الحرية كقيمة حضارية في الرؤية الامامية

في الرؤية الإمامية لا تُفهم الحرية بوصفها انفلاتاً من كل قيد أو تمرداً على كل سلطة، بل تُفهم باعتبارها قيمة وجودية وأخلاقية عميقة تتجذر في التوحيد، وتستمد معناها من علاقة الإنسان بربه، ثم تنعكس على سلوكه الفردي والاجتماعي والسياسي. فالحرية في هذا المنظور ليست مفهوماً سطحياً أو شعاراً عاطفياً، وإنما هي جزء من المشروع الإلهي لكرامة الإنسان، وشرط أساس لتحمّله مسؤولية الاستخلاف في الأرض.

ينطلق التصور الإمامي للحرية من الأساس القرآني الذي يقرّ للإنسان بملَكة الاختيار، ويجعله مسؤولاً عن قراراته وأفعاله. قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾[1]، فالهداية هنا لا تعني الجبر، بل تعني البيان والإرشاد، وترك الخيار للإنسان ليحدد موقعه من طريق الحق. كما يقول سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾[2]، وهي آية تؤكد أن الإيمان نفسه لا يُفرض بالقوة، بل يقوم على الاختيار الواعي، وإن كان هذا الاختيار مقروناً بالمسؤولية والجزاء.

وتُعدّ قاعدة ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾[3] من أهم المرتكزات القرآنية التي استندت إليها المدرسة الإمامية في تأصيل مفهوم الحرية، إذ تفيد أن الدين لا يُبنى على القسر، وأن الإكراه يناقض حقيقة الإيمان. غير أن هذه الحرية لا تُفهم بمعزل عن الحكمة الإلهية، بل هي حرية هادفة، ترمي إلى إيصال الإنسان إلى الكمال، لا إلى إغراقه في العبث أو الضياع.

وتؤكد نصوص أهل البيت عليهم السلام أن الحرية الحقيقية تبدأ من الداخل، من تحرير النفس من العبوديات الزائفة التي تقيّد الإنسان وإن بدا ظاهرياً حراً. يقول أمير المؤمنين علي عليه السلام (لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرّا)[4]، وهذه الكلمة تختصر رؤية الإمام للحرية بوصفها تحرراً من الخضوع لغير الله، سواء كان هذا الغير حاكماً مستبداً، أو مالاً متسلطاً، أو شهوةً مسيطرة، أو فكراً منحرفاً. فالإنسان الذي يخضع لهواه أو يخاف من كلمة الحق ليس حرّاً في منطق الإمام، وإن امتلك كل مظاهر الحرية الشكلية.

ومن هنا نجد أن الرؤية الإمامية تركز على البعد الأخلاقي للحرية، وترى أن ضبط النفس شرط أساس للتحرر الحقيقي. يقول الإمام علي عليه السلام (أشجع الناس من غلب الجهل بالحلم)[5]، فالشجاعة هنا ليست جسدية، بل روحية وأخلاقية، وهي تعبير عن أعلى درجات الحرية. كما يقول عليه السلام (من ترك الشهوات كان حرّا)[6]، في إشارة واضحة إلى أن الانغماس في الشهوة شكل من أشكال العبودية، وأن التحرر منها ارتقاء إنساني, وكما قال الشاعر

أَلا أَيُّهَا الشَّادِي المُغَرِّدُ هَهُنَا       بِمُنْطَلِقِ النَّهْجِ الَّذِي لَيْسَ يُتْعِبُ

أَتَحْبِسُ رُوحاً فِي قُيُودِكَ حُرَّةً     وَأَنْتَ بِقَيْدِ الذُّلِّ فِي الأَرْضِ تَلْعَبُ[7]

وفي البعد الاجتماعي، لا تنظر الإمامية إلى الحرية باعتبارها حقاً فردياً مطلقاً يتجاوز حقوق الآخرين، بل تؤكد على التوازن بين حرية الفرد وصالح المجتمع. فالحرية التي تؤدي إلى الإضرار بالغير أو هدم القيم أو نشر الظلم ليست حرية مشروعة. وقد أكد الإمام الباقر عليه السلام هذا المعنى حين قال: (الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة)[8]، أي أن المؤمن الحر هو الذي يضبط حريته بميزان الوعي والمسؤولية، ولا يندفع خلف كل ما يشتهي أو يرغب.

كما أن الحرية في الرؤية الإمامية لا تنفصل عن العدالة، لأن الظلم أكبر عدو للحرية. فالاستبداد السياسي والفكري والديني يُعدّ في منطق أهل البيت عليهم السلام انتهاكاً صريحاً لكرامة الإنسان. وقد جسّد الأئمة هذا الموقف عملياً في مواقفهم من الحكّام الجائرين. وتُعدّ ثورة الإمام الحسين عليه السلام النموذج الأسمى للحرية الواعية، إذ لم تكن ثورته طلباً للسلطة، بل رفضاً للذل والفساد. وقد لخّص الإمام الحسين عليه السلام فلسفة الحرية في كلمته الخالدة: «هيهات منّا الذلّة»، وفي قوله (إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم)[9]، حيث جعل الحرية قيمة إنسانية عامة، تتجاوز الانتماء الديني، وترتبط بكرامة الإنسان بوصفه إنساناً.

وفي المجال الفكري، تؤكد الإمامية على حرية التفكير والنقاش، وترفض مصادرة العقل أو تعطيله. فقد كان أئمة أهل البيت عليهم السلام روّاد الحوار العلمي والعقلي، وفتحوا باب النقاش مع مختلف التيارات الفكرية، دون خوف أو قمع. وهذا يعكس إيمانهم بأن الحق لا يخشى الحوار، وأن الحرية الفكرية شرط للوصول إلى الحقيقة. غير أن هذه الحرية الفكرية لم تكن منفصلة عن الضوابط الأخلاقية والعلمية، بل كانت قائمة على البرهان والاحترام المتبادل.

كما ترفض الرؤية الإمامية استغلال مفهوم الحرية لتبرير الانحراف الأخلاقي أو التفكك الأسري أو الظلم الاجتماعي. فالحرية في هذا المنظور ليست غطاءً للفوضى، بل وسيلة لبناء الإنسان الصالح والمجتمع العادل. ولهذا نجد تأكيداً مستمراً في كلمات المعصومين عليهم السلام على أن العبودية لله هي ذروة الحرية، لأن الله لا يستعبد الإنسان لمصلحة ذاتية، بل يهديه لما فيه كماله وسعادته. وقد عبّر أمير المؤمنين عليه السلام عن هذا المعنى بقوله: (كفى بي عزّاً أن أكون لك عبداً، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربّا)[10].

وخلاصة الرؤية الإمامية للحرية أنها قيمة أصيلة، لكنها قيمة هادفة وموجّهة، تقوم على التوحيد، وتتوازن مع المسؤولية، وتتكامل مع العدالة والأخلاق. فهي ليست تحرراً من الله، بل تحرراً بالله، وليست خروجاً على القيم، بل عودة إلى الفطرة السليمة التي أرادها الله للإنسان. وبهذا التصور، تقدّم الإمامية فهماً عميقاً ومتكاملاً للحرية، يجمع بين كرامة الإنسان الفردية، وصلاح المجتمع، وبناء حضارة إنسانية تقوم على الوعي والعدل والاختيار المسؤول.

الهوامش:-----

[1] ـ سورة الانسان, الاية 3.

[2]ـ سورة الكهف, الاية29.

[3]ـ سورة البقرة. الاية 252.

[4] ـ البحار ج74, ص 255.

[5] ـ غرر الحكم ودرر الكلم, ص 111.

[6] ـ البحار,ج73,ص 238.

[7] ـ ديوان أغاني الحياة للشاعر أبو القاسم الشابي.

[8] ـ البحار ج 75,ص 188.

[9] ـ بحار الانوارج 45,ص 49.

[10] ـ بحار الانوار, البحار ج 38, ص 339.

: الشيخ ميثم شعلان طراد الصريفي