قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا

«لا عمل إلا بنية»

قد يرى الناس الأعمال بأعينهم، فيعظمون كثرة الصلاة والصيام والصدقة والحج، لكن الله تعالى لا ينظر إلى ظاهر الحركة وحدها، بل ينظر إلى القلب الذي أنشأها والدافع الذي حركها. ولهذا كانت النية هي روح العبادة، حتى إن العمل بدونها يفقد حقيقته، وإن بقيت صورته قائمة.

ومن هنا جاءت الكلمة الجامعة للإمام زين العابدين عليه السلام:

«لا عمل إلا بنية».

وهذه العبارة القصيرة تعد من أعظم القواعد الإسلامية، لأنها لا تقول إن العمل لا يكتمل بالنية، بل تنفي أصل العمل. فالمقصود ليس أن النية تزيد ثواب العبادة فقط، وإنما هي التي تمنحها وجودها الشرعي والمعنوي.

فالإنسان قد يقف في صف الصلاة، وقد يركع ويسجد، لكن إن كان قصده الرياء أو السمعة أو عادة الناس، فهذه الحركات ليست هي العمل الذي يريده الله تعالى، وإنما صورة عمل خالية من روحه، كما أن الجسد بلا روح لا يسمى إنسانًا حيًا ولهذا كرر الإمام عليه السلام هذه القاعدة في رواية أخرى فقال: «لا عمل إلا بنية، ولا كرم إلا بتقوى، ولا حسب إلا بتواضع».

فكما أن النسب لا يرفع صاحبه من دون تواضع، والكرامة لا تتحقق إلا بالتقوى، كذلك العمل لا قيمة له إلا إذا نشأ عن نية صادقة. فكأن الإمام يربط الفضائل كلها بجوهرها الحقيقي، لا بمظاهرها الخارجية. ثم جاءت رواية رسول الله صلى الله عليه وآله لتضيف بعدًا آخر، فقال: «لا قول إلا بعمل، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بإصابة السنة».

وهذه الرواية ترتب الدين ترتيبًا بديعًا.

فالكلام وحده لا قيمة له إن لم يتحول إلى عمل، ولهذا ذم القرآن الذين يقولون ما لا يفعلون. ثم إن العمل نفسه لا قيمة له إن خلا من النية. ثم حتى النية الصالحة لا تكفي إذا كان العمل مخالفًا لسنة النبي صلى الله عليه وآله.

فاجتمعت أربعة أركان لقبول العمل: صدق القول ، وصحة العمل ؛ وإخلاص النية ،وموافقة السنة.

ولهذا قد يعمل شخصان العمل نفسه، لكن أحدهما يرتفع به إلى أعلى الدرجات، والآخر لا ينال منه شيئًا؛ لأن الفرق ليس في صورة العمل، وإنما في حقيقة النية واتباع الحق.

ومن أعظم الروايات في هذا الباب قول الإمام الصادق عليه السلام:

«إن الله يحشر الناس على نياتهم يوم القيامة». فالقيامة لا تكشف الأعمال فقط، بل تكشف المقاصد التي كانت وراء الأعمال.

فقد يعيش رجلان حياة متشابهة في الظاهر، لكن أحدهما أراد الله، والآخر أراد الناس. وقد يتساوى الاثنان في الصلاة والصدقة والجهاد، لكن يوم القيامة يظهر الفرق العظيم؛ لأن الله يعلم السرائر التي لا يعلمها أحد من الخلق.

ولهذا كان الميزان الحقيقي يوم القيامة هو القلب قبل الجوارح.

ومن هنا جاءت القاعدة النبوية المشهورة: «الأعمال بالنيات».

وفي رواية أخرى: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».

ولفظة «إنما» من أدوات الحصر، أي أن قيمة العمل كلها تدور مع النية. ثم يبين النبي صلى الله عليه وآله أن الإنسان لا ينال من عمله إلا ما قصده حقيقة.

فمن قصد وجه الله نال الله ، ومن قصد المدح نال المدح.

ومن قصد المال نال المال ومن قصد الشهرة نال الشهرة.

أما الثواب الأخروي فلا يكون إلا لمن قصد الله وحده.

ولهذا ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله مثالًا واضحًا فقال:

«فمن غزا ابتغاء ما عند الله فقد وقع أجره على الله، ومن غزا يريد عرض الدنيا أو نوى عقالًا لم يكن له إلا ما نوى».

والعقال هو الحبل الذي يعقل به البعير، وهو شيء يسير.

فقد يخرج رجلان في جيش واحد، ويقاتلان في معركة واحدة، وربما يموتان في ساعة واحدة، لكن أحدهما أراد رضا الله، والآخر خرج طمعًا في غنيمة قليلة، فيكون لكل واحد منهما ما قصده.

وهذا يعلم المؤمن أن الله لا ينظر إلى ضخامة العمل، بل إلى الباعث الذي حركه .ومن دقة التربية النبوية أن النية لا تختص بالعبادات الظاهرة، بل تدخل في جميع تفاصيل الحياة.

ولهذا أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله أبا ذر فقال: «يا أبا ذر، ليكن لك في كل شيء نية، حتى في النوم والأكل».

وهذه من أعظم الروايات في صناعة المؤمن ، فالإنسان يأكل كما يأكل غيره، لكنه يستطيع أن يحول الطعام إلى عبادة إذا نوى به التقوي على طاعة الله، وينام كما ينام غيره، لكنه إذا قصد بالنوم الاستعانة على صلاة الليل أو صلاة الفجر أو خدمة الناس أصبح نومه عبادة ، وبذلك تتحول حياة المؤمن كلها إلى عبادة؛ لأن النية الصالحة تنقل العادات إلى الطاعات.

ومن هنا نفهم أن النية ليست مجرد لفظ يقوله الإنسان قبل العبادة، بل هي توجه القلب وقصده.

فالنية عمل قلبي، لا حركة لسان.

ولذلك كان إصلاح النية أصعب من إصلاح العمل؛ لأن القلب سريع التقلب، وقد يدخل إليه الرياء والعجب وحب المدح من حيث لا يشعر صاحبه.

ولهذا كان أهل البيت عليهم السلام يربون أصحابهم على مراقبة الدوافع قبل مراقبة الأعمال.

فالإنسان قد يترك معصية خوفًا من الناس، وقد يتركها خوفًا من الله، وصورة العمل واحدة، لكن النية هي التي صنعت الفرق.

وقد يتصدق رجل ليقال كريم، ويتصدق آخر حياء من الله، ويتصدق ثالث حبًا لله، والعطاء واحد، ولكن الأجر يختلف باختلاف ما استقر في القلب.

ومن هنا ندرك أن إصلاح النية هو بداية إصلاح الإنسان كله؛ لأنها الأصل الذي تتفرع عنه الأعمال. فإذا صلحت النية صلح العمل، وإذا فسدت فسدت الأعمال وإن كثرت. ولهذا لم يبدأ الإسلام بإصلاح الظاهر فقط، بل بدأ بإصلاح القلب؛ لأن القلب هو قائد الجوارح، والنية هي لسان القلب وترجمان مقاصده.

ولذلك فإن المؤمن لا يكتفي بأن يسأل نفسه: ماذا أعمل؟ بل يسأل قبل ذلك: لماذا أعمل؟ ولمن أعمل؟ فإن كان الجواب: لله وحده، فليبشر بقبول العمل وإن كان قليلًا، وإن كان لغير الله، فليعلم أن كثرة العمل لا تغني عن فساد القصد. ومن هنا كانت النية روح العبادة، وسر الإخلاص، وميزان القبول، وبها يرتفع العمل إلى الله تعالى أو يسقط قبل أن يغادر صاحبه.

هذه الرواية تصلح أن تكون خاتمة قوية جدًا للمقال؛ لأنها تجمع خلاصة البحث كله، وهو أن النية ليست شرطًا لقبول العمل فحسب، بل هي التي تحدد مصير الإنسان الأبدي.

وتبلغ روايات أهل البيت عليهم السلام ذروة البيان في بيان أثر النية عندما تكشف أن مصير الإنسان الأبدي إنما يرتبط بما استقر في قلبه من قصد واتجاه. فقد سأل أبو هاشم الإمام الصادق عليه السلام عن سبب خلود أهل الجنة في الجنة، وخلود أهل النار في النار، فقال: «إنما خُلِّد أهل النار في النار لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو خُلِّدوا فيها أن يعصوا الله أبداً، وإنما خُلِّد أهل الجنة في الجنة لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا أن يطيعوا الله أبداً، فبالنيات خُلِّد هؤلاء وهؤلاء». ثم تلا قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾، وقال: «على نيته».

وهذه الرواية تكشف أن الله سبحانه لا يحاسب الإنسان على عمره المحدود فحسب، بل على الاتجاه الذي اختاره قلبه. فلو امتد به العمر إلى الأبد، فهل كان سيبقى على الطاعة، أم كان سيستمر في المعصية؟ فالنية تعكس حقيقة الإنسان الباطنة، وتكشف الوجهة التي اختارها لنفسه، ولذلك كانت ميزانًا للخلود في النعيم أو الشقاء.

ومن هنا كانت العناية بالنية أعظم من العناية بصورة العمل؛ لأن العمل قد ينتهي بانتهاء وقته، أما النية فتبقى شاهدة على صاحبها، وترسم مصيره عند الله تعالى. ولهذا كان المؤمن يفتش عن قلبه قبل أن يفتش عن جوارحه، ويصلح قصده قبل أن يكثر عمله، ويجاهد نفسه على الإخلاص أكثر مما يجاهدها على كثرة الطاعات؛ لأن العمل إذا صلحت نيته باركه الله وقبله، وإذا فسدت نيته سقطت قيمته وإن عظم في أعين الناس. فالنية هي روح الأعمال، وسر الإخلاص، وميزان القبول، وبها يكتب الله السعادة الأبدية أو الشقاء الأبدي.

: حسين شقرا