ليس أشدّ على النفس من أن تُقابل النيةُ الصافيةُ بالإنكار، ولا أمرّ على القلب من أن يُجزى الإحسانُ بالجحود. يتألّم الإنسان حين يرى فضله يُنسى، وحقَّه يُطمس، وعمله يُسفَّه، كأنما لم يكن له أثرٌ في ميزان، ولا صدى في ضمير. غير أنّ مدرسة آل محمد عليهم السلام تقلب هذا الميزان الأرضي، وتعيد تعريف الخسارة والربح، فتقول الكلمة التي تختصر فلسفة البلاء في طريق الإخلاص: "إن المؤمن مُكفّر".
أي أن المعروف الذي يصدر عن قلبٍ موصولٍ بالله، لا يُشكر في الغالب بين الناس، ولا يُذاع في المجالس، ولا تُصفَّق له الأيدي.
يُجحد إحسانه، ويُتناسى فضله، ويُطوى أثره في دفاتر الخلق. لكنّ هذا الجحود ليس نقصاً في مقامه، بل علامةُ اصطفاءٍ في طريقه؛ لأنّ معروف المؤمن، ما دام خالصاً لوجه الله، مقبولاً عنده، فإنّ الله جل جلاله لا يرضى له أن يستوفي أجره في سوق الدنيا الفانية. فيُحجب عنه ثناءُ الناس، ويُكفر معروفُه في الأرض، ليبقى ثوابه مدَّخراً كاملاً غير منقوصٍ في الآخرة.
هكذا تُفهم سنّة الامتحان: أن يُحرَم المخلصُ من التصفيق، ليُرزق القبول؛ وأن يُمنع من الذكر بين الخلق، ليُكتب له الذكر عند الحق.
أمّا الكافر والمنافق، فلما كانوا غير مستحقين لثواب الآخرة، جُعل جزاؤهم في الدنيا، فيُشهر معروفهم، وتُتداول أسماؤهم، ويُثنى عليهم في المجالس، كأنّهم قد استوفوا أجورهم عاجلاً. فيُثاب عملهم في الدنيا كعمل الشيطان؛ له أثرٌ في الأرض، ولا نصيب له في السماء.
وقد روي عن مولانا موسى بن جعفر عن أبيه عن جده عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) مكفّراً لا يشكر معروفه، ولقد كان معروفه على القرشي والعربي والعجمي، ومن كان أعظم معروفاً من رسول الله (صلى الله عليه وآله) على هذا الخلق؟ وكذلك نحن أهل البيت مكفّرون لا يشكر معروفنا، وخيار المؤمنين مكفّرون لا يشكر معروفهم.)(١)
إنها شهادةٌ تهزُّ المقاييس البشرية: فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو أعظم من أسدى معروفاً إلى هذا الخلق، قد كان مُكفَّراً لا يُشكر معروفه، فكيف يستغرب المؤمن أن يُجحد إحسانه؟ وإذا كان أهل البيت عليهم السلام، وهم معدن الرحمة ومنبع الهداية، قد وُصفوا بأنهم مُكفَّرون لا يُشكر معروفهم، فليس الجحود إذن علامة بطلان، بل قد يكون وسام صدقٍ في طريق الحق.
وعن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (إنّ المؤمن مكفّر، وذلك أنّ معروفه يصعد إلى الله عزّ وجلّ فلا ينتشر في الناس، والكافر مشهور، وذلك أنّ معروفه للناس ينتشر في الناس ولا يصعد إلى السماء.) (٢)
هنا يتجلّى الفارق بين الشهرة والقبول، بين الانتشار والصعود. فهناك أعمالٌ تُحلّق في وسائل الناس، لكنها لا ترتفع شبراً في ميزان السماء؛ وأعمالٌ تُطوى في صمت الأرض، لكنها تصعد كالدعاء الخفيّ إلى عرش الرحمن. المؤمن يعمل ليصعد عمله، لا لينتشر اسمه؛ يبتغي القبول، لا التداول؛ يطلب وجه الله، لا وجوه الناس.
فيا أيها المتألم من جحود الإحسان، لا تحزن إن لم تُشكر، ولا تأس إن لم يُذكر اسمك في القوائم. سل نفسك سؤالاً واحداً: أين تريد أن يُكتب معروفك؟ في ذاكرة الناس، أم في صحيفةٍ لا تضيع عند رب الناس؟
فإن كان مقصدك وجه الله، فاعلم أن صعود العمل أعظم من انتشاره، وأن ما يُكفر في الأرض قد يُزهر في السماء، وأن المؤمن - حقاً - مُكفَّر… ليكون مُثاباً حيث لا ينفد الثواب.
والحمد لله رب العالمين
المصادر:----
(١)-الشيخ الصدوق-علل الشرائع - ج ٢ -ص ٢٤٧
(٢)- المصدر نفسه

اترك تعليق