القيم العقائدية في زيارة الإمام الحسين عليه السلام

دراسة في مضامينها الإيمانية والتربوية

إنَّ زيارة الإمام الحسين عليه السلام ليست مجرد انتقالٍ إلى بقعةٍ مباركة، ولا هي ممارسةٌ عاطفيةٌ مجردة، وإنما هي مدرسةٌ عقائديةٌ متكاملة، أودع فيها أهل البيت عليهم السلام أصول الإيمان، وربطوا بين المعرفة والولاية، وبين المحبة والطاعة، وبين العقيدة والسلوك. ولهذا جاءت نصوص الزيارات الشريفة مشحونةً بالمفاهيم العقدية التي تُرسِّخ هوية المؤمن، وتربطه بالله ورسوله وأوليائه، حتى تصبح الزيارة مشروعاً لبناء الإنسان المؤمن الواعي.

ومن خلال التأمل في مضامين الزيارات المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام، ولا سيما ما أشارت إليه الروايات الواردة في فضل زيارة الإمام الحسين عليه السلام، يمكن الوقوف على جملةٍ من القيم العقائدية الكبرى.

أولاً: معرفة الله ورسوله أساس الزيارة

أولى القيم التي تؤكدها زيارة الإمام الحسين عليه السلام هي ترسيخ معرفة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله، إذ روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال:

«من أتى قبر الحسين عليه السلام عارفاً بحقه، كتبه الله في اعلى عليين»[1]

إن المراد من معرفة الحق هنا ليس مجرد معرفة الاسم أو النسب، وإنما الإيمان بأنه الإمام المفترض الطاعة، والحجة الإلهية، والعبد المخلص الذي بذل نفسه في سبيل حفظ دين الله. ومن هنا فإن الزيارة تصبح تجديداً لمعرفة الله؛ لأن الإمام هو الدليل إلى الله، كما أنها تجديد لمعرفة النبي صلى الله عليه وآله؛ لأن الحسين هو الامتداد الحقيقي لرسالته، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

«حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا حسين سبط من الأسباط»[2].

فالزائر حين يقف بين يدي الإمام الحسين عليه السلام يستحضر رسالة التوحيد، ويجدد عهده مع النبوة، ويرى في كربلاء الامتداد الطبيعي لرسالة السماء.

 

 

ثانياً: معرفة الإمام والاعتقاد بإمامته

أكدت الروايات أن الزيارة المقبولة هي الزيارة المقرونة بمعرفة الإمام، فقد قال الإمام الباقر عليه السلام:

«لو يعلم الناس ما في زيارة قبر الحسين عليه السلام من الفضل لماتوا شوقاً إليه»[3].

والمعرفة هنا تعني الاعتقاد بإمامته، وأنه الخليفة الشرعي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، وأن طاعته طاعة لله، وأن نهضته كانت دفاعاً عن أصل الإمامة وحفظاً لخط الرسالة.

ولهذا فإن الزائر حين يقول:

«أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر...»

فهو يعلن اعتقاده بأن الإمام الحسين عليه السلام هو الإمام الحق الذي قام بوظيفته الإلهية كاملة، ولم يخرج طلباً لسلطان أو جاه، وإنما خرج لإحياء الدين.

ثالثاً: إعلان الحب والولاء

ومن أعظم القيم العقائدية التي تحملها الزيارة إعلان الولاء لأهل البيت عليهم السلام، والبراءة من أعدائهم.

فالزيارة ليست كلماتٍ تُتلى، وإنما هي موقفٌ عقديٌّ واضح، ولذلك يكرر الزائر قوله:

«إني سلمٌ لمن سالمكم، وحربٌ لمن حاربكم.»

إن هذا الإعلان يُجسد حقيقة الولاء الذي جعله القرآن الكريم من أصول الدين، قال تعالى:

﴿قُل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى﴾[4].

فالمودة ليست شعوراً عابراً، بل هي التزامٌ عملي، ونصرةٌ للحق، واتباعٌ لمنهج أهل البيت عليهم السلام.

 

 

 

رابعاً: التسليم والانقياد لله وللحجة

من أبرز معالم العقيدة في زيارة الإمام الحسين عليه السلام قيمة التسليم لله تعالى، والانقياد الكامل لأوامره، فإن الإمام الحسين عليه السلام هو المصداق الأكمل للتسليم، إذ قدم كل ما يملك في سبيل الله دون تردد.

ولهذا يتعلم الزائر أن يكون مسلماً لله كما كان الحسين عليه السلام مسلماً، وأن يرضى بقضاء الله، وأن يجعل رضا الله فوق جميع الاعتبارات.

إن التسليم الذي نتعلمه في كربلاء ليس استسلاماً للظلم، وإنما هو خضوعٌ لله وحده، ورفضٌ للطغيان، ولذلك اجتمع في شخصية الامام الحسين عليه السلام كمال العبودية وكمال العزة.

خامساً: تجديد العهد والبيعة

ومن المضامين العقائدية المهمة في الزيارة تجديد البيعة للإمام، فإن المؤمن لا يكتفي بالانتماء النظري، بل يجدد عهده مع أئمة الهدى في كل زيارة.

ولهذا نقرأ في الزيارات:

«قلبي لقلبكم سلم، وأمري لأمركم متبع.»

فهذا النص يرسخ مبدأ الالتزام العملي بمنهج أهل البيت عليهم السلام، ويجعل الزائر مسؤولاً عن ترجمة هذه البيعة إلى سلوك يومي في العبادة، والأخلاق، والدعوة، وخدمة المؤمنين.

كما أن تجديد العهد بالإمام الحسين عليه السلام هو في الوقت نفسه تجديد للعهد مع الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، لأنه الوارث الحقيقي لنهضة جده الحسين عليه السلام ، ولذا يرفع الإمام المهدي عجل الله فرجه شعار:

«يا لثارات الحسين».

سادساً: التولي والتبري

ومن أوضح القيم العقائدية التي تؤكدها الزيارة مبدأ التولي والتبري، وهما من فروع الدين عند الإمامية ايدهم الله تعالى.

فلا يكتمل الإيمان بمجرد محبة الأولياء، بل لا بد من البراءة من أعدائهم، ولذلك تتكرر في الزيارات المباركة عبارات اللعن والبراءة ممن ظلم أهل البيت عليهم السلام.

وهذا لا ينطلق من روح الانتقام، وإنما من حفظ الموقف العقدي، وعدم المساومة على الحق، والتمييز بين خط الهدى وخط الضلال.

إن البراءة من الظالمين هي في حقيقتها إعلانٌ دائم لرفض الظلم والانحراف في كل زمان.

سابعاً: النصرة الدائمة لأهل البيت عليهم السلام

تغرس الزيارة في قلب المؤمن روح النصرة، ولذلك يخاطب الزائر الإمام بقوله:

«يا ليتني كنت معكم فأفوز فوزاً عظيماً.»

وهذه الأمنية ليست تمنياً مجرداً، وإنما تعني الاستعداد لنصرة مشروع أهل البيت عليهم السلام في كل عصر.

ومن هنا كان المؤمن مطالباً بأن ينصر الدين، ويذب عن العقيدة، ويحفظ تراث أهل البيت عليهم السلام، ويكون من الممهدين لدولة الإمام المهدي عليه السلام.

فزيارة الامام الحسين عليه السلام ليست استذكاراً للماضي فحسب، بل إعدادٌ للمستقبل.

ثامناً: البعد التربوي في الزيارة

إن العقيدة التي تؤكدها زيارة الإمام الحسين عليه السلام ليست عقيدةً ذهنيةً مجردة، بل هي عقيدةٌ تصنع الإنسان.

فالزائر يتعلم الصبر من صبر الامام الحسين عليه السلام، والإخلاص من إخلاصه، والشجاعة من شجاعته، والتضحية من تضحيته، واليقين من يقينه.

ومن هنا كانت الزيارة مدرسةً أخلاقيةً قبل أن تكون شعيرةً عبادية، لأنها تنقل الإنسان من مرحلة المعرفة إلى مرحلة التطبيق.

ولهذا نجد أن كبار علماء الإمامية كانوا يحرصون على زيارة الإمام الحسين عليه السلام، لما لها من أثرٍ عظيم في تزكية النفس، وإحياء القلب، وربط الإنسان بالله تعالى.

تاسعاً: الزيارة وبناء الهوية الإيمانية

لقد استطاعت زيارة الإمام الحسين عليه السلام عبر القرون أن تحفظ هوية الأمة المؤمنة، وأن تبقيها مرتبطةً بخط الإمامة.

ففي كل زيارة يتجدد الانتماء، وتتجدد البيعة، وتتجدد البراءة، وتتجدد المسؤولية.

ولهذا كانت كربلاء منبعاً للوعي، ومركزاً لإحياء القيم، ومنارةً للمصلحين، حتى أصبحت مدرسةً عالميةً يتخرج منها الأحرار جيلا بعد جيل.

الخاتمة

وخلاصة القول: إن زيارة الإمام الحسين عليه السلام ليست مجرد شعيرةٍ مستحبة، وإنما هي منظومة عقائدية متكاملة، تقوم على معرفة الله ورسوله، ومعرفة الإمام، وإعلان الولاء والمحبة، والتسليم والانقياد، وتجديد العهد، والتولي والتبري، والاستعداد الدائم لنصرة الحق.

فمن زار الامام الحسين عليه السلام بهذه المعرفة، خرج من زيارته أكثر يقيناً بالله، وأشد ارتباطاً برسوله وآله، وأقوى عزماً على السير في طريق الإصلاح الذي خطه سيد الشهداء بدمه الزاكي.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من العارفين بحق الإمام الحسين عليه السلام، والثابتين على ولايته، والمجددين للعهد معه ومع ولده الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، وأن يرزقنا في الدنيا زيارته، وفي الآخرة شفاعته، إنه سميع مجيب.

الهوامش:------

[1] ـ كامل الزيارات، ج1ص147.

[2] ـ كامل الزيارات، ج1ص 52.

[3] ـ كامل الزيارات ج1،ص 143.

[4] ـ سورة الشورى، الاية 23.

: الشيخ ميثم شعلان طراد الصريفي