البيئة والفن التشكيلي

البيئة من أهم المؤثرات على الفكر الإنساني، فمنذ خُلق الإنسان وهو يتعامل مع بيئته بالشكل الذي يُلبي حاجاته، فهي المحيط الذي يتأثر به الفنان وبالتالي ينعكس على نتاجه الفني، فالإنسان يتفاعل مع ما يُحيط به ويتكيف حتى يضمن الانسجام لنفسه فمصيره مُرتبط بهذا التبادل الذي يتم بينه وبين البيئة . 

يستقي الفنان أسلوبه وصيغة تجربته الفنية الخاصة من الأشكال الطبيعية المحيطة به كونها تتوقف على تفاعله مع بيئته المحيطة وتحويل ذلك إلى عمل أو نتاج فني، وقد ظهرت دعوى إلى محاكاة الطبيعة والنقل الحرفي عنها وكانت هذه النظرية ترى أن قيمة الموضوع الفني تتوقف على درجة مشابهة للواقع ، بمعنى أنه كلما كان النقل حرفياً كان الفنان مُتقناً عمله باعتبار أن الطبيعة هي الأساس لكل عناصر الفن .

لقد عمد كثير من الفنانين إلى محاكاة الطبيعة والتعلُّم منها ، يقول النحّات الفرنسي رودان في الطبيعة: لتكُن ثقتكم فيها مُطلقة، ولتعلموا علم اليقين أن الطبيعة ليست قبيحة على الإطلاق ، بل حسبكُم أن تُقصروا كل همّكم على الولاء لها، وأن كل ما في الوجود جميل في عيني الفنان لأن بصرهُ النفّاذ يلمَح كل ما موجود من طابع خاص، اي أنه يكتشف فيه تلك الحقيقة الباطنة التي  تتبدّى من خلال صورته، وكذا الحال بالنسبة للفنان ليوناردو دافنشي حيث يرى أن نجاح الفنان في عمله متوقّف على عالمية مداركهِ وإمكانات فهم الطبيعة والقُدرة على التعبير عنها .

ان مصطلح البيئة يشمل البيئة الصناعية والطبيعية والاجتماعية وغيرها ، فالبيئة هي المحيط الذي يعيش فيه الفنان، فكل الظروف المحيطة به هي بالتالي تُكوّن طبيعة نِتاجه الفني وأسلوب طرحه لهذا النِتاج، حيث أن البيئة الاجتماعية مُتغيّرة عبر الأزمان وهذا التغيُّر له دور في حياة الفنان وفكره وبالتالي اسلوبه الفني.

لقد أدّت التطوّرات الحاصلة في المجتمعات منذ بدايات القرن العشرين من الاكتشافات العلمية وتحليل الضوء الى اختراع الآلات والمكائن إلى تحوّل ملحوظ في الفنون التشكيلية وهذا بالتأكيد ناتج عن إفرازات البيئة الصناعية حيث المُكوّنات البيئية الجديدة المُصنّعة التي أوجدها الإنسان لحاجته لها في شتى المجالات، ولا يوجد عمل فني دون مادة يتكوّن منها فهي والصورة يكونان الشكل ولا ينفصلان ويعتمد كل منهما على الآخر، فالمادة تُحددها وتفرضها البيئة التي يعيش بها الفنان .

أما العصر الحديث بما فيه من تطور في المجتمع واكتشاف وتصنيع المواد الجديدة مثل البلاستيك والصناعات المعدنية وغيرها أصبحت مواد جديدة للأشكال الفنية وكذلك البيئـة الثقافيـة تؤثـر في الفنان ، فثقافته ورؤاه تُحدد موضوعاته وأساليبه التشكيلية في العمل الفني .

أن استخدام الفنان الخامات المحلية المتوافرة في البيئة المحيطة به يؤكد على الهوية المحلية ،حيث يرى التشكيلي العراقي شاكر حسن آل سعيد أن هذا الترابُط يُحقق انسجاماً روحياً لدى المُتلقي من خلال استشعاره بقيمة المادة المحلية وإمكانية صياغتها وقابليتها العالية في التوظيف الجمالي.

تُعَد الجوانب الجمالية التي تشيع في بيئة ما فرصة أساسية لأي فنان يلجأ لها كمرجع، فالألوان والخطوط والأشكال والعلاقات تربط بين العناصر في تكوينات جميلة مُعبّرة، والفنان الجيد هو الذي يملك القدرة على تأمُّل الطبيعة وتمييز مواطن الجمال حيث أنها تكوّن منبعاً أساسياً للفنان، فكثير من كبار الفنانين أبدعوا بإنتاج أعمال عظيمة مُستوحين افكارها من عناصر الطبيعة كالطيور والمياه الصافية أو الأزهار والنباتات، حيث يعكس خيال الفنان على معلوماته التي ينتقيها من البيئة الطبيعية التي يعيش فيها والمندمجة مع ذاته، ويُعبّر عنها بأسلوبه الخاص وبنظرته المُميّزة و يُحوّر ويعيد ترتيب عناصرها من خلال تفاعله مع البيئة التي بلورت أسلوبه الفني الذي يكون كمحصلة لثقافته وخبرته وجُهده .

 والفن هو محاولة لتوصيل نَسَق القيَم الداخلية والرؤية الخاصة بالفنان إلى المشاهدين ، والفنان كما يقول المؤرخ الانكليزي هربرت ريد يعتمد على المجتمع بأخذ طابعه وإيقاعه، ولكن مع ذلك فهو يعتمد على فرديته وخصوصيته المُحددة للأداء، فيما يرى اخرون أن الفن ــ أساساً ــ هو عملية اتّصال وتخاطُب,,، وللمحيط الذي يعيش فيه الفنان أثر كبير في بناء شخصيته وهذا المُحيط يضُم مجموعة الأصدقاء والمُقربين من الفنان من ذوي الآراء الذين لهم وقع خاص عليه، لا سيما في إعطاء ملاحظات مفيدة قد تكون خافية عنه وقد تُساهم في تشجيعه على العمل .

وأن هـذا التفاعُل الاجتماعي يُحفّز المُبدع ويُحسّن أعماله ويجعله يحس بالأمن والثقـة بالنفس ، وتوحي هـذه التفاعُلات بأفكار جديدة للفنـان تُسهم بشكل او بآخر فـي الوصول لهدفه الذي يُريد إيصاله للمجتمع الكبير الذي يبدع من خلاله .

جمع وتحرير

سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

المرفقات