منهج احياء الامر وصناعة الأمة

القوة الناعمة عند أهل البيت عليهم السلام

لم تعد الحروب في عالم اليوم مجرد مواجهة عسكرية بين الجيوش والأسلحة، بل تحولت إلى صراع عميق على الوعي والهوية والذاكرة والانتماء. فالقوى العالمية الكبرى لم تعد تعتمد فقط على الدبابات والطائرات والصواريخ، وإنما أصبحت تعتمد بصورة أساسية على الإعلام، والثقافة، والتعليم، والفن، والرموز، والشعائر، والقدرة على التأثير في عقول الناس وقلوبهم، وهو ما يسمى اليوم بـ«القوة الناعمة».

ومن هنا فإن المتأمل في مدرسة أهل البيت عليهم السلام يكتشف أنها لم تكن مجرد مدرسة فقهية أو روحية محدودة، بل كانت مشروعاً إلهياً متكاملاً لصناعة الإنسان الرسالي، وبناء الأمة الواعية، وحفظ خط الهداية عبر أخطر العصور وأشدها ظلمة واضطهاداً.

لقد أدرك أهل البيت عليهم السلام منذ البداية أن معركة الحق والباطل ليست معركة آنية أو سياسية محدودة، وإنما هي معركة ممتدة عبر التاريخ، ولهذا أسسوا أعظم منظومة للقوة الناعمة في التاريخ الإسلامي، بل ربما في التاريخ الإنساني كله، من خلال بناء الوعي، وصناعة الهوية، وترسيخ الانتماء، وتحويل العقيدة إلى ثقافة، والثقافة إلى مجتمع، والمجتمع إلى أمة تحمل مشروع الحق عبر الزمن.

ومن هنا جاءت الروايات الكثيرة التي تؤكد على «إحياء الأمر»، لأن إحياء الأمر لم يكن مجرد توصية عاطفية أو ممارسة شعائرية محدودة، وإنما كان مشروعاً استراتيجياً ضخماً لحفظ الدين، وصيانة الهوية، ومنع الأمة من الذوبان داخل مشاريع الطغيان والانحراف.

إن الأئمة عليهم السلام كانوا يعلمون أن الدولة قد تسقط، وأن السلاح قد يُكسر، وأن الرجال قد يُقتلون، ولكن إذا بقيت الهوية حيّة في النفوس، والوعي حاضراً في العقول، والارتباط قائماً بأهل البيت عليهم السلام، فإن المشروع الإلهي سيبقى ممتداً حتى قيام دولة العدل الإلهي بقيادة الإمام المهدي عليه السلام.

ولهذا فإن المجالس، والشعائر، والتزاور، والتعليم، ونشر العلم، وإحياء المصائب، والتلاقي بين المؤمنين، كلها لم تكن أعمالاً منفصلة أو عشوائية، وإنما كانت أجزاء من مشروع حضاري متكامل لصناعة القوة الناعمة الرسالية التي تساهم في بناء امة عقائدية تستلهم حركتها من المنهج الحسيني الناصع.

مفهوم القوة الناعمة في مدرسة اهل البيت عليهم السلام

ان مفهوم القوة الناعمة في الفكر المعاصر يعني القدرة على التأثير في الآخرين وجذبهم دون استخدام الإكراه العسكري أو القهر المباشر، من خلال الثقافة والقيم والأفكار والرموز والإعلام وصناعة الصورة الذهنية.

لكن مدرسة أهل البيت عليهم السلام قدمت نموذجاً أعمق وأوسع وأبقى من المفهوم الحديث للقوة الناعمة، لأنها لم تعتمد على المصالح المؤقتة أو الدعاية الفارغة، وإنما اعتمدت على بناء الإنسان من الداخل، وربط الإنسان بالله تعالى، وصناعة الوعي الرسالي العميق القادر على الصمود أمام كل محاولات الانحراف.

فالقوة الناعمة عند أهل البيت عليهم السلام لم تكن مجرد أدوات تأثير اجتماعي، بل كانت مشروعاً إلهياً لحفظ خط الهداية في الأرض.

ولهذا نجد أن أهل البيت عليهم السلام ركزوا على عناصر أساسية تمثل جوهر القوة الناعمة، ومنها بناء الهوية العقائدية وصناعة الوعي ونشر العلم وربط الأمة بالمظلومية الإلهية وبناء المجالس والشعائر وتشكيل البيئة المؤمنة وصناعة النموذج الأخلاقي وحفظ الذاكرة التاريخية وتربية الأمة على الانتظار والثبات.

وإن أخطر ما يمكن أن يواجه أي أمة ليس الاحتلال العسكري فقط، وإنما فقدان الهوية والانتماء، لأن الأمة التي تُهزم فكرياً وثقافياً تصبح قابلة للسيطرة حتى لو امتلكت الثروات والسلاح ومن هنا ركز أهل البيت عليهم السلام على بناء الإنسان الواعي قبل أي شيء آخر.

 

 

إحياء الأمر مشروع صناعة الأمة

إن الروايات الشريفة التي تحدثت عن «إحياء الأمر» تكشف عن مشروع حضاري هائل يتجاوز حدود الممارسة الفردية الضيقة فعندما يقول الإمام الرضا عليه السلام: «من جلس مجلساً يُحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب»، فإن الحديث لا يتعلق بمجرد حضور مجلس، وإنما يتحدث عن صناعة الحياة القلبية والفكرية والروحية للأمة.

إن إحياء الأمر يعني أن يبقى أهل البيت عليهم السلام أحياء في العقل والثقافة والهوية والسلوك والإعلام.

والعلاقات الاجتماعية ومنهج الحياة ولذلك فإن الإحياء لا يعني مجرد الذكر العاطفي، وإنما يعني تحويل منهج أهل البيت عليهم السلام إلى مشروع حياة شامل.

إن الأمة قد تُقتل بالسيف، لكنها قد تُقتل أيضاً بالنسيان

ولهذا كان أخطر ما عمل عليه الطغاة عبر التاريخ هو محاولة إخراج أهل البيت عليهم السلام من وعي الأمة، وعزلهم عن مركزية التأثير الحضاري، وتحويلهم إلى مجرد شخصيات تاريخية معزولة عن الواقع ولهذا ركز اهل البيت على منهج احياء الامر عبر الجلسات التعليمية، ومجالس الذكر والوعظ والإرشاد والعزاء والتزاور واحياء مصاب ومظلومية اهل البيت عليهم السلام لكي تبقى حية في نفوس الأجيال وتكون طريقا لنشر معالم الحق ومنهج الإسلام المحمدي الأصيل لذلك تعددت طرق الاحياء في مدرسة اهل البيت عليهم السلام في سبيل صناعة الوعي في الامة وسلامة هويتها وانتمائها وصيانتها من الانحراف وتغيير طريق الحق .

 

 

احياء الأمر في منهج اهل البيت عليهم السلام

إن المتتبع لروايات أهل البيت عليهم السلام سيجد أن هناك مصاديق عديدة لإحياء أمرهم:

الأول: التعلم والتعليم أخطر أدوات القوة الناعمة

إن التعليم في مدرسة أهل البيت عليهم السلام ليس مجرد نقل معلومات، وإنما صناعة عقل وبناء بصيرة وتشكيل رؤية كونية وربط الإنسان بالحق ولهذا نجد أن الأئمة عليهم السلام لم يكتفوا بإنتاج المعرفة، بل أكدوا على ضرورة نشرها وتعليمها للناس لكنهم في الوقت نفسه وضعوا قاعدة مهمة جداً في منهج القوة الناعمة، وهي «حببونا إلى الناس» أي أن الهدف ليس صناعة الكراهية والصدام العبثي، وإنما جذب الناس إلى الحق عبر محاسن الكلام والأخلاق والحكمة ولهذا كان خطاب أهل البيت عليهم السلام خطاباً عالمياً إنسانياً يحمل الرحمة والوعي والجاذبية الروحية والفكرية فعن عبد السلام بن صالح الهروي قال: سمعت أبا الحسن على بن موسى الرضا عليه السلام يقول: ( رحم الله عبدا احيا امرنا فقلت له: وكيف يحيى امركم؟ قال: يتعلم علومنا ويعلمها الناس فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا)[1]، وهذه الرواية تدل على أمور عدة أساسية:

 1- أهمية تعلم علم أهل البيت عليهم السلام لا علم غيرهم.

2- أهمية التعليم للناس محاسن كلام آل محمد صلوات الله عليهم.

فالمسالة ليست فقط في انتاج المعرفة بل لابد من تصديرها للناس ولم تبق حبيسة المكتبات والصدور بل حتى يحصل البناء الواعي للامة لابد من نشر العلم وتعليم الناس محاسن كلام ال محمد فان الناس لو اطلعوا اطلاعا دقيقا على علوم اهل البيت لاتبعواهم وان اتباعهم هو اتباع سبيل الحق والصراط المستقيم وضمن الانسان ميتة الهداية والنجاة من الدنيا ونالوا الرضا الإلهي والمنازل العليا وبلغوا جميع أنواع الكمالات .

3- إن الرواية واضحة وصريحة إن أحد أهم مصاديق أمر أهل البيت عليهم السلام هو التعلم والتعليم، فمن لم يتعلم علومهم لا يمكن أن يحقق معنى الإحياء بجوهره الحقيقي وكذلك من تعلم علومهم ولم يعلم الناس محاسن كلامهم أيضا هذا لم يحقق جوهر إحياء الأمر.

4- إن الرواية الشريفة تنص على أن الواجب على المؤمنين تعليم الناس محاسن كلام أهل البيت عليهم السلام ولم يقل الامام عليه السلام علينا أن نظهر مثالب الأعداء.

وانما المراد من محاسن كلامهم هو الكلام الذي يقرب الناس جميعا والبشرية جمعاء الى حبهم ومودتهم ومنهجهم وسيرتهم وإمامتهم وقد أشار الى ذلك أبو بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (رحم الله عبدا حببنا إلى الناس ولم يبغضنا إليهم، أما والله لو يروون محاسن كلامنا لكانوا به أعز وما استطاع أحد أن يتعلق عليهم بشئ ولكن أحدهم يسمع الكلمة فيحط إليها عشرا).

الثاني: التزاور وبناء البيئة الرسالية

إن من أعظم أدوات القوة الناعمة التي ركزت عليها الروايات الشريفة هو بناء البيئة المؤمنة واحد اهم طرقها التزاور والتواصل بين المؤمنين وعقد الجلسات، والندوات التي تخص ذكر آل محمد صلوات الله عليهم فان في ذكرهم المنفعة والرفعة وإنارة الطريق والهداية، فعن الامام أبي جعفر الثاني عليه السلام قال: (رحم الله عبداً أحيا أمرنا قلت ما إحياء ذكركم قال التلاقي والتذاكر عند أهل الثبات). وقد أوضحت النصوص الشريفة ان التلاقي والجلوس بين المؤمنين ينبغي أن يحف بالتذاكر في أمر اهل البيت عليهم السلام من خلال معرفة الاطلاع على أحاديثهم ومحاسن كلامهم فان في ذلك حياة للقلوب، وبناء للعقل والفكر السليم، فقد روي عن ابي عبد الله عليه السلام: (تلاقوا وتحادثوا العلم فان بالحديث تجلى القلوب الرائنة وبالحديث إحياء امرنا فرحم الله من أحيا أمرنا).

وروي عن الامام الصادق عليه السلام قال: (تزاورا في بيوتكم فان ذلك احياء لأمرنا رحم الله عبدا احيا امرنا) [2]، لأن المشروع الرسالي لا يعيش في العزلة الفردية، وإنما يحتاج إلى بيئة حاضنة وعلاقات اجتماعية وشبكات تواصل وتعاون فكري وروحي فإن التزاور بين المؤمنين ليس مجرد عادة اجتماعية، بل هو وسيلة لحفظ الهوية الجماعية للأمة ولهذا استطاع الشيعة عبر التاريخ أن يحافظوا على وجودهم رغم المذابح والسجون والملاحقات، لأنهم امتلكوا مجتمعاً مترابطاً يحمل ثقافة التعاون والانتماء والولاء.

إن الطغاة كانوا يحاولون دائماً تفكيك المجتمعات المؤمنة وعزل الأفراد عن بعضهم، لأن الإنسان المعزول يكون أكثر ضعفاً وانهياراً أما مدرسة أهل البيت عليهم السلام فقد بنت مجتمعاً قائماً على التولي لأولياء الله والبراءة من اعدائهم والمحبة بين المؤمنين والتكافل والتواصل والتعاون على البر والتقوى وهو ما يمثل جوهر القوة الناعمة الحقيقية.

الثالث: إحياء الامر يكون عن طريق صيانته وكتمانه عن غير أهله

ومن أهم مصادقي إحياء الامر هو ليس فقط بقبول منهج أهل البيت عليهم السلام وانما بصيانته وحفظه عن المنحرفين والمكذبين والمشككين والمدلسين وأن لا يذيع علمهم الى من ليسوا اهله، فان الذي لا يعترف بمقامات اهل البيت عليهم السلام ، ومنزلتهم وامامتهم ومودتهم وطاعتهم وعصمتهم ينبغي ان لا يذاع ذلك اليهم وانما علينا كتمانه عن هؤلاء فلا يذاع امرهم الا لمن هم اهله وان لا يحدثهم الا بما يعرفون أما ما ينكرونه في خصوص مقامات اهل البيت عليهم السلام فلابد من كتمانه وعدم التحدث به لهم، فقد روي عن الامام الصادق عليه السلام قال:  ( يا مدرك ان امرنا ليس بقبوله فقط ولكنه بصيانته وكتمانه عن غير اهله أقرئ اصحابنا السلام ورحمة الله وبركاته وقل لهم رحم الله امرأً اجتر مودة الناس الينا وحدثهم بما يعرفون وترك ما ينكرون)[3].

 

الرابع: إقامة مجالس العزاء وإحياء مصائبهم

إن المجالس الحسينية ليست مجرد تجمعات عاطفية للبكاء، كما يحاول البعض تصويرها، بل هي في حقيقتها أعظم مؤسسة شعبية لصناعة الوعي في التاريخ الإسلامي فالمجلس الحسيني مدرسة عقائدية ومنبر إعلامي ومركز تعبئة فكرية ومصنع للهوية ووسيلة لحفظ الذاكرة ومنظومة تربوية اجتماعية وروحية ولهذا استطاعت المجالس الحسينية أن تحفظ قضية الإمام الحسين عليه السلام عبر القرون رغم كل محاولات القمع والمنع والتشويه فإن الأنظمة الأموية والعباسية كانت تمتلك الجيوش والأموال والإعلام الرسمي والسلطة السياسية لكن أهل البيت عليهم السلام امتلكوا قوة أعمق وأبقى، وهي قوة التأثير في القلوب والضمائر ولهذا سقطت عروش الطغاة، بينما بقي الحسين عليه السلام حياً في وجدان الأمة.

إن المجالس الحسينية نجحت في تحويل المظلومية إلى وعي، والدمعة إلى موقف، والعاطفة إلى هوية، والهوية إلى حركة اجتماعية وثقافية ممتدة عبر الزمن لهذا ركزت النصوص على أهمية احياء مظلومية اهل البيت والامام الحسين عليه السلام عبر البكاء وإقامة العزاء ووردت روايات كثيرة في هذا الباب فعن الامام الرضا عليه السلام قال ابْنَ شَبِيبٍ: (إن كنتَ باكِياً لشيء فابك للحسينِ بن علِي عليه السلام فإِنه ذبِح كما يذبح الكبش، وقتل معه من أهلِ بيته ثمانِيَة عشر رجلا مَا لهم في الأرض شبيهونَ، وَلَقَدْ بكتِ السماوات السبع والأرضُون لقتله.

يا ابن شبيب: إن بَكيت عَلَى الحسين عليه السلام حتى تصيرَ دموعك على خديك غفر الله لك كل ذنب أذنبته، صغِيراً كان أو كبِيراً، قلِيلا كان أو كثِيراً)[4].

الهوامش: 

[1] عيون اخبار الرضا ص 275

[2] البحار ج71 ص 354.

[3] الامالي للطوسي ص 86

[4] بحار الأنوار ج98 ص 103

: الشيخ وسام البغدادي