يحث الإسلام كثيرًا على إفشاء السلام بين الناس، ليعيشوا في أمن وسلام واطمئنان، فهو سبب للألفة والتآلف والالتيام والانسجام، وموجب لحسن المعاشرة والمخالطة، والعيش بسلام
الحمد لله الذي جعل السلام تحية المؤمنين في دنياهم وآخرتهم، وسمّى نفسه السلام، وسمّى جنته دار السلام، وجعل الرحمة المهداة للعالمين نبيّه محمدًا (صلى الله عليه وآله). والصلاة والسلام على أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرًا.
الإنسان بين الغربة والأنس
خلق الإنسان كائنا اجتماعيًا بفطرته، يأنس بالآخر ويخاف منه في آن واحد. يأنس به لأنه يحتاج إليه في طعامه ولغته وعلمه وأمنه وعاطفته، ويخاف منه لأن التجربة البشرية مليئة بالعدوان والغدر والمنافسة. وكل لقاء بين غريبين يحمل في لحظته الأولى سؤالًا صامتًا: هل هذا الذي أمامي صديق أم خطر؟
وقد تعددت أجوبة الحضارات عن هذا السؤال بتعدد تصوراتها للإنسان. ففي بعض التقاليد القديمة كانت التحية ترفع اليد المجردة من السلاح، إعلانًا بأن صاحبها لا يحمل ما يؤذي. وفي تقاليد أخرى كانت التحية انحناءً يُظهر الخضوع، أو ألقابًا تُعلن المراتب. أما الإسلام فأجاب بكلمة تجمع الإعلان والدعاء معًا: «السلام عليكم». فهي تعلن أنك في أمان مني، وتسأل الله أن يكتب لك السلامة.
وهذا الجواب ليس ترفًا لغويًا، فالكلمة التي يبدأ بها اللقاء تصنع أفقه. من بدأ بالأمان فتح باب الأمان، ومن بدأ بالحذر أغلق أبوابًا كثيرة قبل أن تُفتح. ولذلك كان من أعظم ما عُني به الاسلام أن يضع للبشر كلمة أولى تصلح لكل لقاء.
التحية في الكتاب العزيز
لقد دعا القرآن الكريم إلى إفشاء السلام بين الناس، ورد التحية بأحسن منها، يقول تعالى: ﴿وَإذا حُيِّيْتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنْها أوْ رُدُّوها إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ حَسِيبًا﴾ [سورة النساء: 86.] ، ورد التحية بالأحسن يزيد من مشاعر الود والحب والوئام، والله محاسب كل من لا يرد السلام لأنه ترك واجبًا.
واستفاد الفقهاء من هذه الآية الكريمة وجوب الرد في السلام، فالابتداء بالسلام مستحب ولكن الرد واجب، وقد روي عن رسول اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) قوله: «السلامُ تَطَوُّعٌ، والرَّدُّ فَريضَةٌ»[ كنز العمَّال: 25294.] .
والسلام هي تحية أهل الجنة أيضًا، يقول تعالى: ﴿دَعْواهُم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيْها سَلَامٌ﴾[سورة يونس: 10.] ، وقوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الْأنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾[سورة إبراهيم: 23.] ، بل إن القرآن الكريم أطلق على الجنة (دار السلام) كما في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ﴾[سورة الأنعام: 127.] .
يحث الإسلام كثيرًا على إفشاء السلام بين الناس، ليعيشوا في أمن وسلام واطمئنان، فهو سبب للألفة والتآلف والالتيام والانسجام، وموجب لحسن المعاشرة والمخالطة، والعيش بسلام، فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «أفشِ السلامَ يَكثُر خَيرُ بَيتِكَ»[ الخصال: 181/ 246.] ، وعنه (صلى الله عليه وآله) قال: «إنَّ السلامَ اسمٌ مِن أسماءِ اللَّهِ تعالى، فَأفشُوهُ بَينَكُم»[ كنز العمَّال: 25237.] ، وعن رسولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) قال: «ألَا أُخبِرُكُم بخَيرِ أخلاقِ أهلِ الدُّنيا والآخِرَةِ؟» قالوا: بَلى يا رسولَ اللَّهِ، فقالَ: «إفشاءُ السلامِ في العالَمِ»[ بحار الأنوار: 73/ 12/ 50.] ، وعن الإمام الباقر (عليه السلام): «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إطعامَ الطَّعامِ، وإفشاءَ السَّلامِ»[ المحاسن: 2/ 143/ 1371.] .
أفشوا السلام
إن إفشاء السلام بين الناس يخلق شعورًا بالمحبة والمودة بينهم، وأما التعامل مع الآخرين ببرود وجفاف فيؤدي إلى التنافر والتباعد بينهم؛ فالشعور الإيجابي له قوة جاذبة، بخلاف الشعور السلبي الذي له قوة طاردة.
ولأهمية السلام في المنظومة الأخلاقية ورد النهي عن الرد على أي إنسان يتكلم قبل أن يسلم، فقد روى إسماعيل بن أبي زيادٍ عَن أبي عبد اللَّه (عليه السلام)، عن آبائه (عليه السلام) قال: قالَ رسولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «مَن بَدَأ بِالكَلامِ قَبلَ السلامِ فلا تُجِيبُوهُ»[الخصال: 19/ 67.] ، وعن الإمامُ الصَّادق (عليه السلام): «السَّلامُ قَبلَ الكلامِ»[جامع الأخبار: 231/ 596.] ، وذلك كي يتحول السلام إلى عادة يتعود عليها الإنسان في تعامله مع الآخرين.
ويهدف التشجيع على إفشاء السلام في المجتمع إلى تعزيز قيم التراحم والتكافل والتوادد والتحابب والإخاء بين أفراد المجتمع ومكوناته، ليكون المجتمع المسلم مجتمعًا قويًّا ومتماسكًا وشامخًا يشد بعضه بعضًا، ويعيش بسلام وأمن واطمئنان بعيدًا عن التحارب والتقاطع والتدابر.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إنّ في الجنّة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، يسكنها من أمّتي: من أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلّى بالليل والناس نيام، ثمّ قال: إفشاء السلام أن لا يبخل بالسلام على أحد من المسلمين.) بحار الأنوار: ج٧٣ ، ص٢
وقال النبيّ (صلى الله عليه وآله): يا أنس، أسبغ الوضوء، تمرّ على الصراط مرّ السحاب، أفش السلام، يكثر خير بيتك، أكثر من صدقة السرّ، فإنّها تطفئ غضب الربّ عزّ وجلّ.
المصدر من بحار الأنوار: ج٧٣ ، ص٤
قال الصادق (عليه السلام): من يضمن لي أربعة بأربعة أبيات في الجنّة: من أنفق ولم يخف فقراً، وأنصف الناس من نفسه، وأفشى السلام في العالم، وترك المراء وان كان محقّاً.
بحار الأنوار: ج٧٣ ، ص٤.
السلام في الرؤية الإسلامية
1. السلام اسم من أسماء الله
قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ (الحشر: 23). وقد اختلف المفسرون في وجه تسميته تعالى بالسلام: فقيل لأنه سالم من كل نقص وعيب، وقيل لأنه مصدر السلامة لخلقه، وكلا المعنيين حاضر في التحية. فالمسلِّم يذكّر نفسه وأخاه بأن السلامة الحقة من الله، ويجعل لقاءه في ظل هذا الاسم.
2. السلام غاية المسيرة الاخروية
وصف الله الجنة بأنها ﴿دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ (الأنعام: 127)، وقال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (يونس: 25). وأخبر أن أهلها ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ (الواقعة: 25-26). فالكلمة التي نتعلمها في الدنيا هي لغة الحياة الآخرة، وكأن الدنيا مدرسة تُدرّب المؤمن على ثقافة الخلود. ومن اعتاد السلام هنا كان أقرب إلى الاستئناس بدار السلام هناك.
3. السلام مع الملائكة والأنبياء
تكررت التحية في قصص الأنبياء، فسلّمت الملائكة على إبراهيم (عليه السلام) فردّ عليهم (الذاريات: 25)، وسلّم الله على أنبيائه في مواضع متعددة كقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ (الصافات: 79)، و﴿سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ (الصافات: 109)، و﴿سَلَامٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ (الصافات: 120)، و﴿سَلَامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ (الصافات: 130).
4. السلام في الذكر والعبادة
لا تخلو الصلاة من السلام: ففي التشهد «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته»، و«السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين»، وتُختم الصلاة بالتسليم. فالعبادة نفسها تبدأ بالتكبير وتنتهي بالسلام، وكأن المصلي يرجع من مناجاة ربه إلى الناس حاملًا رسالة الأمان. ويمتد هذا الأسلوب في أدب الزيارات وأدعية أهل البيت (عليهم السلام)، فمدار الزيارات المأثورة على خطاب السلام للمزور، وهو أعظم ما يدل على أن التحية في الوعي الشيعي صلة روحية ووفاء ومحبة وليست مجرد عبارة.
آداب السلام
أشارت النصوص الدينية إلى جملة من آداب السلام، والتي منها أن يسلم الراكب على الراجل، إذ روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال:
«لِيُسَلِّمِ الراكِبُ على الماشي»[ بحار الأنوار: 73/ 7/ 26.] .
ومن آداب السلام: أن يسلم الصغير على الكبير، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير؛ لما روي عن رسول اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «يُسَلِّمُ الصغيرُ عَلى الكبيرِ، ويُسَلِّمُ الواحِدُ على الاثنَينِ، ويُسَلِّمُ القَليلُ على الكثيرِ، ويُسَلِّمُ الراكِبُ على الماشي، ويُسَلِّمُ المارُّ على القائمِ، ويُسَلِّمُ القائمُ على القاعِدِ»[ كنز العمَّال: 25321.] ، وعن الإمام الصَّادق (عليه السلام) قال: «يُسَلِّمُ الصغيرُ على الكبيرِ، والمارُّ على القاعِدِ، والقليلُ على الكَثيرِ»[ الكافي: 2/ 646/ 1.] .
ومن آداب السلام: أن يقول البادئ بالسلام: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) بضمير الجمع، وإن كان المخاطب شخصًا واحدًا، وذلك لمزيد من الاحترام والتقدير له، فقد روي عَنْ أَبِي عَبْدِاللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: «ثَلَاثَةٌ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ رَدَّ الْجَمَاعَةِ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا: عِنْدَ الْعُطَاسِ، يُقَالُ: «يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ» وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُهُ؛ وَالرَّجُلُ يُسَلِّمُ عَلَى الرَّجُلِ، فَيَقُولُ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ»؛ وَالرَّجُلُ يَدْعُو لِلرَّجُلِ، فَيَقُولُ: «عَافَاكُمُ اللَّهُ» وَإِنْ كَانَ وَاحِداً؛ فَإِنَّ مَعَهُ غَيْرَهُ ».[ الوسائل: ج 12، ص 68، ح 15664.] .
ومن آداب السلام: إلقاء السلام على من تعرفه ومن لا تعرفه من المؤمنين والمسلمين، فعن عبد الله بن عمرو: أَنَّ رَجُلًا سَأَل رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَال: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ»[ صحيح البخاري: ج 1، ص 9، باب (إطعام الطعام من الإسلام).] ، وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «لِلْمُسْلِمِ عَلى أَخِيهِ مِنَ الْحَقِّ: أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ؛ ويَعُودَهُ إِذَا مَرِضَ؛ ويَنْصَحَ لَهُ إِذَا غَابَ؛ وَيُسَمِّتَهُ إذَا عَطَسَ ....»[ الكافي: ج 2، ص 653، ح 1.] .
ومن آداب السلام، إلقاء السلام عند دخول المجلس، لما روي عن الإمام عليّ (عليه السلام) أنه قال: «لِكُلِّ داخِلٍ دَهْشَةٌ، فابدَؤوا بِالسلامِ» [ غرر الحكم: 7314.] .
الخاتمة
وفي الختام، فان الدعوة الى افشاء السلام ليست دعوة الى مجرد المحافظة على تحية اجتماعية، وانما هي دعوة الى تبني منهج اخلاقي يقوم على نشر الطمأنينة والمحبة والاحترام بين الناس. ومن هنا ينبغي لكل فرد ان يستشعر دوره في هذا المجال، وان يجعل من السلام سلوكا يوميا يبدأ به مع من يلقاه، ويترجمه في كلماته ومواقفه وتعاملاته. فلنجعل السلام ثقافة حاضرة في بيوتنا ومجالسنا ومؤسساتنا ولنجعل من الكلمة الطيبة وسيلة للتقارب، ومن حسن التعامل طريقا الى بناء مجتمع أكثر وعيا وتراحما وتماسكا. فرب كلمة سلام صادقة تزيل حاجزا، ورب تحية طيبة تعيد علاقة، ورب خلق حسن يترك اثرا لا تنساه النفوس.

اترك تعليق