا ثلاث: ملكٌ مقرّب، أو نبيٌّ مرسل، أو عبدٌ مؤمنٌ امتحن الله قلبه للإيمان» (2).

 

وقد وقع البحث في المراد من قوله (عليه السلام): «لا يحتمله»، فهل المراد أنّه لا يطيق إدراكه وفهمه واستيعابه، أم أنّ المراد أنّه لا يستطيع حفظه وكتمانه وعدم إذاعته؟

والتحقيق أنّ الروايات الواردة في الباب تساعد على حمل العبارة على كلا المعنيين، مع اختلاف السياق والقرينة، ولا موجب لحصرها في أحدهما مع قيام الدليل على الآخر.

 

المعنى الأول: الاحتمال بمعنى الطاقة على الإدراك والحمل:

يظهر من جملة من الروايات أنّ المراد بـ«الاحتمال» هو الطاقة على حمل العلم وإدراك مضمونه واستيعاب حقيقته؛ فإنّ بعض معارف أهل البيت (عليهم السلام) من الدقائق التي لا تستوعبها كلّ القلوب، ولا تطيقها كلّ النفوس، وإنما يتهيأ لحملها من رسخ إيمانه، واستقام تسليمه، واتسعت قابليته الروحية والمعرفية.

ومن أوضح الشواهد على ذلك ما رواه الصفّار بالإسناد إلى عمرو بن شمر، عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي (عليهما السلام)، أنّه قال: «إنّ حديثنا صعبٌ مستصعب، أجردُ ذكوانُ، وعرٌ شريفٌ كريم، فإذا سمعتم منه شيئًا ولانت له قلوبكم فاحتملوه، واحمدوا الله عليه، وإن لم تحتملوه ولم تطيقوه فردّوه إلى الإمام العالم من آل محمد (صلى الله عليه وآله)...» (3). فإنّ الإمام (عليه السلام) قرن الاحتمال بالطاقة في قوله: «إن لم تحتملوه ولم تطيقوه»، وهو قرينة ظاهرة على أنّ المراد بالاحتمال في هذا السياق هو القدرة على تلقّي الحديث وحمل معناه، لا مجرد حفظ ألفاظه.

وعليه، فليس معنى «الصعب المستصعب» أنّ حديثهم (عليهم السلام) مستحيل الفهم أو متعذّر الإدراك على الإطلاق، وإنما المراد أنّه من المعارف العالية التي تعسر على غير أهلها، ولا يطيق حملها على وجهها إلا من أعدّه الله تعالى لذلك.

ومن هنا يظهر أنّ تفاوت الناس في تحمّل هذه المعارف ليس تابعًا لمجرّد قوة الذكاء أو كثرة التحصيل العلمي، بل يرتبط بمدى رسوخ الإيمان والتسليم وقابلية النفس لتلقّي مقامات العترة الطاهرة (عليهم السلام). فقد يعجز العالم المخالف، مع ما لديه من سعة الاطلاع وكثرة المعارف، عن تقبّل بعض مقاماتهم (عليهم السلام)؛ لما يحكم به مسبقًا من مبانٍ عقدية تحدّ من قابليته لقبول تلك المقامات، في حين قد يتحمّلها المؤمن الموالي، وإن كان من عامة الناس وبسطائهم، لما استقر في قلبه من الإيمان والتسليم والتعظيم لأهل بيت النبوة (عليهم السلام).

فالمناط إذن ليس مجرّد التخصّص العلمي، وإنما قابلية القلب لحمل هذه المعارف والإذعان بلوازمها؛ ولذلك قد يكون البسيط المؤمن أوسعَ تحمّلًا لبعض أسرار فضائلهم ومقاماتهم من صاحب العلم الذي لم يرسخ في قلبه أصل التسليم لهم (عليهم السلام). وقد دلّت الروايات على أنّ من خصائص شيعة أهل البيت (عليهم السلام) الخلّص أنّهم كانوا أسبق الناس إلى التسليم لمقاماتهم ومعارفهم، وأشدّهم ثباتًا عليها. فقد روى الكليني بالإسناد إلى عبد الله بن الوليد، قال: دخلنا على أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) في نفرٍ من أهل العراق، فقال لنا: «مِمَّن أنتم؟ قلنا: من أهل الكوفة. فقال (عليه السلام): «ما من البلدان أكثر محبّةً لنا من أهل الكوفة، لا سيما هذه العصابة، إنّ الله هداكم لأمرٍ جهله الناس، فأحببتمونا وأبغضنا الناس، وبايعتمونا وخالفنا الناس، وصدّقتمونا وكذّبنا الناس، فأحياكم الله محيانا وأماتكم مماتنا» (4).

المعنى الثاني: الاحتمال بمعنى الحفظ والكتمان:

غير أنّ هذا ليس هو المعنى الوحيد الذي ورد في تفسير «الاحتمال»، فقد جاءت روايات صريحة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تجعل المراد من عدم الاحتمال عدم القدرة على حفظ الحديث وكتمانه وصيانته عن غير أهله.

ومن أهم النصوص في ذلك ما رواه الكليني في المكاتبة إلى الإمام أبي الحسن الهادي علي بن محمد (عليهما السلام)، حيث سُئل عن معنى قول الإمام الصادق (عليه السلام): «حديثنا لا يحتمله ملك مقرّب، ولا نبيّ مرسل، ولا مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان». فأجاب (عليه السلام): «إنّما معنى قول الصادق (عليه السلام): لا يحتمله ملك ولا نبي ولا مؤمن، أنّ الملك لا يحتمله حتى يخرجه إلى ملك غيره، والنبي لا يحتمله حتى يخرجه إلى نبي غيره، والمؤمن لا يحتمله حتى يخرجه إلى مؤمن غيره، فهذا معنى قول جدّي (عليه السلام)» (5).

وهذا النص من أقوى الشواهد في المقام؛ لأنّ الإمام الهادي (عليه السلام) لم يفسّر «عدم الاحتمال» بعدم الفهم أو العجز عن الإدراك، وإنما فسّره بعدم القدرة على حبس الحديث في النفس وكتمانه عن الغير، بحيث يدفعه عدم احتماله إلى إخراجه إلى غيره. وعلى هذا، يكون المراد أنّ بعض علومهم وأسرارهم وإن كان المخاطَب قد تلقّاها وفهمها، إلا أنّه لا يملك من قوة النفس وضبطها ما يمكّنه من كتمانها وصيانتها، فيكون إفشاؤها من لوازم عدم احتماله لها.

وهذا المعنى تؤكده روايات كثيرة جعلت الستر والكتمان وصيانة الحديث عن غير أهله جزءًا من حقيقة احتمال أمرهم (عليهم السلام). فقد روى الكليني بالإسناد إلى عبد الأعلى، قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) يقول: «إنّه ليس من احتمال أمرنا التصديق له والقبول فقط، من احتمال أمرنا ستره وصيانته من غير أهله، فأقرئهم السلام، وقل لهم: رحم الله عبدًا اجترّ مودّة الناس إلى نفسه، حدّثوهم بما يعرفون، واستروا عنهم ما ينكرون...» (6).

وهذه الرواية تكشف عن أمرٍ بالغ الأهمية، وهو أنّ الاحتمال أوسع من مجرد التصديق والقبول؛ فإنّ من تمام احتمال أمرهم (عليهم السلام) أن يعرف المؤمن متى يتكلم، ومتى يسكت، وما الذي يقال، ولمن يقال.

وهذا هو معنى قولهم (عليهم السلام): «حدّثوهم بما يعرفون، واستروا عنهم ما ينكرون»، فإنّ الشريعة لم تجعل كلّ معرفة صالحةً لكل مقام، ولا كل حقيقة قابلةً لأن تلقى إلى كل أحد، بل جعلت للعلم أهلًا، وللكلام مواضع، وللمعرفة مراتب.

ولم يكن تأكيد الأئمة (عليهم السلام) على كتمان بعض علومهم وأحاديثهم ناشئًا عن رغبةٍ في حجب العلم عن الناس، وإنما كان ناظرًا إلى مراعاة قابلية المخاطبين وحفظ الدين والنفس والمذهب من الفتنة والاضطراب، ولا سيما في العصور التي اشتدت فيها التقية، وكان مجرد الانتساب إلى أهل البيت (عليهم السلام) سببًا للأذى والملاحقة.

ولهذا قال الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام) أنه قال: «وددت والله أنّي افتديت خصلتين في الشيعة لنا ببعض لحم ساعدي: النزق وقلّة الكتمان» (7).

فقلّة الكتمان لم تكن في نظر الإمام (عليه السلام) أمرًا هامشيًا، بل كانت من الصفات التي يترتب عليها ضرر بالغ على الشيعة وعلى معارف أهل البيت (عليهم السلام).

وقد بيّن العلّامة المازندراني (قدس سره) أنّ شدة التقية في عصر الأئمة (عليهم السلام) اقتضت منهم أن يأمروا شيعتهم بكتمان أسرارهم وإمامتهم وأحاديثهم وأحكامهم المختصة عن المعاندين وغير العارفين، صيانةً لهم من بطش المخالفين وحفظًا لمصالح المذهب (8).

ومن هنا جاءت الروايات الشديدة في التحذير من إذاعة الحديث وإخراجه إلى غير أهله. فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في شأن المعلّى بن خنيس: «إنّ لنا حديثًا، من حفظه علينا حفظه الله، وحفظ عليه دينه ودنياه، ومن أذاعه علينا سلبه الله دينه ودنياه» (9). ثم بيّن (عليه السلام) أنّ من كتم الصعب من حديثهم جعله الله نورًا بين عينيه، بينما تكون إذاعة الحديث سببًا للبلاء والهلاك.

قد يتوهم أنّ تفسير «لا يحتمله» بعدم القدرة على الإدراك ينافي تفسيره بعدم القدرة على الكتمان، إلا أنّ هذا التوهم غير تام؛ لأنّ الاحتمال من الألفاظ التي تتسع بحسب السياق والقرائن.

فقد يراد به في مقامٍ حمل العلم وإدراكه واستيعابه، وقد يراد به في مقامٍ آخر حفظه وصيانته وكتمانه.

بل يمكن أن يكون بين المعنيين نوع من الملازمة في بعض الموارد؛ لأنّ من لم يبلغ المرتبة المطلوبة من الإيمان والتسليم قد لا يطيق إدراك بعض المعارف أصلًا، ومن أدرك منها شيئًا فقد يعجز عن ضبط نفسه وكتمانها إذا لم يكن مؤهلًا لحملها وصيانتها. ولهذا لا يصحّ أن يُفهم حديث «الصعب المستصعب» على أنّه حديثٌ غامضٌ بلا ضابط، أو أنّ كلّ ما لا يفهمه الإنسان يجوز له أن ينسبه إلى «الأسرار»، كما لا يصحّ أن يجعل عدم الفهم سببًا لإنكار ما ثبت عنهم (عليهم السلام) بسند معتبر ودلالة واضحة. فالميزان هو ثبوت النص، وصحة نسبته، وفهمه في ضوء مجموع كلماتهم (عليهم السلام)، ومراعاة مقام المخاطَب وأهلية المتلقي.

 

يتحصّل من مجموع الروايات أنّ المراد بقوله (عليه السلام): «لا يحتمله» يدور على معنيين رئيسين:

الأول: عدم الطاقة على إدراك بعض دقائق معارف أهل البيت (عليهم السلام) وحملها واستيعابها، وهو معنى تؤيده الروايات التي قرنت الاحتمال بالطاقة، كقوله (عليه السلام): «إن لم تحتملوه ولم تطيقوه».

والثاني: عدم القدرة على حفظ الحديث وكتمانه وصيانته عن غير أهله، وهو المعنى الذي صرّح به الإمام الهادي (عليه السلام) في تفسيره لكلام الإمام الصادق (عليه السلام).

وعليه، فإنّ وصف علومهم (عليهم السلام) بأنّها «صعبة مستصعبة» لا يعني أنّها متناقضة أو مستحيلة الفهم، وإنما يعني أنّها من المعارف التي لها أهلية خاصة في التلقي والحمل والصيانة، وأنّ المؤمن مأمور بأن يقف منها موقف التسليم فيما ثبت عنهم، وأن يردّ ما عجز عن إدراكه إلى أهله، وأن لا يذيع من معارفهم إلا ما تحتمله عقول الناس وتقتضيه المصلحة. وهذا من أعمق ما تكشف عنه مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في فقه المعرفة؛ فليست قيمة العلم في تحصيله فحسب، وإنما في معرفة موضعه، وأهله، وحدوده، وكيفية حمله، ومتى يجب بيانه، ومتى يجب ستره.

فـالعلم بلا أهلية قد ينقلب فتنة، والمعرفة بلا حكمة قد تصير سببًا للإنكار، والحديث بلا كتمان قد يكون موجبًا للضرر؛ ولذلك كان «احتمال أمرهم» أوسع من مجرد التصديق، وأعمق من مجرد الفهم، بل هو قابليةٌ للإيمان، وطاقةٌ على الحمل، وأمانةٌ في الحفظ، وحكمةٌ في البيان.

والحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. بصائر الدرجات، ج1، ص41.

2. المصدر نفسه، ج1، ص41.

3. المصدر نفسه، ج1، ص42.

4. الكافي، ج8، ص236.

5. الكافي، ج1، ص402.

6. الكافي، ج2، ص223.

7. الكافي، ج2، ص222؛ والصدوق، الخصال، ج1، ص44.

8. شرح أصول الكافي، ج9، ص127.

9. الغيبة، ص38.

: السيد علي رحيم الموسوي