الإخلاص والرياء: بين نظر الناس ونظر الله

من أخطر الآفات التي تهدد حياة الإنسان الروحية أن يتحول العمل الصالح من وسيلة للتقرب إلى الله تعالى إلى وسيلة لاكتساب المدح والثناء بين الناس. فرب عمل صغير تعظمه النية الخالصة حتى يبلغ عند الله منزلة عظيمة، ورب عمل كبير تذهب قيمته كلها حين يمتزج بالرياء وطلب السمعة. ولهذا أولت روايات أهل البيت عليهم السلام عناية خاصة بالإخلاص، وحذرت أشد التحذير من الرياء، حتى عدّته نوعاً من الشرك بالله تعالى.

فقد قال الإمام الصادق عليه السلام لعباد بن كثير البصري: «إياك والرياء، فإنه من عمل لغير الله وكله الله إلى من عمل له». ومعنى "وكله الله" أن الله تعالى يتركه إلى من قصدهم بعمله، فلا يكون له عند الله ثواب؛ لأنه لم يرد بعمله وجه الله، وإنما أراد أعين الناس ومدحهم.

ومن هنا كان الأئمة عليهم السلام يؤكدون أن حقيقة الدين تقوم على الإخلاص. فقد قال الإمام الصادق عليه السلام: «اجعلوا أمركم هذا لله ولا تجعلوه للناس، فإنه ما كان لله فهو لله، وما كان للناس فلا يصعد إلى الله». أي أن العمل الذي يراد به وجه الله تعالى يقبله الله ويرفعه، أما العمل الذي يقصد به الناس فلا يبلغ ساحة القبول الإلهي مهما بدا عظيماً في أعين الخلق.

ولهذا قال عليه السلام أيضاً: «كل رياء شرك». وليس المقصود الشرك الاعتقادي الذي يخرج الإنسان من الإيمان، وإنما الشرك في النية والقصد؛ لأن المرائي جعل للناس نصيباً في العبادة التي ينبغي أن تكون خالصة لله تعالى. ولذلك أكمل الإمام كلامه بقوله: «من عمل للناس كان ثوابه على الناس، ومن عمل لله كان ثوابه على الله».

وقد فسر الإمام الصادق عليه السلام قوله تعالى:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾

فقال: «الرجل يعمل شيئاً من الثواب لا يطلب به وجه الله، إنما يطلب تزكية الناس، يشتهي أن يسمع به الناس، فهذا الذي أشرك بعبادة ربه».

و"التزكية" هنا بمعنى المدح والثناء، أي أنه لا يعمل ليحصل على رضا الله، بل ليقال عنه إنه صالح أو كريم أو عابد.

ومن أعظم الحقائق التي تؤكدها هذه الروايات أن الإنسان لا يستطيع خداع الله تعالى. فقد كان الإمام الصادق عليه السلام يتلو قوله تعالى:

﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾

ثم يقول: «ما يصنع الإنسان أن يتقرب إلى الله بخلاف ما يعلم الله تعالى؟».

فقد يخدع الإنسان الناس بالمظاهر، لكنه لا يستطيع أن يخدع نفسه، فضلاً عن أن يخدع الله الذي يعلم السر وأخفى.

ولهذا تكررت في الروايات قاعدة عظيمة، وهي أن السرائر لا تبقى مخفية إلى الأبد. فقد قال الإمام الصادق عليه السلام: «ما من عبد أسر خيراً إلا لم تذهب الأيام حتى يظهر الله له خيراً، وما من عبد أسر شراً إلا لم تذهب الأيام حتى يظهر الله له شراً».

وفي رواية أخرى عن النبي صلى الله عليه وآله: «من أسر سريرة ألبسه الله رداءها، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر».

ومعنى "السريرة" ما يخفيه الإنسان في قلبه من نيات وصفات. أما "ألبسه الله رداءها" فمعناه أن الله يُظهر آثار تلك السريرة على صاحبه، حتى تنعكس على سلوكه وكلامه وسمعته بين الناس.

ومن هنا كانت العبرة بحقيقة الباطن لا بجمال الظاهر. فقد قال الإمام الصادق عليه السلام: «ما يصنع أحدكم أن يظهر حسناً ويسر سيئاً؟» ثم استشهد بقوله تعالى: ﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة﴾، وأضاف: «إن السريرة إذا صحت قويت العلانية». أي أن صلاح الظاهر الحقيقي ينبع من صلاح الباطن، لا من التصنع والتكلف.

وقد بيّنت الروايات أيضاً أن الرياء قد يتسلل إلى العمل بعد الفراغ منه. فعن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: «الإبقاء على العمل أشد من العمل».

فلما سئل عن معنى ذلك قال: إن الإنسان قد يعمل العمل خالصاً لله فيكتب له سراً، ثم يكثر من ذكره للناس فيمحى ذلك الإخلاص ويكتب له علانية، ثم يستمر في التحدث به حتى يتحول إلى رياء.

وهذه من أدق آفات النفس؛ لأن الإنسان قد يجاهد نفسه عند العمل، لكنه يغفل عن حفظ إخلاصه بعد العمل.

وللرياء علامات ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام بقوله:

«ثلاث علامات للمرائي: ينشط إذا رأى الناس، ويكسل إذا كان وحده، ويحب أن يحمد في جميع أموره».

فالمرائي لا يتحرك بدافع مراقبة الله، بل بدافع مراقبة الناس، ولذلك تزداد همته بوجودهم وتضعف عند غيابهم.

ومن أشد الروايات رهبةً ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله:

«إن الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجاً به، فإذا صعد بحسناته يقول الله عز وجل: اجعلوها في سجين، إنه ليس إياي أراد بها».

و"سجين" موضع يذكر في القرآن في مقابل "عليين"، وهو كناية عن سقوط العمل وحرمانه من القبول الإلهي، لأن صاحبه لم يقصد به الله تعالى.

ومع ذلك فإن الروايات تفرّق بين الرياء وبين سرور المؤمن إذا رأى الناس عمله الحسن بعد أن أخلص فيه لله. فقد سئل الإمام الصادق عليه السلام عن الرجل يعمل الخير فيراه إنسان فيسره ذلك، فقال:

«لا بأس، ما من أحد إلا وهو يحب أن يظهر له في الناس الخير، إذا لم يكن صنع ذلك لذلك».

فالفرق كبير بين من يعمل لأجل أن يراه الناس، وبين من يعمل لله ثم يفرح بأن الله أظهر جميل ستره وأحسن ذكره بين عباده.

ولذلك حذّر أمير المؤمنين عليه السلام قائلاً:

«اعملوا لله في غير رياء ولا سمعة».

و"السمعة" هي أن يعمل الإنسان العمل ليُسمِع الناس به كما أن الرياء أن يعمله ليُريهم إياه.

إن مدرسة أهل البيت عليهم السلام تريد من المؤمن أن يكون واحداً في سرّه وعلانيته، فلا يكون له وجه أمام الناس ووجه آخر عند الخلوة، ولا يجعل رضا الناس مقدماً على رضا الله. فالله تعالى لا ينظر إلى كثرة الأعمال وصورها الظاهرة فحسب، بل ينظر إلى القلوب والنيات التي تقف خلفها.

ولهذا كان الإخلاص روح العمل، وكان الرياء آفته القاتلة. وما أحوج المؤمن إلى أن يفتش دائماً في دوافعه ونياته، وأن يسأل نفسه قبل كل عمل وبعده: لمن أفعل هذا؟ فإن كان لله فليبشر بالقبول، وإن كان لغيره فليعلم أن الله غني عن عمل لا يراد به وجهه الكريم.

: حسين شقرا