قراءة موضوعية في سيرة زيد الشهيد ابن علي السجاد(عليه السلام) من منظور روايات أهل البيت(عليهم السلام)
يُمثّل ثوار بيت النبوة معالم مضيئة في تاريخ الأمة الإسلامية، حيث جسدوا قيم العدالة والرفض المطلق للظلم والإستبداد، وفي طليعة هؤلاء الثوار، يبرز اسم زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، المعروف في الأوساط التاريخية والحديثية بلقب "زيد الشهيد" أو "حليف القرآن"، لم يكن زيد مجرد ثائر سياسي يسعى للسلطة، بل كان فقيهاً بارعاً، ومفسراً للقرآن، وعالماً متبحراً نهل من نمير مدرسة أبيه الإمام سجاد وأخيه الإمام محمد الباقر (عليهم السلام). وردت الكثير من الروايات المعتبرة حول زيد بن علي، تنفي عنه تهمة الخروج على إمام زمانه، وتؤكد أن نهضته كانت امتداداً طبيعياً لنهضة جده الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء، مستهدفةً رفع الحيف عن المستضعفين وإعادة الأمة إلى جادة الشريعة السمحاء.
ولادته ونشأته:
ولد زيد بن علي في المدينة المنورة سنة 66 هـ أو 76 هـ،[1] في بيتٍ زقّ العلم زقاً، نشأ في كنف والده الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)، الذي تولى تربيته وتثقيفه بعلوم الشريعة، تميز زيد بذكاء مفرط وقدرة استثنائية على الحفظ والتدبر، حتى لُقّب بـ "حليف القرآن"[2] لطول ملازمته لكتاب الله (عز وجل) وتلاوته وتدبر آياته، وتواترت الروايات في بيان مكانته العلمية العالية، ومن ذلك ما ورد عن ابن عقبة في حديثه عن أئمة أهل البيت: رواية الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام): ينقل الشيخ الصدوق في كتاب عيون أخبار الرضا بسنده عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال في حق عمه زيد: "كان عمّي زيد بن علي من علماء آل محمد (صلى الله عليه واله)، غضب لله عزّ وجلّ فجاهد أعداءه حتى قُتل في سبيله[3]. وتوضح هذه الرواية المعتبرة دمج أهل البيت بين البعدين العلمي والجهادي في شخصية زيد، حيث لم يكن جهاده نابعاً من جهل أو عاطفة، بل عن علم وبصيرة. شهادة الإمام محمد الباقر (عليه السلام): ورد في المصادر المعتبرة أن الإمام الباقر (عليه السلام) كان يُجلّ أخاه زيداً ويكرمه، وقد وُصف في رواية الشيخ المفيد في الإرشاد بأنه كان أخاً كريماً وعالماً ورعاً، وكان الإمام الباقر يقول فيه: "لقد أُوتي زيد علماً لَدُنّياً"، في إشارة إلى عمق معرفته الفقهية والقرآنية[4].
اولاًً: مشروعية الثورة والدوافع الحقيقية لنهضته أثارت ثورة زيد بن علي (عليه السلام) في الكوفة عام 121 هـ ضد الحكم الأموي الجائر المتمثل في هشام بن عبد الملك نقاشات واسعة. إلا أن القراءة الفاحصة للروايات الشيعية المعتمدة تفكك اللبس وتبين أن حركة زيد كانت بتنسيق وإذن وضمن دائرة الشرعية الممنوحة من إمام زمانه الإمام جعفر الصادق(عليه السلام).
تنص الروايات على أن شعار زيد في ثورته كان "الرضا من آل محمد"، وهو شعار يهدف إلى إرجاع الحق إلى أهله دون أن يدعي زيد الإمامة المفترضة الطاعة لنفسه.
موقف الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) والدعم السري
يروي الكليني في الكافي بسنده عن الفُضيل بن يسار قال: ذهبت إلى المدينة بعد قتل زيد لألتقي بالإمام الصادق (عليه السلام)، فلما دخلت عليه قال: "يا فضيل، شَهِدْتَ مع عمي قتال أهل الكوفة؟" قلت: نعم. قال: "فكم قتلت منهم؟" قلت: ستة. قال: "لعلك شاكٌ في دمائهم؟" فقلت: لو كنت شاكاً ما قتلتهم، فسمعته وهو يقول: "أشركني الله في ذلك الدم، مضى والله زيد عمي وأصحابه شهداء مثل ما مضى عليه علي بن أبي طالب وأصحابه"[5].
تؤكد هذه الرواية بوضوح عمق التبني العقائدي والروحي من قبل الإمام الصادق(عليه السلام) لثورة عمه، إلى حد رغبته في الاشتراك في الأجر والثواب.
ينقل الشيخ الصدوق في الأمالي حديثاً مفصلاً يرفع الشبهة حول نية زيد؛ إذ يقول الإمام الصادق (عليه السلام): "لا تَقُولُوا خَرَجَ زَيْدٌ، فَإِنَّ زَيْداً كَانَ عَالِماً وَكَانَ صَدُوقاً وَلَمْ يَدْعُكُمْ إِلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا دَعَاكُمْ إِلَى الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه واله)، وَلَوْ ظَهَرَ لَوَفَى بِمَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ، إِنَّمَا خَرَجَ إِلَى سُلْطَانٍ جَائِرٍ لِيَقْتَلَعَهُ". هذا النص يعد حاسماً في إثبات إخلاص زيد وعدم منازعته لأئمة الحق في مقام الإمامة الإلهية[6].
ثانياً: ملحمة الشهادة وتفاصيل الفاجعة بعد أن ضاق أهل الكوفة ذرعاً بظلم ومظالم الوالي الأموي يوسف بن عمر الثقفي بعبثه بأموال المسلمين واستخفافه بالكرامات، كاتبوا زيد بن علي وبايعوه على الخروج. ورغم تحذيرات المخلصين له من غدر أهل الكوفة الذي اختبره جده الحسين (عليه السلام) من قبل، إلا أن الواجب الشرعي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دفعا بزيد للمضي قدماً.
وفي ليلة الأربعاء لسبع خلون من صفر سنة 121 هـ (وفي روايات أخرى 122 هـ)، انطلقت شرارة الثورة. وتذكر المصادر التاريخية والحديثية الشيعية، مثل كتاب مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني (وهو مصدر يعتمد الروايات الطالبية والشيعية بشكل موسع)، أن أصحاب زيد تفرقوا عنه بفعل الخوف والترهيب الأموي، ولم يبقَ معه سوى ثلة قوامها بضع مئات من الصفوة المخلصين.
قاتل زيد قتال الأبطال مستحضراً شجاعة جده أمير المؤمنين (عليه السلام)، حتى أصابه سهم غادر في جبهته الشريفة أدى إلى استشهاده. ولم يكتفِ بنو أمية بقتله، بل تتبعوا موضع دفنه السري الذي غُيب تحت مجرى النهر، فاستخرجوا الجسد الشريف، وقطعوا رأسه الشريف وأرسلوه إلى الشام، ثم صلبوا الجسد عارياً في "كُناسة الكوفة" لعدة سنوات، في مشهد يعكس وحشية السلطة الأموية وخوفها من الرموز الحسينية حتى بعد موتها.
ثالثاً: صدى الشهادة وأثره في بيت النبوة كان لشهادة زيد وقع الصاعقة على بني هاشم وفي مقدمتهم الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، الذي بكاه بكاءً مرّاً وتولى رعاية عائلته وأبنائه من بعده[7].
رواية البكاء والتعويض المالي: يروي الشيخ المفيد في الإرشاد أنه لما جيء بنعي زيد بن علي إلى الإمام الصادق (عليه السلام)، بكى حتى بلت دموعه لحيته، وقال: "إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، عِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ عَمِّي، إِنَّهُ كَانَ نِعْمَ الْعَمُّ، لَقَدْ مَضَى عَمِّي شَهِيداً كَشُهَدَاءِ اسْتُشْهِدُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَعَلِيٍّ وَالْحُسَيْنِ"[8].
ولم يقتصر مواساته على البكاء، بل قام الإمام الصادق (عليه السلام) بتوزيع مبالغ مالية على عوائل الذين استشهدوا مع زيد من ماله الخاص، تكريماً لتضحياتهم ورعايةً لأيتامهم[9].
خاتمة
يبقى زيد الشهيد بن علي السجاد (عليه السلام) رمزاً إسلامياً شامخاً يجسد صلة الوصل بين غزارة العلم ومسؤولية الجهاد، إن الروايات الموثقة بأسانيدها المعتبرة قدمت قراءة إنصافية لثورته، بعيداً عن تحريفات المؤرخين الموالين لبني أمية أو التأويلات الخاطئة التي حاولت إظهاره بمظهر الخارج على خط الإمامة. لقد كان زيد كما شهد له أبناء أخوته من الأئمة الأطهار (عليهم السلام) شهيد العقيدة، وحليف القرآن، وثائراً بوجه الطغيان غايته إحقاق الحق وإبطال الباطل، فاستحق أن تخلد ذكراه في ضمير الأمة كنموذج للعالم المجاهد.
الهوامش:------
[1] - المالكي، علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله نور الدين ابن الصباغ، الفصول المهمة في معرفة الأئمة، ص 943 ج 2.
[2] - المجلسي، العلامة الشيخ محمد باقر (ره)، (ت،1111هـ)، بحار الأنوار، ص 170، ج 46/ابن عساكر، تاريخ دمشق، ص 465، ج 19.
[3] - الصدوق، العلامة الشيخ محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي(ره)، (ت 381 هـ) ، عيون أخبار الرضا" ،ص 225،ج2.
[4] - المفيد، العلامة الشيخ محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي(ره)، (ت،336هـ)، الارشاد، ص171، ج2.
[5] - الكليني، العلامة الشيخ محمد ابن يعقوب (ره)، (ت،329)، الكافي، ج 8 (الروضة)، ص 161، ح 166.
[6] - الحر العاملي، العلامة الشيخ محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن الحسين(ره)، (ت،1104هـ)، وسائل الشيعة"، ص 50، ج 15، باب 13 من أبواب جهاد العدوّ.
[7] - الكشّي، العلامة الشيخ محمد بن عمر بن عبد العزيز(ره)، (ت،350هـ)، رجال الكشي، ص 286.
[8] -المفيد، العلامة الشيخ محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي(ره)، (ت،336هـ)، الارشاد، ص269،268، ج2.
[9] - الحر العاملي، وسائل الشيعة، ص 54، ج15، (باب جهاد العدو، وفيه يروي الحر العاملي هذه الحادثة نقلاً عن الكافي والعيون).

اترك تعليق