دراسة روائية في العلة والحكمة والغاية
«صلح الإمام الحسن عليه السلام في ضوء روايات أهل البيت عليهم السلام: دراسة روائية في العلة والحكمة والغاية»
بسم الله الرحمن الرحيم و به نستعين و صل الله على محمد و آله الطيبين الطاهرين و بعد :
لم يكن صلح الإمام الحسن المجتبى عليه السلام مع معاوية حدثًا عابرًا في التاريخ الإسلامي، بل كان من أكثر المواقف التي أثارت التساؤلات حتى بين بعض المنتسبين إلى شيعته، إذ لم يدرك كثير منهم الحكمة الإلهية الكامنة وراء هذا القرار، فاعترض بعضهم، وظن آخرون أن الصلح كان تنازلًا عن الحق، مع أن الإمام المعصوم لا يصدر عنه موقف إلا وهو منسجم مع إرادة الله تعالى ومقتضيات حفظ الدين. ومن هنا جاءت روايات أهل البيت عليهم السلام لتكشف أن الصلح لم يكن وليد ضعف أو تراجع، وإنما كان جزءًا من التدبير الإلهي الذي قد تخفى علله على الناس كما خفيت أفعال الخضر على موسى عليهما السلام. ولذلك فإن فهم صلح الإمام الحسن عليه السلام لا يكون من خلال التحليلات التاريخية المجردة، وإنما بالرجوع إلى كلمات الإمام نفسه وكلمات الأئمة من ذريته الذين كشفوا أسرار هذا الموقف وأبعاده.
المحور الأول: الإمام المعصوم هو أعلم بمواضع الحرب والصلح
أول ما يلفت النظر في كلام الإمام الحسن عليه السلام أنه لم يبدأ بتبرير الصلح، وإنما بدأ بتثبيت أصل الإمامة؛ لأن من سلّم بإمامته لزمه التسليم بجميع مواقفه. فعندما سأله أبو سعيد عقيصا: «لِمَ داهنت معاوية وصالحته؟» أجابه الإمام بقوله: «ألست حجة الله على خلقه وإمامًا عليهم بعد أبي؟... فأنا إمام إن قمت وأنا إمام إن قعدت».
وهذا الجواب يكشف أن قيمة الموقف ليست في ظاهره العسكري أو السياسي، وإنما في صدوره عن الإمام المنصوص من الله تعالى، الذي لا يتحرك وفق الرغبات والضغوط، وإنما وفق الحكمة الإلهية. ثم يؤكد الإمام هذه الحقيقة بقوله: «إذا كنت إمامًا من قبل الله لم يجب أن يسفَّه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبسًا».
وهذه الرواية تؤسس لقاعدة عقدية عظيمة، وهي أن أفعال الإمام المعصوم ليست خاضعة لموازين الناس القاصرة، بل قد تخفى حكمتها في وقتها، ثم تتجلى بعد ذلك، كما هو شأن كثير من الأقدار الإلهية.
ويؤكد الإمام الباقر عليه السلام هذا الأصل عندما سُئل عن صلح الإمام الحسن عليه السلام فقال: «اسكت فإنه أعلم بما صنع، لولا ما صنع لكان أمر عظيم». فالإمام لم يجعل معيار الحكم على الصلح هو الظاهر، وإنما علم الإمام بما تقتضيه المصلحة الإلهية، ثم يصرح بأن ترك الصلح كان سيؤدي إلى كارثة عظيمة لم يكن الناس يدركونها آنذاك.
ومن هنا يتبين أن أول مفتاح لفهم صلح الإمام الحسن عليه السلام هو الإيمان بأن الإمام المعصوم أعلم بمواضع الحرب والسلم، وأن موقفه ليس اجتهادًا سياسيًا، بل هو امتداد للهداية الإلهية التي جعلها الله في حججه على خلقه.
المحور الثاني: صلح الإمام الحسن عليه السلام امتدادٌ لسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله، لا خروجٌ عنها
من أبرز ما تكشفه روايات أهل البيت عليهم السلام أن صلح الإمام الحسن عليه السلام لم يكن موقفًا جديدًا في منهج القيادة الإلهية، وإنما كان امتدادًا لسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله، ولذلك لم يُجب الإمام السائل ببيان الظروف العسكرية أولًا، وإنما أعاده إلى سابقةٍ نبويةٍ تُعدّ من أعظم محطات السيرة، وهي صلح الحديبية.
فعندما اعترض أبو سعيد عقيصا على الإمام الحسن عليه السلام، قال له الإمام:
«عِلَّةُ مُصَالَحَتِي لِمُعَاوِيَةَ عِلَّةُ مُصَالَحَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله لِبَنِي ضَمْرَةَ وَبَنِي أَشْجَعَ وَلِأَهْلِ مَكَّةَ حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، أُولَئِكَ كُفَّارٌ بِالتَّنْزِيلِ، وَمُعَاوِيَةُ وَأَصْحَابُهُ كُفَّارٌ بِالتَّأْوِيلِ.»
وهذه الرواية تؤسس لقاعدة مهمة، وهي أن الصلح ليس نقيض الجهاد، بل قد يكون صورةً من صور الجهاد إذا اقتضته الحكمة الإلهية. فكما أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يصالح قريشًا اعترافًا بشرعية شركهم، وإنما رعايةً للمصلحة العليا للدعوة الإسلامية، كذلك لم يصالح الإمام الحسن عليه السلام معاوية اعترافًا بحقه في الخلافة، وإنما حفظًا للدين وللمؤمنين، وتمهيدًا لمرحلةٍ تنكشف فيها حقيقة الحكم الأموي.
ومن اللطيف في تعبير الإمام عليه السلام أنه لم يكتفِ بالمشابهة بين الصلحين، بل كشف أيضًا عن وحدة الموقف العقدي، فقال: «أولئك كفار بالتنزيل، ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل.»
وهذا النص يحمل دلالةً عميقة؛ إذ يبين أن الانحراف ليس محصورًا بمن أنكر أصل الرسالة، بل قد يكون أخطر حين يلبس لباس الإسلام، ثم يحرف معاني الدين ويؤوّل الكتاب والسنة لخدمة السلطان. فكان كفر قريش ظاهرًا بإنكار الوحي، أما انحراف معاوية فكان في تأويل الدين وتحويل الخلافة إلى ملكٍ عضوض، مع ادعاء الانتساب إلى الإسلام.
ومن هنا يتبين أن الإمام الحسن عليه السلام لم يجعل معاوية إمامًا شرعيًا، وإنما عامله معاملة من اقتضت الحكمة مهادنته مؤقتًا، كما هادن رسول الله صلى الله عليه وآله مشركي قريش مع علمه ببطلانهم.
وتؤكد رواية سليم بن قيس هذا المعنى بصورة أوضح، فإن الإمام الحسن عليه السلام صعد المنبر بعد الصلح، فقال أمام الناس:
«إن معاوية زعم أني رأيته للخلافة أهلًا ولم أرَ نفسي لها أهلًا، وكذب معاوية، أنا أولى الناس بالناس في كتاب الله وعلى لسان نبي الله.»
فهذه الكلمات تقطع الطريق على كل توهمٍ بأن الصلح كان تنازلًا عن الإمامة أو اعترافًا بحق معاوية في الحكم؛ إذ إن الإمام أعلن على رؤوس الأشهاد أن الأولوية في الخلافة ثابتة له بنص القرآن والسنة، وأن ما يدعيه معاوية محض كذب وافتراء.
ثم بيّن عليه السلام أن سبب عدم إقامته للدولة ليس فقدان الاستحقاق، وإنما فقدان الناصر، فقال:
«ولو وجدت أعوانًا ما بايعتك يا معاوية.»
وهنا تتضح سنة إلهية متكررة في تاريخ الأنبياء والأوصياء؛ فإن الحق لا يُقام بمجرد وجود الحجة، بل يحتاج إلى أمةٍ تحمل ذلك الحق وتنصره. ولذلك شبّه الإمام حاله بحال هارون عليه السلام حين استضعفه قومه، وبحال رسول الله صلى الله عليه وآله حين اضطر إلى الخروج من مكة والهجرة، فقال:
«وقد جعل الله هارون في سعة حين استضعفوه وكادوا يقتلونه ولم يجد عليهم أعوانًا، وقد جعل الله النبي في سعة حين فر من قومه لما لم يجد أعوانًا عليهم، وكذلك أنا وأبي في سعة من الله حين تركتنا الأمة وبايعت غيرنا ولم نجد أعوانًا.»
إن هذه الرواية تنقل القضية من إطار التاريخ إلى إطار السنن الإلهية؛ فليس الإمام الحسن عليه السلام أول حجةٍ يُخذل، كما أن هارون لم يكن أول وصيٍّ تُعرض عنه الأمة، وإنما تتكرر هذه السنة كلما انصرفت الأمم عن أوصياء الله، وبقيت الحجة مع الحق وإن خلا الميدان من الناصر.
وهكذا يتبين أن صلح الإمام الحسن عليه السلام لم يكن انحرافًا عن خط الرسالة، بل كان تطبيقًا دقيقًا لمنهج رسول الله صلى الله عليه وآله، وامتدادًا لسنن الأنبياء والأوصياء، الذين كانوا يتحركون وفق ميزان الحكمة الإلهية، لا وفق اندفاعات الجماهير أو رغباتها. وفي هذا درسٌ عقدي عظيم، وهو أن الإمام المعصوم قد يختار الحرب في موضع، ويختار الصلح في موضع آخر، غير أن الهدف في الحالين واحد، وهو حفظ دين الله وإقامة حجته على عباده.
المحور الثالث: خفاء الحكمة لا يدل على عدمها، وقصة الخضر وموسى مفتاحٌ لفهم صلح الإمام الحسن عليه السلام
من أعظم ما ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام في بيان فلسفة صلح الإمام الحسن عليه السلام أن الإمام نفسه جعل مفتاح فهم هذا الموقف هو قصة الخضر وموسى عليهما السلام، وهي القصة التي قصها القرآن الكريم ليقرر حقيقةً كبرى، وهي أن الإنسان قد يقف أمام فعلٍ إلهي أو فعلٍ صادرٍ من وليٍّ لله فلا يدرك حكمته لأول وهلة، فيظنه خطأً أو مخالفةً، مع أن حقيقته قائمة على أكمل وجوه الحكمة.
ولهذا، لما اعترض أبو سعيد عقيصا على الإمام الحسن عليه السلام في صلحه مع معاوية، لم يكتف الإمام ببيان أنه إمام مفترض الطاعة، ولا بأنه اقتدى برسول الله صلى الله عليه وآله في الحديبية، بل انتقل إلى أصلٍ معرفيٍّ أعمق، فقال:
«ألا ترى الخضر عليه السلام لما خرق السفينة، وقتل الغلام، وأقام الجدار، سخط موسى عليه السلام فعله لاشتباه وجه الحكمة عليه، حتى أخبره فرضي، هكذا أنا، سخطتم علي بجهلكم بوجه الحكمة فيه.»
إن هذا التشبيه ليس مجرد تقريبٍ للأذهان، بل هو بيانٌ لموقع الإمام المعصوم في الأمة. فالخضر لم يكن يعمل برأيٍ شخصي، وإنما كان يتحرك بعلمٍ آتاه الله تعالى، ولذلك قال القرآن الكريم: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، وكذلك الإمام الحسن عليه السلام لا يصدر في مواقفه عن اجتهادٍ سياسي أو تقديرٍ بشري، وإنما عن علم الإمامة الذي ورثه عن رسول الله صلى الله عليه وآله.
ولذلك فإن منشأ اعتراض موسى عليه السلام لم يكن سوء ظن بالخضر، وإنما خفاء الحكمة عنه، إذ رأى خرق السفينة إفسادًا، وقتل الغلام ظلمًا، وإقامة الجدار عملًا في غير موضعه، بينما كانت هذه الأفعال في حقيقتها عين الرحمة والعدل والمصلحة. وما إن كشف الخضر أسرارها حتى زال الإشكال، وانقلب الاعتراض إلى تسليم.
وهذا هو بعينه ما أراد الإمام الحسن عليه السلام أن يرسخه في نفوس شيعته؛ فإنهم نظروا إلى ظاهر الصلح، فرأوا فيه تنازلًا، كما نظر موسى إلى ظاهر أفعال الخضر، بينما كانت الحقيقة مختلفةً تمامًا. ومن هنا قال الإمام بمرارةٍ تعكس حجم ما لقيه من سوء الفهم:
«هكذا أنا، سخطتم علي بجهلكم بوجه الحكمة فيه.»
فهذه الكلمة تكشف أن المشكلة لم تكن في الصلح، وإنما في قصور الناس عن إدراك أبعاده. ولو انكشف لهم ما انكشف للإمام من نتائج ذلك القرار، لما اعترضوا عليه، كما لم يبق لموسى عليه السلام اعتراض بعد أن عرف التأويل.
ومن هنا تتضح قاعدةٌ عقدية عظيمة، وهي أن الحكمة ليست تابعةً لإدراك الناس، بل إدراك الناس هو الذي ينبغي أن يتبع الحكمة الإلهية. فكم من موقفٍ يصدر عن الحجة يلتبس على الناس في زمانه، ثم تكشف الأيام أنه كان عين الصواب. ولذلك لا يجوز أن تُوزن أفعال الإمام بميزان العقول القاصرة، بل تُوزن بميزان عصمته ونصبه من قبل الله تعالى.
وهذا المعنى تؤكده أيضًا رواية الإمام الباقر عليه السلام، فعندما تعجب سدير من صلح الإمام الحسن عليه السلام قال: «كيف يكون بتلك المنزلة وقد كان منه ما كان، دفعها إلى معاوية؟»، فأجابه الإمام الباقر عليه السلام بقوله:
«اسكت، فإنه أعلم بما صنع، لولا ما صنع لكان أمرٌ عظيم.»
إن الإمام الباقر عليه السلام لم يذكر في هذا الموضع تفاصيل ذلك "الأمر العظيم"، لأن المقصود هو ترسيخ أصلٍ أهم، وهو أن الإمام يعلم من المصالح والمفاسد ما لا يحيط به غيره، وأن وظيفـة المؤمن ليست الاعتراض على الإمام، بل التسليم لحكمته، حتى وإن خفي وجهها في حينها.
وعلى ضوء ذلك، يتحول صلح الإمام الحسن عليه السلام من قضيةٍ تاريخية إلى درسٍ دائم في كيفية التعامل مع أفعال حجج الله تعالى؛ فليس كل ما خفيت حكمته كان خاليًا من الحكمة، وليس كل ما استثقله الناس كان مخالفًا للحق، بل قد يكون هو الطريق الوحيد لحفظ الدين، كما كان خرق السفينة سببًا في نجاتها، وقتل الغلام رحمةً بوالديه، وإقامة الجدار حفظًا لكنز اليتيمين، وكما كان صلح الإمام الحسن عليه السلام حفظًا لخط الإمامة وتمهيدًا لما بعده.
وهكذا يتبين أن الإمام عليه السلام أراد أن ينقل الأمة من النظر إلى ظاهر الحدث إلى التأمل في باطن الحكمة، وأن يعلمها أن أفعال أولياء الله لا تُفهم دائمًا عند وقوعها، وإنما قد يحتاج فهمها إلى امتداد الزمن، حتى تنكشف المقاصد التي كانت خافية عن أكثر الناس. وهذا من أعظم الدروس التي أرادت روايات أهل البيت عليهم السلام ترسيخها في فهم قضية الصلح.
المحور الرابع: حفظ بيضة التشيع وصيانة دماء المؤمنين كان من أعظم علل الصلح
إذا كان الإمام الحسن عليه السلام قد بيّن أن الصلح امتدادٌ لسنن الأنبياء، وأن حكمته قد تخفى كما خفيت حكمة أفعال الخضر، فإن الروايات تكشف بعد ذلك عن واحدةٍ من أهم الغايات العملية لهذا القرار، وهي حفظ البقية الباقية من شيعة أهل البيت عليهم السلام. فالإمام لم يكن ينظر إلى معركةٍ آنية، بل كان ينظر إلى مستقبل الرسالة، وإلى ضرورة بقاء الحاملين لخط الإمامة، لأن ضياعهم يعني ضياع الامتداد العلمي والعقدي لأهل البيت عليهم السلام.
ولهذا ختم الإمام الحسن عليه السلام حديثه مع أبي سعيد عقيصا بكلمة تعد من أصرح النصوص في بيان علة الصلح، فقال:
«ولولا ما أتيتُ، لما تُرك من شيعتنا على وجه الأرض أحدٌ إلا قُتل.»
إن هذه العبارة تختصر فلسفةً كاملةً في إدارة الإمام للأزمة؛ فالصلح لم يكن حفاظًا على شخص الإمام، وإنما كان حفاظًا على الرسالة التي يحملها شيعته، إذ إن استئصالهم في تلك المرحلة كان يعني القضاء على المدرسة التي أرادها الله أن تمتد عبر الأئمة من ولد الحسين عليهم السلام.
وهذا المعنى يتضح بصورةٍ أكثر تفصيلًا في حديث الإمام مع زيد بن وهب الجهني بعد أن طُعن في المدائن، حيث كشف الإمام عن الواقع المرير الذي كان يعيشه جيشه، فقال:
«أرى والله أن معاوية خيرٌ لي من هؤلاء، يزعمون أنهم لي شيعة، ابتغوا قتلي، وانتهبوا ثقلي، وأخذوا مالي.»
وهذه الرواية من أهم النصوص التاريخية؛ لأنها تنقل صورة المجتمع الذي كان الإمام يقوده. فلم يكن يواجه جيشًا متماسكًا مؤمنًا بقضيته، وإنما كان يواجه جيشًا مزقته المصالح، واخترقته الخيانة، حتى وصل الأمر إلى محاولة اغتيال الإمام نفسه، ونهب متاعه، وسلب أمواله، وهو قائدهم وإمامهم.
ويكشف الشيخ الصدوق رحمه الله في كتابه علل الشرائع جانبًا آخر من حالة الاضطراب التي أحاطت بالإمام الحسن عليه السلام، حيث ذكر أن معاوية دسّ إلى بعض رؤساء جيش الإمام من يغريهم باغتياله بالمال والوعود، حتى احتاط الإمام لنفسه، ولبس الدرع تحت ثيابه، ثم لم يسلم من الاعتداء عليه حتى طُعن في ساباط المدائن.
وهذا يكشف أن الإمام عليه السلام لم يكن أمام جيشٍ متماسكٍ يمكن الاعتماد عليه في مواجهة طويلة، بل أمام صفوف دخلتها الخيانة والطمع، حتى أصبح الخطر من داخل المعسكر كما هو من خارجه.
ومن هنا نفهم لماذا قال الإمام:
«لئن آخذ من معاوية عهدًا أحقن به دمي، وآمن به في أهلي، خيرٌ من أن يقتلوني فتضيع أهل بيتي وأهلي.»
إن الإمام لا يتحدث هنا عن خوفٍ على حياته، فحياة المعصوم كلها مشروع شهادة في سبيل الله، وإنما يتحدث عن مسؤولية الإمامة؛ فالإمام مسؤول عن بقاء الحجة، وعن بقاء أهل البيت، وعن بقاء المؤمنين الذين تقوم بهم الحجة في الأرض. ولو انتهت المعركة بقتل الإمام في ظل هذا الانهيار الداخلي، لما تحقق أي مكسب للدين، بل لكان ذلك بداية مرحلةٍ من الاستئصال الشامل.
ثم يكشف الإمام حقيقةً أشد مرارة، فيقول:
«والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلمًا.»
وهذه الجملة وحدها تكفي لإسقاط كل دعوى تزعم أن الإمام ترك القتال مع وجود القدرة على النصر؛ فإن الإمام يصرح بأن الخطر الحقيقي لم يكن في قوة جيش معاوية فحسب، بل في خيانة من كانوا يُحسبون على معسكره، حتى إنهم كانوا مستعدين لتسليمه أسيرًا إلى عدوه.
ولذلك قال عليه السلام:
«ولئن أسالمه وأنا عزيز خيرٌ من أن يقتلني وأنا أسير، أو يمنّ عليَّ، فيكون سنةً على بني هاشم آخر الدهر.»
إن الإمام هنا لا ينظر إلى شخصه، وإنما إلى الرمزية التاريخية للإمامة؛ فلو وقع الإمام أسيرًا ثم أطلقه معاوية منًّا، لتحول ذلك إلى دعاية أموية خالدة، يُقال فيها إن بني أمية هم الذين أنقذوا ابن رسول الله، ولجعلها معاوية وأعقابه وسيلةً للطعن في مقام أهل البيت وإذلالهم أمام الأمة. ولذلك اختار الإمام أن يفرض الصلح وهو صاحب القرار، لا أن يُفرض عليه الاستسلام وهو أسير.
ثم تأتي رواية يوسف بن مازن الراشي لتكشف بُعدًا آخر من أبعاد هذا الحفظ، فقد اشترط الإمام في وثيقة الصلح:
-ألا يُسمى معاوية أمير المؤمنين.
-وألا يتعرض لشيعة أمير المؤمنين عليه السلام.
-وأن يؤمّنهم على دمائهم وأموالهم.
-وأن يعوض أبناء الشهداء الذين قتلوا مع أمير المؤمنين عليه السلام.
وهذه الشروط تكشف أن أول ما كان يشغل الإمام هو حماية شيعة علي عليه السلام، حتى جعل أمنهم من البنود الأساسية في الاتفاق، وإن كان معاوية قد نقض جميع تلك الشروط بعد ذلك، كما صرحت الرواية: «ما وفّى معاوية للحسن بن علي بشيء عاهده عليه.»
وهكذا يتبين أن الصلح لم يكن انسحابًا من مسؤولية الدفاع عن الدين، بل كان أسلوبًا آخر للدفاع عنه؛ إذ إن بقاء الطائفة المؤمنة، وحفظ الإمام، وصيانة أهل البيت، وكشف خيانة معاوية أمام الأمة، كانت مصالح لا يمكن تحقيقها لو أصر الإمام على حربٍ يعلم ـ بعلم الإمامة ـ أنها ستنتهي بإبادة شيعته واستئصالهم.
ومن هنا نفهم دقة كلمة الإمام الباقر عليه السلام:
«لولا ما صنع لكان أمرٌ عظيم.»
فهذا "الأمر العظيم" لم يكن مجرد هزيمةٍ عسكرية، بل كان ضياع خط الإمامة نفسه، وانقطاع الامتداد الذي أراد الله له أن يبقى حتى يبلغ كماله بقيام الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف. ولذلك كان صلح الإمام الحسن عليه السلام في حقيقته حفظًا للمستقبل، وإن بدا لبعض أهل زمانه أنه تنازل عن الحاضر.
المحور الخامس: خذلان الأمة للإمام وغياب الأنصار من السنن الإلهية في مسيرة الأوصياء
من الأخطاء التي يقع فيها من يقرأ صلح الإمام الحسن عليه السلام بمعزل عن الروايات، أنه يتصور أن سبب الصلح كان قوة معاوية وحدها، بينما تكشف كلمات الإمام نفسه أن المشكلة الحقيقية لم تكن في قوة الخصم، وإنما في ضعف الأمة وخذلانها لإمامها. فالحق لا ينتصر بمجرد وجود الإمام، وإنما يحتاج إلى أمةٍ تؤمن به وتحمل مشروعه، فإذا تخلت الأمة عن حجتها، جرت عليها السنن التي جرت على الأمم السابقة.
ولهذا وقف الإمام الحسن عليه السلام بعد الصلح يخاطب الناس بقوله:
«إن معاوية زعم أني رأيته للخلافة أهلاً ولم أر نفسي لها أهلاً، وكذب معاوية، أنا أولى الناس بالناس في كتاب الله وعلى لسان نبي الله.
إن أول ما بدأ به الإمام هو نفي كل شبهة يمكن أن تتولد من الصلح، وهي أن الصلح يعني اعترافه بأحقية معاوية في الخلافة. فالإمام يعلن بوضوح أن حق الإمامة ثابت له بنصوص الكتاب والسنة، وأن هذا الحق لا يسقط بعقد صلح، كما لا يسقط الحق الإلهي بترك الناس لصاحبه.
ثم يكشف الإمام السبب الحقيقي الذي حال بينه وبين إقامة دولته، فيقول:
«فوالله، لو أن الناس بايعوني وأطاعوني ونصروني، لأعطتهم السماء قطرها، والأرض بركتها، ولما طمعت فيها يا معاوية.»
وهذه العبارة تحمل بعدًا عقديًا بالغ الأهمية؛ إذ تربط بين الطاعة للإمام وبين نزول البركات الإلهية. فالقرآن الكريم يقرر أن الاستقامة سببٌ لنزول الخيرات، والإمام يبين أن من أعظم مصاديق الاستقامة طاعة الإمام المنصوص من الله. ولو أن الأمة فعلت ذلك، لما تمكن معاوية أصلًا من الوصول إلى الحكم، ولما حُرمت الأمة من آثار الولاية الإلهية في دنياها وآخرتها.
ثم يستشهد الإمام بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله:
«ما ولّت أمة أمرها رجلاً، وفيهم من هو أعلم منه، إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالًا حتى يرجعوا إلى ملة عبدة العجل.»
وهذا الحديث لا يخص واقعةً تاريخية بعينها، بل يؤسس لقانون إلهي عام؛ فكل أمة تعرض عن الأعلم والأحق الذي نصبه الله، وتقدم غيره، فإنها تبدأ رحلة الانحدار، لأن القيادة إذا خرجت من يد أهلها، خرجت معها الهداية والعدل.
ولم يكتف الإمام بهذا الأصل، بل أعاد الأمة إلى تاريخ الأنبياء ليبين أن ما جرى عليه ليس أمرًا جديدًا، فقال:
«وقد ترك بنو إسرائيل هارون واعتكفوا على العجل وهم يعلمون أن هارون خليفة موسى، وقد تركت الأمة عليًا وقد سمعوا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.»
إن الإمام يريد أن يقرر أن المشكلة ليست في الحجة، وإنما في الناس. فهارون لم يفقد منزلته حين تركه قومه، وإنما الذين خسروا هم بنو إسرائيل، وكذلك أمير المؤمنين عليه السلام لم تنقص إمامته حين بايع الناس غيره، وإنما الأمة هي التي خسرت إمامها.
ثم ينتقل الإمام إلى تشبيه آخر بالغ الدقة، فيقول:
«وقد هرب رسول الله صلى الله عليه وآله من قومه وهو يدعوهم إلى الله حتى فر إلى الغار، ولو وجد عليهم أعوانًا ما هرب منهم، ولو وجدت أعوانًا ما بايعتك يا معاوية.»
وهذه الرواية من أوضح النصوص في بيان فلسفة الصلح؛ فالإمام لا يقول إنه اختار الصلح لأنه أفضل من القتال على الإطلاق، وإنما يقول: لو وجدت الأنصار لما وقع الصلح أصلًا. فالمشكلة لم تكن في مشروعية القتال، بل في فقدان مقوماته الواقعية، حتى أصبح الاستمرار فيه إلقاءً للمؤمنين في الهلاك دون تحقيق غايةٍ شرعية.
ثم يربط الإمام حاله بحال هارون عليه السلام، فيقول:
«وقد جعل الله هارون في سعة حين استضعفوه وكادوا يقتلونه ولم يجد عليهم أعوانًا، وقد جعل الله النبي في سعة حين فر من قومه لما لم يجد أعوانًا عليهم، وكذلك أنا وأبي في سعة من الله حين تركتنا الأمة وبايعت غيرنا ولم نجد أعوانًا.»
إن تعبير «في سعة من الله» تعبير بالغ العمق؛ فهو يعني أن الله لم يكلّف حججه بما هو خارج عن طاقتهم، فإذا انعدمت القدرة الواقعية على إقامة الحق بسبب خذلان الأمة، لم يكن ترك المواجهة مخالفةً للتكليف، بل هو عين العمل بما أراده الله تعالى.
وبذلك يصبح صلح الإمام الحسن عليه السلام حلقةً في سلسلة واحدة تمتد من هارون، إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، إلى أمير المؤمنين، ثم إلى الإمام الحسن عليهم السلام. فالقضية ليست قضية شخصٍ صالح أو حاكمٍ ظالم، وإنما قضية أمةٍ تتكرر فيها سنة الإعراض عن أوصياء الله.
ومن هنا يختم الإمام بيانه بقوله:
«وإنما هي السنن والأمثال يتبع بعضها بعضًا.»
وهذه الجملة تصلح أن تكون قاعدةً لفهم التاريخ كله؛ فإن ما وقع للإمام الحسن عليه السلام ليس حادثةً معزولة، وإنما هو امتداد لسنن الله في عباده، حيث تتشابه مواقف الأنبياء والأوصياء، وتتكرر صور الابتلاء، ويبقى الفارق الحقيقي بين الأمم هو موقفها من حجج الله. فمن نصر الحجة ارتفع، ومن خذله سقط، مهما امتلك من قوةٍ وسلطان.
وهكذا تكشف الروايات أن المسؤول الأول عن فرض الصلح لم يكن معاوية، بل الأمة التي خذلت إمامها، وفرّقت كلمتها، وفتحت الطريق أمام الحكم الأموي، حتى اضطر الإمام إلى اختيار الموقف الذي يحفظ الدين وأهله، في انتظار اليوم الذي يهيئ الله فيه الأنصار الحقيقيين لإقامة دولته الكاملة على يد القائم من آل محمد عليهم السلام.
المحور السادس: الصلح لم يكن اعترافًا بشرعية معاوية، بل كان وسيلةً لفضح مشروعه وكشف حقيقته
من أكثر الشبهات التي أثارها خصوم أهل البيت عليهم السلام، وتسللت إلى أذهان بعض الناس، أن صلح الإمام الحسن عليه السلام كان اعترافًا بشرعية معاوية وأحقيته في الخلافة. غير أن الروايات نفسها تهدم هذا الوهم من أساسه، وتبين أن الإمام عليه السلام لم يتنازل عن حقه، ولم يمنح معاوية شرعيةً دينية، وإنما عقد هدنةً فرضتها الظروف، مع استمرار إعلانه أن الإمامة حقٌ إلهي لا يملكه غيره.
ولذلك كان أول ما أعلنه الإمام في خطبته بعد الصلح تكذيب دعوى معاوية، فقال:
«إن معاوية زعم أني رأيته للخلافة أهلًا ولم أر نفسي لها أهلًا، وكذب معاوية، أنا أولى الناس بالناس في كتاب الله وعلى لسان نبي الله.»
إن هذه الكلمات ليست مجرد ردٍّ على معاوية، بل هي إعلانٌ عقديٌّ يحدد الموقف الحقيقي من الصلح. فالإمام يصرح بأن معاوية كاذب في دعواه، وأن الصلح لا يعني بحالٍ من الأحوال اعتراف الإمام بأهليته للخلافة، لأن الإمامة ليست منصبًا يمنحه الناس حتى يتنازل عنه الإمام، وإنما هي عهدٌ إلهي لا يملكه إلا من نصبه الله تعالى.
ولهذا قال عليه السلام بعد ذلك:
«لو أن الناس بايعوني وأطاعوني ونصروني... لما طمعت فيها يا معاوية.»
فالإمام يحمّل الأمة مسؤولية وصول معاوية إلى الحكم، ولا يجعل ذلك دليلاً على استحقاقه للخلافة، بل يقرر أن الذي أوصله هو تخاذل الناس عن نصرة الإمام الحق.
ثم جاءت وثيقة الصلح نفسها شاهدةً على هذا المعنى. فقد روت رواية يوسف بن مازن الراشي أن الإمام الحسن عليه السلام اشترط على معاوية:
«أن لا يسميه أمير المؤمنين.»
وهذا الشرط من أبلغ الشروط وأعمقها دلالةً؛ لأن لقب «أمير المؤمنين» ليس لقبًا بروتوكوليًا فحسب، بل هو إعلانٌ بشرعية القيادة. ولذلك رفض الإمام أن يمنح معاوية هذا الاعتراف، مع أنه كان في أشد الظروف السياسية حرجًا.
وقد علق القاسم بن محيمة على هذا الشرط بقوله:
«ما ألطف حيلة الحسن صلوات الله عليه هذه في إسقاطه إياه عن إمرة المؤمنين.»
أي أن الإمام، وهو يكتب وثيقة الصلح، أبقى الحق العقدي محفوظًا، فلم يجعل لمعاوية أي مشروعية دينية، بل أسقط عنه هذا اللقب الذي كان يسعى إليه ليضفي على سلطانه صبغةً شرعية.
ولم يقف الإمام عند هذا الحد، بل جعل من بنود الصلح نفسها وثيقةً لإدانة الحكم الأموي أمام التاريخ. فقد اشترط:
• أن يأمن شيعة أمير المؤمنين عليه السلام.
• وأن لا يتعرض لهم بسوء.
• وأن تُرد الحقوق إلى أهلها.
• وأن يُعطى أبناء الشهداء حقوقهم.
ولم تمضِ مدةٌ طويلة حتى نقض معاوية جميع تلك الشروط، كما تنص الرواية بوضوح:
«ما وفّى معاوية للحسن بن علي صلوات الله عليه بشيء عاهده عليه.»
وهنا تتجلى حكمة الإمام الحسن عليه السلام؛ فإنه لم يكن يجهل طبيعة معاوية، بل كان يعلم ـ بعلم الإمامة ـ أنه سينقض العهد، لكن هذا النقض نفسه سيكون حجةً عليه، وسيفضح حقيقة مشروعه أمام الأمة. فلم يعد أحد يستطيع بعد ذلك أن يدّعي أن معاوية كان ملتزمًا بعهوده، أو أنه كان حاكمًا يسعى إلى الإصلاح، لأن أول ما فعله بعد تثبيت سلطانه هو نقض جميع ما التزم به.
ومن هنا نفهم لماذا وصف الإمام الحسن عليه السلام معاوية في حديثه مع أبي سعيد عقيصا بقوله:
«معاوية وأصحابه كفارٌ بالتأويل.»
ومن هنا يتضح أن الإمام الحسن عليه السلام لم يكن يجهل حقيقة معاوية ولا يثق بعهوده، بل كان يعلم طبيعة المشروع الذي يقوده، ولذلك قال محذرًا أصحابه: «إن معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي». فالإمام لم يكن يرى الصلح اعترافًا بشرعية معاوية، وإنما كان يرى أن المرحلة تقتضي حفظ الأصل الأهم، وهو بقاء خط الإمامة وأهلها، مع ترك الأيام تكشف حقيقة من نقض العهد.
فهذا الوصف يكشف أن المشكلة لم تكن في خلافٍ سياسي بين رجلين، وإنما في مشروعٍ يعمل على تحريف الدين من داخله، واستغلال النصوص لتبرير السلطة، وهو أخطر من الكفر الظاهر؛ لأن صاحبه يتكلم باسم الإسلام وهو يهدم مقاصده.
ولهذا لم يكن الصلح إقرارًا بمشروعية ذلك المشروع، بل كان وسيلةً لكشفه أمام الناس، حتى إذا نقض معاوية العهد، واستباح دماء المؤمنين، واضطهد شيعة أمير المؤمنين عليه السلام، وأعاد الأمة إلى الحكم الوراثي، ظهر للمنصفين أن الإمام الحسن عليه السلام كان صادقًا في موقفه، وأن معاوية هو الذي خان العهد، لا الإمام.
وبذلك تحوّل الصلح من وثيقةٍ سياسية إلى وثيقة إدانة تاريخية، حفظها الإمام لتكون شاهدًا على انحراف السلطة الأموية، وليبقى الفرق واضحًا بين إمامٍ يفي بعهده وإن كان مع عدوه، وبين حاكمٍ لا يرعى لله ولا لرسوله ولا للمؤمنين عهدًا ولا ذمة.
وهكذا تؤكد الروايات أن الإمام الحسن عليه السلام لم يسلّم الخلافة لمعاوية اعتقادًا باستحقاقه، وإنما سلّم الأمر الظاهري بعد أن أقام الحجة، وأثبت حقه، وحفظ شيعته، وترك للأيام أن تكشف للناس حقيقة من ادّعى الخلافة بغير حق، وهو ما وقع بالفعل عندما مزّق معاوية كل العهود، وأعلن بفعله أن غايته لم تكن الدين، وإنما الملك والسلطان.
المحور السابع: صلح الإمام الحسن عليه السلام كان حلقةً في المشروع الإلهي الممتد إلى قيام الإمام المهدي عليه السلام
إن من يقرأ روايات صلح الإمام الحسن عليه السلام قراءةً متأنية يلاحظ أنها لا تحصر الحديث في حدود سنة أربعين أو إحدى وأربعين للهجرة، وإنما تربط هذا الحدث بمسيرة الإمامة كلها، حتى تنتهي إلى دولة القائم عليه السلام. وهذا يكشف أن الإمام الحسن عليه السلام لم يكن يدير معركةً آنية، بل كان يحفظ المشروع الإلهي الذي يمتد عبر الأئمة واحدًا بعد آخر، حتى يبلغ غايته بقيام الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
ومن أوضح النصوص في ذلك ما رواه زيد بن وهب الجهني، فإنه لما رأى الناس متحيرين بعد الصلح، سأل الإمام الحسن عليه السلام عن سبب ما صنع، فبين له الإمام أن أمير المؤمنين عليه السلام كان قد أخبره بما ستؤول إليه الأمة بعد شهادته، فقال:
«إني والله أعلم بأمر قد أدى به إلي ثقاته أن أمير المؤمنين عليه السلام قال لي ذات يوم... كيف بك إذا ولي هذا الأمر بنو أمية...»
ثم أخذ الإمام يذكر أوصاف الدولة الأموية كما أخبر بها أمير المؤمنين عليه السلام، فذكر أنها ستحيي البدع، وتميت السنن، وتذل المؤمنين، وتقوي الفاسقين، وتجعل أموال المسلمين دولةً بين أتباعها، ويُقتل فيها أهل الحق، ويُكرم أهل الباطل.
إن هذا الحديث يدل دلالةً واضحة على أن الإمام الحسن عليه السلام لم يفاجأ بظهور ملك بني أمية، بل كان يعلم ـ بما ورثه من أمير المؤمنين عليه السلام ـ أن هذه المرحلة داخلة في التقدير الإلهي، وأنها ستكون من أشد مراحل الابتلاء التي تمر بها الأمة.
ولكن الرواية لا تقف عند وصف الانحراف، بل تفتح باب الأمل، إذ يقول أمير المؤمنين عليه السلام في تتمة الحديث:
«فكذلك حتى يبعث الله رجلاً في آخر الزمان، وكلبٍ من الدهر، وجهلٍ من الناس، يؤيده الله بملائكته، ويعصم أنصاره، وينصره بآياته، ويظهره على أهل الأرض... يملأ الأرض قسطًا وعدلًا ونورًا وبرهانًا...»
وهنا تتجلى الرؤية الإمامية للتاريخ؛ فإن حكم بني أمية ليس النهاية، كما أن صلح الإمام الحسن عليه السلام ليس نهاية الصراع بين الحق والباطل، وإنما هو مرحلة من مراحل الامتحان الإلهي، يعقبها في نهاية المطاف قيام القائم من آل محمد عليهم السلام، الذي يحقق الوعد الإلهي بإقامة العدل في الأرض.
وعلى ضوء هذه الرواية يتضح أن الإمام الحسن عليه السلام كان يحافظ على الامتداد التاريخي للإمامة. فلو دخل حربًا يعلم أنها ستنتهي باستئصال أهل البيت وشيعتهم، لانقطع هذا الامتداد، ولما بقيت الأرض محتفظةً بالحجة التي أرادها الله أن تستمر حتى زمن القائم عليه السلام.
ومن هنا نفهم أيضًا كلمة الإمام عليه السلام:
«ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلا قتل.»
فالمقصود ليس مجرد حفظ أفرادٍ معدودين، بل حفظ الأمة الحاملة لخط الإمامة، التي ستنقل علوم أهل البيت، وتحفظ آثارهم، وتكون القاعدة المؤمنة التي تترقب ظهور الإمام المهدي عليه السلام.
ولهذا نجد أن الإمام الحسن عليه السلام لم يكن ينظر إلى النصر بمعناه العسكري القريب، وإنما كان ينظر إلى النصر بمعناه الرسالي البعيد. فرب معركةٍ تُكسب الأرض، لكنها تخسر الرسالة، ورب صلحٍ يبدو في ظاهره تراجعًا، لكنه يحفظ الدين، ويصون الحجة، ويضمن استمرار المشروع الإلهي عبر الأجيال.
وهذا الفهم ينسجم تمامًا مع كلام الإمام الباقر عليه السلام حين قال:
«لولا ما صنع لكان أمر عظيم.»
فإن هذا "الأمر العظيم" لا ينحصر في مقتل الإمام الحسن عليه السلام، ولا في هلاك جماعةٍ من المؤمنين، وإنما يمتد أثره إلى ضياع خط الإمامة الذي شاء الله أن يبقى متصلًا حتى خاتم الأوصياء، الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
ومن هنا نستطيع أن نقرر أن صلح الإمام الحسن عليه السلام لم يكن مشروعًا لإنهاء المواجهة مع الباطل، وإنما كان تغييرًا لأسلوب المواجهة. فقد انتقل الصراع من ساحة السيف إلى ساحة حفظ العقيدة، وكشف الانحراف، وتربية الأمة، وإعداد القاعدة المؤمنة، حتى إذا اكتمل الوعد الإلهي، قام آخر الأئمة عليهم السلام ليحقق الغاية التي عمل جميع الأنبياء والأوصياء من أجلها، وهي إقامة دولة العدل الإلهي في الأرض.
وبذلك يظهر أن صلح الإمام الحسن عليه السلام، و ذبح الإمام الحسين عليه السلام، وغيبة الإمام المهدي عليه السلام، ليست أحداثًا منفصلة، بل هي حلقاتٌ مترابطة في مشروعٍ إلهي واحد، يقوده إمامٌ معصوم في كل مرحلة بما تقتضيه الحكمة الإلهية، حتى تبلغ الرسالة كمالها، ويظهر دين الله على الدين كله، ولو كره المشركون.
المحور الأخير: الوصية المختومة ومنشأ التكليف الإلهي عند الأئمة عليهم السلام
تكشف روايات أهل البيت عليهم السلام عن حقيقةٍ عقديةٍ من أهم حقائق الإمامة، وهي أن الإمام المعصوم لا يستقي تكليفه من اجتهادٍ بشري، ولا يرسم منهجه تبعًا لما تفرضه الظروف أو تمليه الحسابات السياسية، وإنما يتلقى وظيفته من الله سبحانه وتعالى، كما تلقى الأنبياء وظائفهم من قبل. ومن أصرح الروايات في بيان هذا الأصل ما رواه الإمام الصادق عليه السلام في حديث الوصية المختومة.
فقد أخبر الإمام عليه السلام أن الوصية نزلت من السماء على رسول الله صلى الله عليه وآله في كتابٍ مختوم، وأنها كانت الكتاب المختوم الوحيد الذي نزل عليه، ثم قال جبرئيل عليه السلام: «يا محمد، هذه وصيتك في أمتك إلى أهل بيتك.» ثم بين الإمام الصادق عليه السلام أن تلك الوصية كانت مشتملةً على خواتيم، يختص كل خاتمٍ بإمامٍ من أئمة الهدى، فإذا انتقلت الإمامة إليه فتح خاتمه، وعمل بما أمره الله تعالى فيه.
وهذه الرواية تضع يد الباحث على حقيقةٍ في غاية الأهمية، وهي أن الإمامة ليست مجرد منصبٍ لحفظ الشريعة وبيان الأحكام، بل هي أيضًا قيادةٌ ربانية تسير وفق برنامجٍ إلهي مرسوم، لا يتقدم الإمام عليه، ولا يتأخر عنه، بل يمضي فيه كما أُمر.
ولذلك عبّر الإمام الصادق عليه السلام عن وظيفة كل إمام بعبارة واحدة تتكرر في الرواية، فقال في أمير المؤمنين عليه السلام: «فمضى لما أُمر فيه.» وقال في الإمام الحسن عليه السلام: «ثم فتح الحسن عليه السلام الخاتم الثاني، ومضى لما أُمر به.» ثم قال في الإمام الحسين عليه السلام: «فوجد فيه أن قاتل، واقتل، وتُقتل... ففعل.» وكذلك ذكر ما أُمر به الإمام السجاد والإمام الباقر عليهما السلام، فكان كل إمامٍ يتحرك ضمن الوظيفة التي رسمها الله له، وإن اختلفت صور تلك الوظائف من إمامٍ إلى آخر.
ومن اللافت في هذه الرواية أنها لم تذكر مضمون ما كان في خاتم الإمام الحسن عليه السلام، بينما صرحت بما كان في خاتم الإمام الحسين عليه السلام، ولعل في ذلك إشارةً دقيقة؛ فإن المقصود ليس تعريف الناس بتفاصيل ما في كل خاتم، وإنما ترسيخ أصلٍ أعظم، وهو أن كل إمام إنما يؤدي ما كُلِّف به من قبل الله تعالى، سواء عرفت الأمة تفاصيل ذلك التكليف أم جهلتها.
وعلى هذا الأساس، فإن اختلاف مواقف الأئمة عليهم السلام لا يعني اختلافًا في المنهج، وإنما اختلافًا في التكليف. فقد يكون التكليف في مرحلةٍ هو الجهاد بالسيف، وفي أخرى هو الصلح، وفي ثالثة هو الصبر، وفي رابعة هو نشر العلم، غير أن الجامع بينها جميعًا هو أنها تصدر عن مصدرٍ واحد، هو الأمر الإلهي.
ومن هنا يتبين أن وحدة الأئمة عليهم السلام لا تكمن في تشابه أفعالهم، وإنما في تشابه طاعتهم لله عز وجل؛ فكل واحدٍ منهم جسّد العبودية الكاملة لله فيما أُمر به، لا فيما اختاره لنفسه.
وبذلك يغدو صلح الإمام الحسن عليه السلام، كما نهضة الإمام الحسين عليه السلام، مظهرين مختلفين لحقيقةٍ واحدة، هي امتثال الإمام لأمر الله سبحانه وتعالى. فليس أحد الموقفين أصلًا يُقاس عليه الآخر، وإنما الأصل الذي تُقاس عليه جميع مواقف الأئمة هو أنهم «مضوا لما أُمروا به». وهذه هي الحقيقة التي ترفع دراسة سيرة الأئمة عليهم السلام من مستوى القراءة التاريخية إلى مستوى الإيمان بالإمامة بوصفها امتدادًا للهداية الإلهية في الأرض.
───
الخاتمة
تكشف الروايات الواردة عن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام أن صلحه مع معاوية لم يكن حدثًا سياسيًا مجردًا، ولا موقفًا فرضته الموازين العسكرية فحسب، بل كان موقفًا إلهيًا صدر عن إمامٍ معصوم، يعلم من واقع الأمة، ومن مآلات الأحداث، ومن تكليفه الشرعي، ما لا يعلمه غيره. ومن هنا كانت قراءة هذا الصلح بعين السياسة وحدها قراءةً قاصرة، لأن الروايات نفسها تنقل القضية إلى أفق الإمامة، حيث لا يكون الميزان هو ما يراه الناس، وإنما ما يريده الله سبحانه وتعالى.
لقد بينت الروايات أن الإمام الحسن عليه السلام بقي إمامًا مفترض الطاعة، قام أو قعد، وأن مهادنته لمعاوية لم تكن تنازلًا عن حقه، ولا اعترافًا بشرعية خصمه، وإنما كانت امتدادًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله في صلح الحديبية، وحفظًا لبيضة التشيع من الاستئصال، وصيانةً للإمامة من أن تنقطع، وكشفًا لحقيقة المشروع الأموي أمام الأمة. كما بينت أن الحكمة قد تخفى على الناس في زمانها، كما خفيت على موسى عليه السلام أفعال الخضر، ثم تتجلى مع مرور الأيام، فيظهر أن ما ظنه الناس تراجعًا كان في حقيقته عين الحكمة.
ثم جاءت رواية الوصية المختومة لتضع هذه المعاني كلها في إطارها العقدي الصحيح، فأثبتت أن الأئمة عليهم السلام لا يتحركون وفق اجتهاداتٍ شخصية، ولا تبعًا لما تمليه الظروف، وإنما يمضون فيما أُمروا به من الله عز وجل. فكان صلح الإمام الحسن عليه السلام، كما كانت نهضة الإمام الحسين عليه السلام، وكما كان صبر الإمام السجاد عليه السلام، حلقاتٍ متكاملة في مشروعٍ إلهي واحد، تتعدد فيه الوظائف، ولا تتعدد الغاية.
ومن هنا، فإن المؤمن لا يقف أمام مواقف الأئمة عليهم السلام موقف الناقد الذي يزن أفعالهم بحدود إدراكه، وإنما يقف موقف المتعبد الذي يعلم أن الإمام هو حجة الله على خلقه، وأن فعله يدور مع الحكمة الإلهية حيث دارت، سواء أدركتها العقول في حينها أم احتاجت إلى الزمن حتى تنكشف.
وهكذا يعلّمنا صلح الإمام الحسن عليه السلام أن طاعة الإمام ليست مشروطةً بإحاطة الإنسان بجميع أسرار أفعاله، بل إن التسليم لحجة الله هو أول مراتب المعرفة، ثم تأتي الأيام لتكشف وجوه الحكمة فيما صدر عنه. ولعل هذا هو الدرس الأعظم الذي أرادت روايات أهل البيت عليهم السلام أن تخلّده في وجدان الأمة: أن الإمام المعصوم لا يُتبع لأنه وافق أهواء الناس أو حساباتهم، وإنما لأنه الناطق عن الله، والأمين على دينه، والحجة التي جعلها الله سبيلًا إلى معرفته وطاعته.
وبذلك يبقى صلح الإمام الحسن المجتبى عليه السلام شاهدًا خالدًا على كمال الإمامة، كما تبقى نهضة الإمام الحسين عليه السلام شاهدًا على كمالها أيضًا؛ فالموقفان وإن اختلفا في الصورة، فقد اتحدا في المصدر، وهو أمر الله عز وجل، واتحدا في الغاية، وهي حفظ دينه وإقامة حجته، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ويظهر قائم آل محمد عجل الله تعالى فرجه الشريف، فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا.
و صل الله على محمد و آله الطيبين .

اترك تعليق