كيف نفهم عقل الإله ونحن نعجز عن فهم خلقه...
هل يمكن للإنسان أن يطلّ على "عقل الإله"، ونحن ما زلنا نعجز عن فهم تعقيدات خلقه؟
هذا السؤال ليس جديداً؛ إنه ظلّ يرافق الإنسان منذ فجر وعيه، ينهض معه إذا فتح عينيه على اتساع السماء، ويؤرقه إذا أوى إلى فراشه مثقلاً بأسئلة الوجود.
في خاتمة كتاب "موجز تاريخ الزمن" عبّر ستيفن هوكينغ عن طموحٍ يكاد يلامس الوهم حين قال: إن الوصول إلى “نظرية كاملة” سيجعل البشر يعرفون “عقل الله”. لكنها كلمات تكشف عن نزعة إنسانية عميقة إلى اختزال ما لا يُختزل، وإحاطة ما لا يُحيط به عقلٌ محدود. فهل يكفي أن نكتشف قانوناً لنقول إننا فهمنا سرَّ الوجود؟ وهل يمكن للمعادلات – مهما بلغت من جمال ودقة – أن تكون جسوراً إلى عقل المطلق؟
إن مجرد الخوض في هذه الأسئلة يضعنا خارج حدود العلم، لأن العالم الذي نرصده ليس هو العالم كما هو، بل كما تسمح لنا أدواتنا وإحساساتنا أن نراه. وقد عبّر "شرودنغر" عن هذه الحقيقة حين قال إننا لا نستطيع أن نعرف الشيء دون أن نغيّر فيه، فتصبح الصورة التي نلتقطها للوجود صورةً معدّلة، وليست حقيقة الشيء في ذاته. بل إن معرفتنا بأنفسنا ليست موضوعية بالكامل، فكيف نطالب عقولاً محدودة بتفسير اللامتناهي؟
ولأن معرفتنا محصورة بقوانين وضعية صنعناها نحن، فإننا نملك الحق أن نسأل: هل الطبيعة بالفعل “رياضية” كما نتخيلها؟ وهل قوانيننا سوى أوصاف نافعة اعتدنا نجاحها في عالمنا هذا، كما قال الغزالي وهيوم؟ وما الذي يمنع أن تفشل في ظرفٍ ما أو زمنٍ ما؟ مثلاً هل قام أحد بتطبيق هذه القوانين في مجرة أخرى؟ وما الذي يجعل “الحتمية” التي اعتادتها عقولنا إلا عادة ذهنية نرتاح إليها؟
ثم إن الإيمان بإمكانية التوصل إلى “نظرية كل شيء” نفسه افتراض هش؛ فالقوانين التي نستخدمها اليوم لم تكن صالحة في المراحل الأولى من عمر الكون، حيث اختلطت القوى الأساسية اختلاطاً يجعل من الصعب تطبيق أي نموذج معروف. وحتى مع تخيلنا لقدرتنا على رسم صورة كاملة لمراحل الكون الأولى، فإننا لا نملك دليلاً على أن قوانيننا كانت تعمل هناك كما تعمل هنا.
وإذا كانت الرياضيات – وهي أساس الفيزياء – غير كاملة بناءً على برهان "غودل" عام 1931، فإن أي علم يقوم عليها محكوم بالنقص. وقد لخص "جون بارو" هذه الحقيقة قائلاً: إن الرياضيات -التي نعرفها-عاجزة عن اكتشاف الحقيقة كلها، وبالتالي فالعلم - الذي نعرفه- عاجز عن ذلك أيضاً. فكيف يمكن لفهم ناقص أن يفتح باباً إلى المطلق؟ وكيف يمكن لعلم محكوم بالحدود أن يمدّ يده إلى من لا يحدّه شيء؟
ومع أن "هوكينغ" نفسه اعترف بهذه القيود في محاضرته “غودل ونهاية الفيزياء”، فإنه لم يتحرر تماماً من الإرث المادي الذي يجعل من العقل مجرد جهاز، ومن الإنسان مجرد آلة معقدة. حتى قال في إحدى مقابلاته إن الإنسان ليس إلا “كمبيوتر بيولوجي سيتوقف عند عطل مكوناته ولا وجود لما بعد ذلك”، متناسياً أن الوعي لغز لم يُحَل، وأن العقل البشري ليس حاسوباً متسلسلاً، بل منظومة مدهشة تتقاطع فيها الذات والذاكرة والإرادة والإلهام.
والمفارقة أن كثيراً من أفكار "هوكينغ" التي أُحيطت بهالة إعلامية ليست إلا أطروحات فلسفية، وبعضها أقرب إلى التأمل الذاتي منه إلى العلم الصارم. ومع ذلك أعلن أن “الفلسفة ماتت”، وكأنه يشيّعها بيدٍ، فيما يبني نظرياته بيدٍ أخرى على أرضها.
رحل "هوكينغ قبل أن يفهم “عقل الإله”، وقبل أن يجرؤ على الإقرار بوجوده. رحل وهو لا يزال عاجزاً عن فهم أسرار الخلق، فكيف يمكن لمن لم يُحط بسرّ شعاع ضوء أن يزعم الإحاطة بعلّة الوجود؟ وكيف نجرؤ نحن على طرق باب العقل الإلهي، ونحن لم نفهم بعدُ لغز ذرة، ولا خفقة قلب، ولا حركة إلكترون يرقص في فضاء مجهري؟
إن أقصى ما يمكن للعقل أن يبلغه هو أن يعترف بحدوده، وأن يسلّم بأن وراء هذا الكون قوة لا تُحدّ، وإرادة لا تُدرَك إلا بقدر ما يشاء لها أن تُدرَك. وأن محاولة فهم “عقل الإله” ليست إلا محاولة للإمساك بالماء بين الأصابع؛ تفيض المعاني حيث يضيق اللسان، وتتلاشى الحدود حيث يبدأ المطلق.
ويبقى السؤال معلقاً في الفضاء:
كيف نطمح إلى فهم الإله، ونحن لم نفهم بعدُ سرَّ أنفسنا؟
وكيف نطلب من العقل أن يحيط بمن أبدعه، وهو عاجز أن يحيط بخلقة واحدة من خلقه؟
ربما يكمن الجواب في أن ندرك أن العلم سبيلٌ، والعقل أداة، لكن الطريق إلى الحقيقة المطلقة لا يُفتح إلا لمن جمع بين نور العقل ونور الإيمان، وبين المعرفة والتواضع أمام من قال: ((وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)).
والحمد لله ربِّ العالمين

اترك تعليق