راسة روائية في العلة والحكمة والغاية
بسم الله الرحمن الرحيم و به نستعين و صل الله على محمد و آله الطيبين الطاهرين و بعد :
لم يكن صلح الإمام الحسن المجتبى عليه السلام مع معاوية حدثًا عابرًا في التاريخ الإسلامي، بل كان من أكثر المواقف التي أثارت التساؤلات حتى بين بعض المنتسبين إلى شيعته، إذ لم يدرك كثير منهم الحكمة الإلهية الكامنة وراء هذا القرار، فاعترض بعضهم، وظن آخرون أن الصلح كان تنازلًا عن الحق، مع أن الإمام المعصوم لا يصدر عنه موقف إلا وهو منسجم مع إرادة الله تعالى ومقتضيات حفظ الدين. ومن هنا جاءت روايات أهل البيت عليهم السلام لتكشف أن الصلح لم يكن وليد ضعف أو تراجع، وإنما كان جزءًا من التدبير الإلهي الذي قد تخفى علله على الناس كما خفيت أفعال الخضر على موسى عليهما السلام. ولذلك فإن فهم صلح الإمام الحسن عليه السلام لا يكون من خلال التحليلات التاريخية المجردة، وإنما بالرجوع إلى كلمات الإمام نفسه وكلمات الأئمة من ذريته الذين كشفوا أسرار هذا الموقف وأبعاده.
المحور الأول: الإمام المعصوم هو أعلم بمواضع الحرب والصلح
أول ما يلفت النظر في كلام الإمام الحسن عليه السلام أنه لم يبدأ بتبرير الصلح، وإنما بدأ بتثبيت أصل الإمامة؛ لأن من سلّم بإمامته لزمه التسليم بجميع مواقفه. فعندما سأله أبو سعيد عقيصا: «لِمَ داهنت معاوية وصالحته؟» أجابه الإمام بقوله: «ألست حجة الله على خلقه وإمامًا عليهم بعد أبي؟... فأنا إمام إن قمت وأنا إمام إن قعدت».
وهذا الجواب يكشف أن قيمة الموقف ليست في ظاهره العسكري أو السياسي، وإنما في صدوره عن الإمام المنصوص من الله تعالى، الذي لا يتحرك وفق الرغبات والضغوط، وإنما وفق الحكمة الإلهية. ثم يؤكد الإمام هذه الحقيقة بقوله: «إذا كنت إمامًا من قبل الله لم يجب أن يسفَّه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبسًا».
وهذه الرواية تؤسس لقاعدة عقدية عظيمة، وهي أن أفعال الإمام المعصوم ليست خاضعة لموازين الناس القاصرة، بل قد تخفى حكمتها في وقتها، ثم تتجلى بعد ذلك، كما هو شأن كثير من الأقدار الإلهية.
ويؤكد الإمام الباقر عليه السلام هذا الأصل عندما سُئل عن صلح الإمام الحسن عليه السلام فقال: «اسكت فإنه أعلم بما صنع، لولا ما صنع لكان أمر عظيم». فالإمام لم يجعل معيار الحكم على الصلح هو الظاهر، وإنما علم الإمام بما تقتضيه المصلحة الإلهية، ثم يصرح بأن ترك الصلح كان سيؤدي إلى كارثة عظيمة لم يكن الناس يدركونها آنذاك.
ومن هنا يتبين أن أول مفتاح لفهم صلح الإمام الحسن عليه السلام هو الإيمان بأن الإمام المعصوم أعلم بمواضع الحرب والسلم، وأن موقفه ليس اجتهادًا سياسيًا، بل هو امتداد للهداية الإلهية التي جعلها الله في حججه على خلقه.
----------
المحور الثاني: صلح الإمام الحسن عليه السلام امتدادٌ لسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله، لا خروجٌ عنها
من أبرز ما تكشفه روايات أهل البيت عليهم السلام أن صلح الإمام الحسن عليه السلام لم يكن موقفًا جديدًا في منهج القيادة الإلهية، وإنما كان امتدادًا لسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله، ولذلك لم يُجب الإمام السائل ببيان الظروف العسكرية أولًا، وإنما أعاده إلى سابقةٍ نبويةٍ تُعدّ من أعظم محطات السيرة، وهي صلح الحديبية.
فعندما اعترض أبو سعيد عقيصا على الإمام الحسن عليه السلام، قال له الإمام:
«عِلَّةُ مُصَالَحَتِي لِمُعَاوِيَةَ عِلَّةُ مُصَالَحَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله لِبَنِي ضَمْرَةَ وَبَنِي أَشْجَعَ وَلِأَهْلِ مَكَّةَ حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، أُولَئِكَ كُفَّارٌ بِالتَّنْزِيلِ، وَمُعَاوِيَةُ وَأَصْحَابُهُ كُفَّارٌ بِالتَّأْوِيلِ.»
وهذه الرواية تؤسس لقاعدة مهمة، وهي أن الصلح ليس نقيض الجهاد، بل قد يكون صورةً من صور الجهاد إذا اقتضته الحكمة الإلهية. فكما أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يصالح قريشًا اعترافًا بشرعية شركهم، وإنما رعايةً للمصلحة العليا للدعوة الإسلامية، كذلك لم يصالح الإمام الحسن عليه السلام معاوية اعترافًا بحقه في الخلافة، وإنما حفظًا للدين وللمؤمنين، وتمهيدًا لمرحلةٍ تنكشف فيها حقيقة الحكم الأموي.
ومن اللطيف في تعبير الإمام عليه السلام أنه لم يكتفِ بالمشابهة بين الصلحين، بل كشف أيضًا عن وحدة الموقف العقدي، فقال: «أولئك كفار بالتنزيل، ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل.»
وهذا النص يحمل دلالةً عميقة؛ إذ يبين أن الانحراف ليس محصورًا بمن أنكر أصل الرسالة، بل قد يكون أخطر حين يلبس لباس الإسلام، ثم يحرف معاني الدين ويؤوّل الكتاب والسنة لخدمة السلطان. فكان كفر قريش ظاهرًا بإنكار الوحي، أما انحراف معاوية فكان في تأويل الدين وتحويل الخلافة إلى ملكٍ عضوض، مع ادعاء الانتساب إلى الإسلام.
ومن هنا يتبين أن الإمام الحسن عليه السلام لم يجعل معاوية إمامًا شرعيًا، وإنما عامله معاملة من اقتضت الحكمة مهادنته مؤقتًا، كما هادن رسول الله صلى الله عليه وآله مشركي قريش مع علمه ببطلانهم.
وتؤكد رواية سليم بن قيس هذا المعنى بصورة أوضح، فإن الإمام الحسن عليه السلام صعد المنبر بعد الصلح، فقال أمام الناس:
«إن معاوية زعم أني رأيته للخلافة أهلًا ولم أرَ نفسي لها أهلًا، وكذب معاوية، أنا أولى الناس بالناس في كتاب الله وعلى لسان نبي الله.»
فهذه الكلمات تقطع الطريق على كل توهمٍ بأن الصلح كان تنازلًا عن الإمامة أو اعترافًا بحق معاوية في الحكم؛ إذ إن الإمام أعلن على رؤوس الأشهاد أن الأولوية في الخلافة ثابتة له بنص القرآن والسنة، وأن ما يدعيه معاوية محض كذب وافتراء.
ثم بيّن عليه السلام أن سبب عدم إقامته للدولة ليس فقدان الاستحقاق، وإنما فقدان الناصر، فقال:
«ولو وجدت أعوانًا ما بايعتك يا معاوية.»
ولذلك عبّر الإمام الصادق عليه السلام عن وظيفة كل إمام بعبارة واحدة تتكرر في الرواية، فقال في أمير المؤمنين عليه السلام: «فمضى لما أُمر فيه.» وقال في الإمام الحسن عليه السلام: «ثم فتح الحسن عليه السلام الخاتم الثاني، ومضى لما أُمر به.» ثم قال في الإمام الحسين عليه السلام: «فوجد فيه أن قاتل، واقتل، وتُقتل... ففعل.» وكذلك ذكر ما أُمر به الإمام السجاد والإمام الباقر عليهما السلام، فكان كل إمامٍ يتحرك ضمن الوظيفة التي رسمها الله له، وإن اختلفت صور تلك الوظائف من إمامٍ إلى آخر.
ومن اللافت في هذه الرواية أنها لم تذكر مضمون ما كان في خاتم الإمام الحسن عليه السلام، بينما صرحت بما كان في خاتم الإمام الحسين عليه السلام، ولعل في ذلك إشارةً دقيقة؛ فإن المقصود ليس تعريف الناس بتفاصيل ما في كل خاتم، وإنما ترسيخ أصلٍ أعظم، وهو أن كل إمام إنما يؤدي ما كُلِّف به من قبل الله تعالى، سواء عرفت الأمة تفاصيل ذلك التكليف أم جهلتها.
وعلى هذا الأساس، فإن اختلاف مواقف الأئمة عليهم السلام لا يعني اختلافًا في المنهج، وإنما اختلافًا في التكليف. فقد يكون التكليف في مرحلةٍ هو الجهاد بالسيف، وفي أخرى هو الصلح، وفي ثالثة هو الصبر، وفي رابعة هو نشر العلم، غير أن الجامع بينها جميعًا هو أنها تصدر عن مصدرٍ واحد، هو الأمر الإلهي.
ومن هنا يتبين أن وحدة الأئمة عليهم السلام لا تكمن في تشابه أفعالهم، وإنما في تشابه طاعتهم لله عز وجل؛ فكل واحدٍ منهم جسّد العبودية الكاملة لله فيما أُمر به، لا فيما اختاره لنفسه.
وبذلك يغدو صلح الإمام الحسن عليه السلام، كما نهضة الإمام الحسين عليه السلام، مظهرين مختلفين لحقيقةٍ واحدة، هي امتثال الإمام لأمر الله سبحانه وتعالى. فليس أحد الموقفين أصلًا يُقاس عليه الآخر، وإنما الأصل الذي تُقاس عليه جميع مواقف الأئمة هو أنهم «مضوا لما أُمروا به». وهذه هي الحقيقة التي ترفع دراسة سيرة الأئمة عليهم السلام من مستوى القراءة التاريخية إلى مستوى الإيمان بالإمامة بوصفها امتدادًا للهداية الإلهية في الأرض.
───
الخاتمة
تكشف الروايات الواردة عن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام أن صلحه مع معاوية لم يكن حدثًا سياسيًا مجردًا، ولا موقفًا فرضته الموازين العسكرية فحسب، بل كان موقفًا إلهيًا صدر عن إمامٍ معصوم، يعلم من واقع الأمة، ومن مآلات الأحداث، ومن تكليفه الشرعي، ما لا يعلمه غيره. ومن هنا كانت قراءة هذا الصلح بعين السياسة وحدها قراءةً قاصرة، لأن الروايات نفسها تنقل القضية إلى أفق الإمامة، حيث لا يكون الميزان هو ما يراه الناس، وإنما ما يريده الله سبحانه وتعالى.
لقد بينت الروايات أن الإمام الحسن عليه السلام بقي إمامًا مفترض الطاعة، قام أو قعد، وأن مهادنته لمعاوية لم تكن تنازلًا عن حقه، ولا اعترافًا بشرعية خصمه، وإنما كانت امتدادًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله في صلح الحديبية، وحفظًا لبيضة التشيع من الاستئصال، وصيانةً للإمامة من أن تنقطع، وكشفًا لحقيقة المشروع الأموي أمام الأمة. كما بينت أن الحكمة قد تخفى على الناس في زمانها، كما خفيت على موسى عليه السلام أفعال الخضر، ثم تتجلى مع مرور الأيام، فيظهر أن ما ظنه الناس تراجعًا كان في حقيقته عين الحكمة.
ثم جاءت رواية الوصية المختومة لتضع هذه المعاني كلها في إطارها العقدي الصحيح، فأثبتت أن الأئمة عليهم السلام لا يتحركون وفق اجتهاداتٍ شخصية، ولا تبعًا لما تمليه الظروف، وإنما يمضون فيما أُمروا به من الله عز وجل. فكان صلح الإمام الحسن عليه السلام، كما كانت نهضة الإمام الحسين عليه السلام، وكما كان صبر الإمام السجاد عليه السلام، حلقاتٍ متكاملة في مشروعٍ إلهي واحد، تتعدد فيه الوظائف، ولا تتعدد الغاية.
ومن هنا، فإن المؤمن لا يقف أمام مواقف الأئمة عليهم السلام موقف الناقد الذي يزن أفعالهم بحدود إدراكه، وإنما يقف موقف المتعبد الذي يعلم أن الإمام هو حجة الله على خلقه، وأن فعله يدور مع الحكمة الإلهية حيث دارت، سواء أدركتها العقول في حينها أم احتاجت إلى الزمن حتى تنكشف.
وهكذا يعلّمنا صلح الإمام الحسن عليه السلام أن طاعة الإمام ليست مشروطةً بإحاطة الإنسان بجميع أسرار أفعاله، بل إن التسليم لحجة الله هو أول مراتب المعرفة، ثم تأتي الأيام لتكشف وجوه الحكمة فيما صدر عنه. ولعل هذا هو الدرس الأعظم الذي أرادت روايات أهل البيت عليهم السلام أن تخلّده في وجدان الأمة: أن الإمام المعصوم لا يُتبع لأنه وافق أهواء الناس أو حساباتهم، وإنما لأنه الناطق عن الله، والأمين على دينه، والحجة التي جعلها الله سبيلًا إلى معرفته وطاعته.
وبذلك يبقى صلح الإمام الحسن المجتبى عليه السلام شاهدًا خالدًا على كمال الإمامة، كما تبقى نهضة الإمام الحسين عليه السلام شاهدًا على كمالها أيضًا؛ فالموقفان وإن اختلفا في الصورة، فقد اتحدا في المصدر، وهو أمر الله عز وجل، واتحدا في الغاية، وهي حفظ دينه وإقامة حجته، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ويظهر قائم آل محمد عجل الله تعالى فرجه الشريف، فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا.
و صل الله على محمد و آله الطيبين .

اترك تعليق