المعتصم العبّاسي واغتيال النور

قراءة في شهادة الإمام الجواد عليه السلام

إنّ من أخطر ما يُبتلى به تاريخ الأُمم أن يتصدّى لقيادتها من لا يزن الأمور بميزان الحكمة، ولا يعرف للعلم قدراً، ولا للحقّ حرمة، فيتحوّل السلطان من أداةٍ لإقامة العدل إلى وسيلةٍ لإشباع الأهواء، وتغدو الخلافة ـ التي جُعلت لحراسة الدين وسياسة الدنيا ـ باباً للبطش وإذلال العباد. ومن أوضح مصاديق ذلك ما جرى في عهد المعتصم العبّاسي، ذلك الحاكم الذي اجتمعت فيه نزعات القسوة مع ضيق الفكر، فصار مثالاً للذي يهاب النور لأنّه يعيش في ظلمات الجهل.

وقد وصفه أهل التاريخ بأنّه كان إذا غضب ((لا يبالي من قتل ولا ما فعل))(١)، وهذه الخصلة ليست من الشجاعة في شيء، بل هي من آثار الحمق وفساد التدبير؛ لأنّ العاقل كلّما اشتدّ غضبه ازداد تماسكاً، أمّا الأحمق فإنّ أوّل ما يفقده عند الغضب هو إنسانيّته. ومن هنا كان الطغيان غالباً قرين الجهل، إذ إنّ من لا يملك منطقاً يستعين بالسيف، ومن يعجز عن إقامة الحجّة يلجأ إلى القهر.

ولم يكن المعتصم ممّن عرف للعلم شرفه، بل كان نافراً منه منذ صباه، حتى رُوي أنّ غلاماً كان يقرأ معه في الكُتّاب مات، فقال: ((واستراح من الكتاب))، فقال له هارون العباسي: ((دعوه لا تعلّموه))(٢). فبقي أمّيّاً لا يقرأ ولا يكتب، حتى وصفه أحمد بن عامر بقوله: ((خليفةٌ أمّيّ ووزيرٌ عامّي))(٣).

وما أعظم الرزيّة حين تكون مقاليد الأُمور بيد من لا نصيب له من المعرفة؛ لأنّ العلم ليس زينةً للحاكم، بل هو روح العدالة، وبدونه تتحوّل السلطة إلى غريزةٍ عمياء لا تعرف سوى التسلّط. ولهذا لم يُعرف عن المعتصم أثرٌ في فضلٍ أو حكمة، وإنّما عُرف بالشدّة والبطش وإيثار أهل العصبيّة على أهل الكفاءة.

وكان شديد البغض للعرب، فأخرجهم من الديوان، وأسقط أسماءهم، ومنعهم العطاء والولايات(٤)، في مقابل ميله الشديد إلى الأتراك الذين أكثر من استقدامهم من فرغانة وأشروسنة وغيرها(٥)، حتى بلغوا في عهده عدداً عظيماً، وجعل لهم الامتيازات والمناصب، وألبسهم أحسن الثياب والحلي(٦)(٧)، وأسند إليهم قيادة الجيش وإدارة الدولة.

ولم يكن ذلك الميل مجرّد سياسةٍ عابرة، بل كان انعكاساً لعصبيّةٍ كامنة جعلته يقدّم الولاء العرقيّ على مصلحة الأُمّة، فإذا بالدولة تتحوّل إلى ساحة تمييزٍ واستئثار، ويصبح الناس فيها درجاتٍ بحسب القرب من السلطان لا بحسب الفضل والاستحقاق. وقد بلغ من طغيان الأتراك أنّهم كانوا يركبون خيولهم في أسواق بغداد غير مبالين بالناس، فيسحقون الشيخ والمرأة والصبيّ، حتى ضجّ الناس من ظلمهم(٨).

وقد صوّر دعبل الخزاعي حال الدولة يومئذٍ بقوله:

لقد ضاع أمرُ الناس إذ ساس ملكهم

وصيفٌ وأشناسٌ وقد عظم الكرب

وفي خضمّ هذا الانحدار السياسيّ والأخلاقيّ، كان الإمام محمد الجواد عليه السلام يمثّل الامتداد النقيّ لخطّ الرسالة، بما آتاه الله من علمٍ وهيبةٍ وحكمةٍ رغم حداثة سنّه. وكانت القلوب تنجذب إليه انجذاب الفطرة إلى النور، ولذلك امتلأت نفس المعتصم حسداً وغيظاً من مقام الإمام وما يراه الناس فيه من آثار الإمامة والفضل.

ولهذا أشخصه إلى بغداد سنة (٢٢٠ هـ)(٩)، ولم يكن ذلك إلا ليكون تحت الإقامة الجبريّة، فيراقب تحرّكاته ويحول بينه وبين شيعته ومحبيه؛ فإنّ الجبابرة يخافون الكلمة الصادقة أكثر ممّا يخافون السيوف، لأنّ السيف يقتل الجسد، أمّا الحقيقة فتوقظ الأرواح.

ومن المواطن التي أظهرت سموّ علم الإمام عليه السلام تلك القضيّة التي اجتمع فيها الفقهاء عند المعتصم في شأن السارق: من أيّ موضع تُقطع يده؟ فاختلفوا، فقال بعضهم: من الكرسوع(١٠)، وقال آخرون: من المرفق، فالتفت المعتصم إلى الإمام الجواد عليه السلام وقال له: ما تقول يا أبا جعفر؟

فأعرض الإمام أوّلاً، ثمّ لمّا ألحّ عليه قال: ((إنّهم أخطأوا فيه السنّة، وإنّ القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع فيُترك الكفّ)). فلمّا سأله عن الدليل قال: ((لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: السجود على سبعة أعضاء... فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم تبق له يد يسجد عليها، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ وما كان لله لم يُقطع))(١١).

فأخذ المعتصم بقوله، وأمر بتنفيذ الحكم على وفق رأيه، فاشتعل الحسد في قلب أبي داود السجستاني، إذ رأى أنّ التفاف الناس حول الإمام يزداد، وأنّ هيبته تعلو على هيبة فقهاء البلاط، فدخل على المعتصم محرّضاً وقال له إنّ في ذلك تقويةً لقول من يعتقد بإمامة الجواد وأحقيّته بالأمر دون غيره.

وهكذا كان الحسد ـ كما هو شأنه دائماً ـ باباً للفتن والدماء، فإنّ كثيراً من الجرائم الكبرى لم تبدأ بسيفٍ، بل بدأت بقلبٍ امتلأ حقداً على أهل الفضل.

وقد كان الإمام عليه السلام عالماً بما يُدبّر له، فأخذ ينعى نفسه إلى خواصّ أصحابه، فمن ذلك قوله: ((احملوا إليّ الخمس، لست آخذ منكم سوى عامي هذا))(١٢)، ومنها ما كتبه إلى بعض أصحابه من الأمر بندبه وندب أبيه(١٣)، ومنها إخباره بأنّ ((الفرج بعد المأمون بثلاثين شهراً)) فلم يلبث بعده إلا تلك المدّة(١٤). كما نصّ على إمامة ولده أبي الحسن الهادي عليه السلام، فقال: ((الإمام بعدي ابني عليّ، أمره أمري، وقوله قولي، وطاعته طاعتي))(١٥).

وكان الإمام يعلم أنّ المعتصم لا يتورّع عن سفك الدم الحرام، وأنّ القلوب المريضة إذا اجتمع فيها الحسد مع حبّ السلطان لم يبقَ فيها موضعٌ لرحمةٍ أو دين.

ثمّ أقدم المعتصم على جريمته النكراء، فدُسّ السمّ إلى الإمام عليه السلام، وإن اختلفت الاخبار في الطريقة والواسطة(١٦). وهكذا لم يرعِ القوم حرمة النبيّ صلى الله عليه وآله في ذريّته، ولم يحفظوا وصيّته في أهل بيته.

استُشهد الإمام الجواد عليه السلام شابّاً في ريعان العمر، ولم يتجاوز خمساً وعشرين سنة(١٧)، لكنّه خلّف تراثاً من العلم والهداية يفوق أعمار الرجال. فإنّ أولياء الله لا تُقاس أعمارهم بطول السنين، بل بما يتركونه من نورٍ في ضمير الأُمّة.

ولمّا جُهّز بدنه الشريف حُمل إلى مقابر قريش، واحتشدت بغداد بمواكب الحزن، تبكي الإمام الذي واروا معه صفحةً من أنقى صفحات الرسالة، ودفن إلى جوار جدّه الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، ليبقى قبره مشكاةً للهداية وموئلاً للقلوب المؤمنة.

فسلامٌ عليه يوم وُلد طاهراً، ويوم عاش إماماً، ويوم استُشهد مظلوماً مسموماً، ويوم يُبعث حيّاً.

والحمد لله رب العالمين

المصادر:

١ ـ الإسلام والحضارة العربية: ج٢ ص٢٣٧، أخبار الدول: ص١٥٥.

٢ ـ أخبار الدول: ص١٥٥.

٣ ـ وفيات الأعيان.

٤ ـ الإسلام والحضارة العربية: ج٢ ص٤٤٩.

٥ ـ مروج الذهب: ج٤ ص٩.

٦ ـ ظهر الإسلام: ج١ ص٤ ـ ٥.

٧ ـ تاريخ الخلفاء: ص٢٢٣.

٨ ـ تاريخ الحضارة الإسلامية في الشرق: ص٢٤.

٩ ـ شرح ميمية أبي فراس: ص٣٦، الفصول المهمة: ص٢٦٢.

١٠ ـ الكرسوع: طرف الزند الذي يلي الخنصر.

١١ ـ تفسير العياشي: ج١ ص٣١٩، البرهان: ج١ ص٤٧١، البحار: ج١٢ ص٩٩، وسائل الشيعة: ج١٨ ص٤٩٠.

١٢ ـ المحجة البيضاء: ج٤ ص٣٠٨.

١٣ ـ الكشي: ج٢ ص٨٣٨.

١٤ ـ إثبات الهداة: ج٦ ص١٩٠.

١٥ ـ إكمال الدين: ج٢ ص٥٠.

١٦ - بحر الأنساب: ص 28. سبك الذهب في سبك النسب. مرآة الجنان: ج2 ص 81، نزهة الجليس: ج 2 ص 111.

19 ـ تفسير العيّاشي: ج 1 ص 320. بحار الأنوار: ج 12 ص 99. البرهان: ج 1 ص 471.

١٧ ـ نزهة الجليس: ج٢ ص١١١، المناقب: ج٤ ص٣٩١.

٢١ـ تاريخ الإسلام للذهبي: ج٨، ورقة١٥٨، روض المناظر، منتخب مرآة الجنان، تاريخ قم.

: علي الحداد