البداء والعلامات الحتمية للظهور

دراسة في إمكان التغيير وحدوده في الروايات...

يُعدّ البحث في علامات ظهور الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) من الموضوعات التي نالت عنايةً واضحة في التراث الروائي والكلامي عند الإمامية، لما لها من صلة مباشرة بعقيدة الانتظار وما يرتبط بها من ترقبٍ لقيام الدولة الإلهية الموعودة. ومن جملة المسائل التي أُثيرت في هذا الباب مسألة وقوع البداء في العلامات الحتمية للظهور، وهل يمكن أن يطرأ التغيير على ما أخبرت به الروايات من الأمور المحتومة أم لا.

وقبل الخوض في استعراض الأقوال في هذه المسألة، لا بد من بيان معنى البداء في الآيات القرآنية والأخبار الواردة، لأن كثيراً من الإشكالات إنما نشأت من عدم تحرير هذا المفهوم وتحديد المراد منه.

فهل البداء يعني التغيير بعد العلم، بمعنى أن الله تعالى يخبر أنبياءه وأولياءه بشيء ثم يغيّره؟ أم أن للبداء معانٍ آخرى؟

إن الظاهر من الآيات الكريمة والأخبار الشريفة أن للبداء معنيين:

المعنى الأول:

هو الظهور والإبانة بعد الخفاء. وقد استُعمل بهذا المعنى في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾. وهذا المعنى يُشير إلى ظهور شيء من الله بخلاف توقعات الخلق، وليس بخلاف علم الله تعالى.

وقد اتفقت الإمامية على أن البداء بمعنى الظهور بعد الخفاء، أو العلم بالشيء بعد الجهل به يستحيل إطلاقه على الله سبحانه وتعالى إذا أريد به تغيّر الإرادة أو تجدّد العلم، ولم يقل به أحد من الإمامية، لأن ذلك يستلزم حدوث علمه تعالى أو تبدّل إرادته، وهو ما ينافي كماله المطلق وإحاطته بجميع الأشياء.

وعلى هذا الأساس أجمع الإمامية على أن الله سبحانه وتعالى عالم بالأشياء كلها: ماضيها وحاضرها ومستقبلها، كلياتها وجزئياتها، لا يخفى عليه شيء في السماوات ولا في الأرض، وأن علمه تعالى أزلي غير حادث ولا يتجدد. وكل ما في أمّ الكتاب هو القضاء الذي لا يُرد ولا يُبدل.

المعنى الثاني:

هو تعليق أمر على أمر، وهو المراد في كثير من الموارد، بحيث يكون تحقق أحدهما مشروطاً بالآخر، فإذا تحقق الشرط تحقق المشروط، وإذا لم يتحقق لم يقع الأثر.

وبعبارة أخرى: إن الله سبحانه قد جعل لبعض الأقدار موقوفة على أفعال معينة، فإذا أتى الإنسان بتلك الأفعال ترتبت آثارها عليه، وإذا لم يأتِ بها لم تتحقق تلك النتائج. والإنسان في هذه الموارد يملك الاختيار، والبداء إنما يظهر بالنسبة إلى ما يترتب على أفعاله، لا بالنسبة إلى علم الله تعالى.

ومن الشواهد على ذلك ما ورد في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. وقال سبحانه: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.

كما ورد في الروايات ما يدل على تأثير بعض الأعمال في تغيير مصير الإنسان، كقول الإمام الصادق (عليه السلام): ((إن الدعاء يردّ القضاء، وإن المؤمن ليذنب فيُحرم بذنبه الرزق)) (1).

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ((إن الدعاء يرد القضاء وقد نزل من السماء وقد أُبرم إبراماً))(2)

عن إسحاق بن عمار قال : قال أبو عبد الله (عليه السلام): ((ما نعلم شيئا يزيد في العمر إلا صلة الرحم، حتى أن الرجل يكون أجله ثلاث سنين فيكون وصولا للرحم فيزيد الله في عمره ثلاثين سنة فيجعلها ثلاثا وثلاثين سنة ، ويكون أجله ثلاثا وثلاثين سنة ، فيكون قاطعا للرحم فينقصه الله ثلاثين سنة ويجعل أجله إلى ثلاث سنين))(3) . 

فالمستفاد من مجموع هذه النصوص أن الله تعالى رتّب بعض الأمور على أسباب وشروط، فإذا تحققت تلك الأسباب ظهرت نتائجها، وإذا لم تتحقق لم تظهر. وهذا هو المعنى الذي يُفسَّر به البداء في كثير من الروايات.

وقد صرّح بذلك عدد من الأعلام، ومنهم السيد الخوئي رحمه الله حيث قال: (( والبداء إنما يكون في القضاء الموقوف، المعبّر عنه بلوح المحو و الإثبات، و الالتزام بجواز البداء فيه لا يستلزم نسبة الجهل إلى الله سبحانه ، و ليس في هذا الالتزام ما ينافي عظمته و جلاله .فالقول بالبداء هو الاعتراف الصريح بأن العالَم تحت سلطان الله و قدرته في حدوثه و بقائه ، و إن إرادة الله نافذة في الأشياء أزلاً و أبداً .بل و في القول بالبَدَاء يتضح الفارق بين العلم الإلهي وبين علم المخلوقين، فعلم المخلوقين ـ و إن كانوا أنبياء أو أوصياء ـ لا يحيط بما أحاط به علمه تعالى ... ))(4) 

الموارد التي لا يقع بها البداء:

انتهينا من عبارة السيد الخوئي رحمه الله، وقد كانت عبارته موافقة لجملة من الأخبار الواردة، منها ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((إن لله علمين، علم مكنون مخزون لا يعلمه إلا هو من ذلك يكون البداء، و علم علّمه ملائكته و رسله و أنبيائه، و نحن نعلمه)) (5)

وكذلك فيما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) بسنده عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال لسليمان المروزي: ((إن عليا عليه السلام كان يقول: العلم علمان: فعلم علمه الله وملائكته ورسله، فما علمه ملائكته ورسله فإنه يكون ولا يكذب نفسه ولا ملائكته ولا رسله، وعلم عنده مخزون لم يطلع عليه أحداً من خلقه يقدم منه ما يشاء ويؤخر منه ما يشاء، ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء...))(6)

ومن هنا نفهم بأن المحتوم هو ذلك المكتوب الذي لا يُرد ولا يبدل، والموقوف هو الذي يقع به البداء لتوقفه على أمور أخرى، كتوقف الرزق على الإمتناع عن المحرّمات، أو كتوقف طول العمر على صلة الرحم... وهكذا.

وبعد اتضاح هذا المفهوم، نعود إلى أصل المسألة، وهي: هل يمكن أن يقع البداء في العلامات الحتمية لظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه)؟

لقد وصفت الروايات بعض العلامات بأنها من المحتوم الذي لا بد من وقوعه، وبعضها الأخر من الموقوف، كما فيما رواه الشيخ النعماني (رحمه الله) في الغيبة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : ((إن من الأمور أمورا موقوفة وأمورا محتومة، وإن السفياني من المحتوم الذي لا بد منه)) (7)

وبهذا المعنى وردت الكثير من الأخبار، وقد علمنا فيما تقدم بأن الله تعالى لا يُكذب أوليائه، وإن المحتوم لا يقع به البداء، وإلّا كان هذا تكذيباً للأنبياء والأولياء. كما أن الحجة الإلهية إنما تقوم على الوضوح والبيان، فإذا تبدل ما أخبر به الأنبياء والأولياء تبدلاً يفضي إلى خلاف ما أخبروا به، لزم من ذلك زوال وضوح الحجة، وهو ما لا ينسجم مع كونهم حجج الله على عباده.

وفي قبال هذا الكم الهائل من الأخبار، أستند البعض إلى رواية نقلها أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري قال: كنا عند أبي جعفر محمد بن علي الرضا (عليهم السلام) فجرى ذكر السفياني وما جاء في الرواية من أن أمره من المحتوم، فقلت لأبي جعفر (عليه السلام) : ((هل يبدو لله في المحتوم؟ قال: نعم. فقلنا له: فنخاف أن يبدو الله في القائم. فقال: إن القائم من الميعاد والله لا يخلف الميعاد))(8).

وقد ذهب بعض الباحثين إلى الاستناد إلى هذه الرواية للقول بإمكان وقوع البداء في العلامات الحتمية بمعنى عدم تحققها أصلاً، ومن الذين مالوا إلى هذا الاتجاه السيد جعفر مرتضى العاملي في كتابه "دراسة في علامات الظهور"(9).

إلا أن هذا الفهم قابل للمناقشة، لأن حمل البداء هنا على معنى إلغاء أصل العلامة يفضي إلى نتائج غير مقبولة، وقد تقدم أن البداء لا يقع في القضاء الحتمي، وهو ما قد يوقع الناس في الحيرة ويستلزم ــــ بحسب الظاهر ــــ تكذيب الأخبار الصادرة عن أوليائه.

ومن هنا ذهب جمع من الفقهاء إلى هذا الفهم، وهو أن القضاء الحتمي المعبَّر عنه باللوح المحفوظ أو أمّ الكتاب لا يقع فيه البداء، كما صرّح بذلك السيد الخوئي. حيث قال: ((وخلاصة القول إن القضاء الحتمي المعبر عنه باللوح المحفوظ وبأم الكتاب والعلم المخزون عند الله يستحيل أن يقع فيه البداء))(10)

وعلى ضوء ذلك حاول بعض الفقهاء الجمع بين الروايات، ومنهم العلامة المجلسي (رحمه الله) حيث ذكر: ((ثم إنه يحتمل أن يكون المراد بالبداء في المحتوم البداء في خصوصياته لا في أصل وقوعه كخروج السفياني قبل ذهاب بني العباس ونحو ذلك))(11)

وبذلك يتضح أن التحقيق يقتضي التفريق بين أصل العلامة الحتمية وبين تفاصيلها وخصوصياتها. فالأصل الذي أخبرت به الروايات بوصفه محتوم الوقوع لا يقع فيه البداء، لأنه مما أُعلم به الأنبياء والأوصياء، والله تعالى لا يُكذب نفسه ولا ملائكته ولا رسله. أما ما قد يقع فيه التغيير فهو بعض الخصوصيات أو الملابسات المرتبطة بالحدث، كزمانه أو بعض ظروفه وتفاصيله.

وعليه، فإن القول الأقرب إلى التحقيق هو أن البداء لا يقع في أصل العلامات الحتمية، وإنما قد يقع في بعض تفاصيلها أو ظروفها، وبذلك يمكن الجمع بين النصوص الواردة في الباب دون الوقوع في إشكال نسبة التغيّر إلى العلم الإلهي أو تكذيب الأخبار الصادرة عن أولياء الله.

والحمد لله رب العالمين

المصادر:

(1)- الشيخ الطوسي - الأمالي - ص ١٦٦

(2)- الشيخ الكليني - الكافي - ج ٢ - ص ٤٦٩

(3)- المصدر نفسه - ص ١٥٢

(4)- السيد الخوئي - البيان في تفسير القرآن - ص ٣٩١

(5)- الصَّفار - بصائر الدرجات - ص ١٠٩ 

(6)- الشيخ الصدوق - التوحيد - ص ٤٤٤

(7)- الشيخ النعماني –الغيبة - ص ٣١٣

(8)- المصدر نفسه-ص ٣١٤ 

(9)- السيد جعفر مرتضى العاملي - دراسة في علامات الظهور - ص ٤٥

(10)- السيد الخوئي - البيان في تفسير القرآن ص٣٨٩

(11)- العلامة المجلسي - بحار الأنوار - ج٥٢ - ص٢٥١

: علي الحداد