الرجز عند أصحاب الحسين عليه السلام دراسة تحليلية

إنَّ الكلام عن أصحاب الإمام الحسين عليه السلام مهما كان مسهباً، لم يكن وافياً في تصوير القيم التي تربوا ونضجوا عليها، فإذا قرأنا كل المعارك الإسلامية وما سبقها في التاريخ، نجد أنَّ المقاتل يكون بين احتمالين؛ اما أنْ يقتل، أو ينجو، وذلك؛ حسب نوع المعركة وظروفها، فمن يشترك فيها هو من يقدر طبيعة الخطر الذي يحيط به، لكن عندما يكون الحديث عن أصحاب أبي عبد الله عليه السلام فلم يكن امامهم سوى خيار واحد وهو القتل بين يديه عليه السلام، ومع هذا اليقين بالقتل، كان هناك يقين أشد ثباتاً وتثبيتاً لهم، وهو الشهادة وما يحظى به الشهيد عند الله سبحانه، لذلك خرجوا لملاقاة الحتوف، وقضوا في يوم ومكان واحد. فالأحاديث عنهم وعن أنسابهم متشعبة وضاربة في عمق الكرامة، لذا صار لزاماً علينا أن نكتب عن هؤلاء الأصحاب، فوقع الاختيار على العنوان الآتي: (الرجز عند أصحاب الحسين عليه السلام دراسة تحليلية). جاء البحث مقسماً على مبحثين، الاول هو: (المقدمات العقائدية في الارجوزة)، والمبحث الثاني (مقدمات الفخر في الارجوزة)، سبق ذلك مقدمة تناولنا فيها خطة البحث، والتمهيد الذي تعرض لتعريف الاراجيز، وفي أي زمن بدأت، وفي أي وقت كانت تستعمل، ثم الحديث عن أصحاب الحسين عليه السلام وكان الكلام فيه مجملاً، ثم الخاتمة التي تعرضت لأبرز النتائج، وبعض النتائج الاخرى جاءت بارزة ضمن ورقات هذا البحث. أما الصعوبات الحقيقة هي أننا لم نجد ترجمة كافية لكل فرد من الأصحاب، فكتب معظم المسلمين من الفريقين، القديمة والحديثة، على الأقل التي اطلعنا عليها، لم نجدها تلتفت الى الخوض في تفاصيل حياتهم، أو التعريف بهم ولو بإيجاز، بل هناك من الكتب التي تحدثت عن أصحاب الحسين عليه السلام لم تذكر تلك الاسماء كاملة، فهي ليست كتب تراجم بقدر ماهي كتب تاريخية تتحدث عن واقعة الطف واستشهاد هؤلاء النفر مع الإمام الحسين عليه السلام، من هذه الكتب (أنصار الحسين في ملحمة كربلاء، للمؤلف عمار الخزرجي) الذي تطرق الكاتب فيه الى الساعة التي كان يبرز فيها أي من هؤلاء الانصار، ثم يذكر بعض الأبيات التي يرتجز بها، ثم يتعرض الى طريقة استشهاده، فهو أشبه بكتب المقاتل، وكتاب آخر عنوانه (المقتل الحسيني المأثور) للمؤلف الشيخ محمد جواد الطَّبسي، وكان أكثر تفصيلاً من سابقه، الا أنه لم يقدم شيئاً كافياً عن حياة الصحابة او التعريف بأسمائهم، لذا فإن جهدنا انصب على الأراجيز التي كانوا يرتجزون بها ساعة بروزهم الى الخصم، وماهي الدلالات التي كانت تحملها تلك الأبيات على الرغم من ضيق المقام فكرياً وزمانياً، وحتى نفسياً، لأن الاراجيز هي للتعبير عن انفعال ذاتي في ظرف ما مثل الحرب، الا أنَّ أصحاب أبي عبد الله عليه السلام كانوا ينتقون الألفاظ التي لابد لها أنْ تترك أثراً بليغاً في نفوس المتلقين من الطرفين المتحاربين.

التمهيد

الرجز لغةً: هو الخفق والاضطراب، وايضاً هو داء يصيب الإبل في أعجازها، ويقال عن تلك الحال بعير أرجز، وناقة رجزاء[1] .

تطور الحديث عن الرجز بحسب تطور التجارب التي عاشها الرجّاز مع هذا البحر الشعري، وكما نقل عن صاحب الاغاني، يقول ما أُثر عن عرب الجاهلية من أغانٍ فهي معظمها مقطوعات قصيرة من الرجز، كتلك التي تغنوا بها وهو ينقلون الماء من الآبار والعيون[2]. هذا القول يفسر لنا بدايات الرجز الاولى وما المواطن التي يقال فيها هذا النوع الشعري، تبدو كأنها كانت تستعمل للهو والتخفيف من ضنك الحياة، فهذا التوافق بينها وبين الأعمال الشّاقة والمتعددة في الحياة يفسر وجودها، الأمر الآخر هي تشبه الغناء الى حد بعيد، إذن يريد الراجز أن يغير السلوك الحياتي اليومي وما يرافقه من مصاعب ومتاعب باعتماده على هذا النوع الشعري.

وزن الرجز: يتكون من ست تفعيلات موحدة

مستفعلن مستفعلن مستفعلن            مستفعلن مستفعلن مستفعلن[3] 

هناك من ينظر الى الرجز على أنه: ((بحر رشيق خفيف النغمات إلّا أنَّ بعض الرجّاز ظلموه ظلماً بيناً بإدخالهم عليه أنواعاً مختلفة من الزحافات والعلل، بها أفسدوه وأخرجوه عن طبيعته الرتيبة السهلة، ومن ثم سماه البعض (حمار الشعر) و (مطية الشعراء) لأنه يقبل من الضرورات الشعرية (مالا يقبله بحر اخر)[4] ، وربما كان هذا الافساد مرجعه سهولة الحمل على هذا البحر؛ لذا وفَّر ذلك الفرصة المناسبة لأن يحمل عليه بما يفسد تلك الطبيعة. كان من بين أهم الميادين التي استعمل فيها الرجز هي ساحات الحرب؛ وذلك لدفع المقاتلين باتجاه الموت، فكان الرجز مرافقاً لهم في ساحات القتال، ويقال إنه من اقدم الاوزان الشعرية العربية[5] .

إنَّ سهولة توظيف هذا البحر يدفع الى الظن أنه أقدم البحور العربية، فالبساطة والابتعاد عن التعقيد دائماً تكون مع البدايات في كل فن ثقافي او علمي، أما الصعوبات تكون مع التقدم دائماً، وهذا متصل حتى بالحياة بصورة عامة، فكلما تقدمت وتطورت مالت الى التعقيد، والحضارة وتطور المعارف بحد ذاتها هي قضايا شائكة تزداد صعوبة وغموضاً كل يوم، وهناك من يظن أن الرجز جاء بعد مرحلتين من الفنون النثرية المتطورة، فقال: ((إن العرب خطوا من المرسل الى السجع، ومن السجع الى الرجز ثم تدرجوا من الرجز الى القصيدة، فالسجع هو الطور الأول من أطوار الشعر))[6]

فكل الظنون والاحتمالات تشير الى أسبقية الرجز على البحور الشعرية الاخرى، وهذه الاسبقية المرتبطة بالسهولة والقدرة على النظم مع الخروج على قواعد العروض؛ جعلته يستعمل عادة في الحرب حتى يتمكن المقاتل من خلاله من التعبير عما يدور في خلده، وهو يواجه الموت الذي تمثل بالخصم.

التعريف بأصحاب الحسين عليه السلام:

اختلفت الروايات في عدد اصحاب الامام الحسين عليه السلام فهناك من عدهم اثنين وسبعين على رواية المقتل الحسيني المأثور[7]، وهناك من زاد على هذا العدد، ومنهم من انقص منه، فقالوا من استشهد مع الحسين عليه السلام من بني هاشم ستة عشر رجلاً، ولم ينج إلّا الإمام زين العابدين عليه السلام، والآخر الحسن المثنى، أما مجموع من قتل معه عليه السلام فهو اثنان وسبعون رجلاً[8]. واسماء هؤلاء الصحابة قد دونت في كتب التاريخ، هناك من استشهد منهم في الحملة الاولى، ويقدر عددهم بأكثر من خمسين شهيداً، بعد ذلك بروزا فرادا، وبعد هذا بدأوا يدونون بروز كل واحد منهم، وعلى يد من استشهد رضوان الله عليهم جميعا.

(المبحث الأول)

المقدمات العقائدية في الأرجوزة

إنَّ مقدمات أراجيز الأصحاب قد اختلفت، فهناك من كان يبدأ بأرجوزة عقائدية يتحدث بها عن نصرة الحسين وأهل بيته عليهم السلام، ومنهم من كان يبدأ الارجوزة منتسباً الى قبيلته، أو الى بيته الذي ينسب اليه، وهذا الفخر ليس فخراً فردياً، وإنما فخر مرتبط بالعقيدة، فهناك من يفخر بقبيلته التي عرفت بموقفها اتجاه العقيدة الإسلامية، وهناك من يفخر بأهل بيته الذين ذهبوا شهداء في معارك المسلمين.

الصحابي زهير بن القين بن قيس الأنماري البجلي، لما برز وقاتل قتالاً شديداً، وكثرت فيه الجراحات أخذ يقول:

  أنا زهير وأنا ابن القين        أذودكم بالسيف عن الحسين[9]

هذه الكلمات المباشرة تعبر عن الحال الحقيقية التي عليها زهير، إذ يرفع من عزيمته بنفسه، على ما به من ألم الجراح، وربما يتعرض الجريح الى كلام من الخصوم، فتكون مثل هذه الأراجيز رداً على قولهم، ومقارنة مع فعالهم.

وفي هذه الحال يردد زهيراً بيتاً آخر يقول فيه:

أقدم هُديت هادياً مهدياً         فاليوم تلقى جدك النّبيا

وحسنا والمرتضى عليَّا        وذا الجناحين الفتى الكميا

          وأسدُ اللهِ الشّهيد الحيّا[10]

وفي هذا القول يشير الى جعفر الطيار الذي قُطعت يداه في معركة مؤتة، واستشهد، أما صفة الكميا التي اطلقها فهي تعني الشجاع وأخذت من معنى يتكمّى في السلاح أي يتغطّى به[11].

ثم قوله: وأسد الله الشهيد الحيا، هو اشارة الى الحمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وآله الذي استشهد في معركة أحد.

إنَّ سرعة نغم هذا البحر (الرجز) الذي عرفناه جعلته يكثر استعماله وقت الحروب للتعبير عن معان كثيرة في وقت وجيز، لكن نجد أنَّ اصحاب الحسين عليه السلام يكثّفون معانيهم في استعراض أهم اصحابهم السابقين في الشهادة، إذ نجد الحسين عليه السلام في مطلع اليوم العاشر عندما لبس عمامته وخرج محذرا جيش عبيد الله، ذكّرهم بأهل بيته بقوله: ((ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين بالله، والمصدق لرسوله، أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي أوليس جعفر الطيار في الجنة عمي))[12]

هذا القول استثمره زهير بن القين في البيتين اللذين سبق ذكرهما، مرة نجد هذه الاراجيز التي تقال في الحرب؛ هي لتشكيل دافع معنوي للمقاتلين أنفسهم، ومرة هي حجة يسوقها للآخر المتخاصم معه. 

ننتقل الى صحابي آخر وهو جون بن حويّ مولى أبي ذر الغفاري. عند دخوله الى أرض المعركة، ارتجز قائلاً:

     كيف ترى الفجّار ضربَ الأسودِ    بالمشـــرفي القاطـــع المهند

     بالسيف صلنا عن نبـــي محمد     أذب عنهم باللسان والـــيد

     أرجو بذلك الفوز يوم المـــورد      من الاله الواحد المـــوحد[13]    

قوله: كيف ترى الفجار ضرب الأسود، لا يعني بالأسود هنا التمييز العنصري بينه وبين غيره، بمعنى هو لا يمثل فكر الآخرين في انطباعهم عن اللون، وإنما هذا تمييز للشجاعة والبسالة، ثم هو تثبيت لنفسه عند ملاقاة الحتوف، لينتقل بعد ذلك ليثبت أمام الموت من خلال العقيدة بذكره للنبي الاكرم صلى الله عليه وآله هو سنة عربية اتخذت في مختلف المعارك في الجاهلية وصدر الاسلام. فالارجوزة كانت حاضرة في حروبهم[14]، وهذا يخلق شيئا من الثبات على العقيدة والاعتداد بالنفس ، فنحن نجد الراجز من اصحابه عليه السلام يبدأ عادة بذكر نفسهِ، ثم يلج الى المعنى الذي يهدف إليه من خلال الأبيات الأخرى في أرجوزته.

ننتقل الى صحابي آخر من أصحاب الحسين عليه السلام، وهو سعيد بن عبد الله الحنفي، وقد ارتجز في أول خروجه الى المعركة:

       أقدم حسين اليوم تلقى أحمدا      وشيخك الخير عليا ذا الندى

       وحسنا كالبدر وافي الأسعدا      وعمك القرن الهجان الأصيدا 

       وذا الجناحين هنوا وسعدا       وحمزة الليث الهزبر الأسدا[15]

بعض هذه الالفاظ تكررت عند أصحاب ابي عبد الله الحسين عليه السلام، وهي تكرار المعنى ايضا فقوله (أقدم حسين) وردت عند زهير بن القين، والتقي أحمدا وعليا عليهما السلام وردت عنده، لكنها بألفاظ مختلفة قليلا، أما ذو الجناحين والشهيد الحي، فقد جاءتا ضمن أرجوزة زهير، وتشابه الالفاظ والمعاني، هذا يدل على تشابه الهدف والغاية اللتين جاء من أجلهما أصحاب أبي عبد الله عليه السلام، فهم يأملون رضا الله تعالى وأهل بيته عليهم السلام، وفي الوقت هذا هم يدورون حول الألفاظ والمعاني التي طرحها الإمام الحسين عليه السلام صباح اليوم العاشر من محرم. فالأرجوزة فيها الواقع الوجداني فهي تمزج بين عقل الإنسان الذي يرجو ذلك الثواب عند أهل بيته عليهم السلام، وبين حضور العاطفة التي شكّلت حضورا معنويا؛ ليتهافتوا من خلاله على الموت.

ويخرج صحابي آخر اسمه أنيس بن معقل الأصبحي، فيرتجز، ويقول:

      أنا أنيس وأنا ابن مـــــعقل        وفي يميني نصل سيف مصقل 

      أضرب به في الحرب حتى ينجلي   أعل به الهامات وسط القسطلِ

      من الحسين الماجد المـــــفضل     ابن رسول الله خير مرسل[16]

وهذه عادة قد دأب عليها المحاربون الذين عمدوا الى الرجز، ثم يمضي بذكر الأبيات التي تشد.

البأس وتخلق الاقدام على المنايا، ثم ينقل صورا للمعركة في خيال يتناسب مع خيال الرجز الذي لا يعتمد عادة على الخصوبة في صنع الخيال، فيقول: أعلي به الهامات وسط القسطلِ. القسطل في اللغة هو الغبار[17]، فهو يتحدث عن اشتداد المعركة في هذا الحال، حتى يصل الى ذكر الإمام الحسين عليه السلام، على الرغم من معرفة الجميع أنَّ من يقاتل هو ينسب الى هذا العسكر، أو الى ذاك، لكن أصحاب أبي عبد الله عليه السلام عادة كانوا يذكرون انتسابهم الى معسكره عليه السلام؛ يظهر ذلك لأنهم يحرصون على العقيدة في القول والفعل، فيقولون نحن مع أبي عبد الله عليه السلام، أما الفعل فهو الاقدام على الموت.

والى صحابي آخر من أنصار أبي عبد الله عليه السلام، وهو حبيب بن مظاهر الاسدي، وكان خروجه بعد أنْ رأى قلة الانصار، وكثرة من استشهد[18]، قال مرتجزا: 

    أنا حبيب وأبي مظاهر              فارس هيجاء وحربٍ تستعر

    أنتم أعدُّ عدةً واكثر               ونحن أوفى منكم وأصبر

    ونحن أعلى حجةً وأظهر            حقاً وأتقى منكم وأعذر

اتبع حبيب بن مظاهر العادة التي يقال فيها الرجز إذ عرَّف بنفسهِ، والتفت بعد ذلك الى سرد الحجج التي يتقدم بها على الخصم، وقبل ذلك أشار الى قلة العدد، وهذه القلة ليس دليلا على الضعف، وإنما على القوة لأنه جعل الصبر مفتاحاً للثبات على العقيدة التي عليها، وهذه الحجج التي تقدم من أصحاب الحسين عليه السلام سواء كانت في أراجيزهم، أم خطاباتهم قبل وقوع المعركة، هي سنة أهل البيت عليهم السلام فالإمام علي عليه السلام في المعارك التي شهدها لم يبدأ الخصم بالقتال ويحذر أصحابه من ذلك، وفي واحدة من خطبهِ يقول: ((بعث رسله بما خاصم به من وحيه، وجعلهم حجة له على خلقهِ، لئلا تجب الحجة لهم بترك الاعذار اليهم))[19] ، وقبل ذلك قوله تعالى: ((رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما))[20] ثم وجدنا أنّ الحسين عليه السلام في مطلع اليوم العاشر يلقي الحجة على الخصوم ويحذّرهم، وبعد ذلك يوصي أصحابه أنْ لا يبدأوا القوم بقتال قط، الّا أن بدأوا هم على يد عمر بن سعد، الذي أراد أنْ يشهد الأمير على فعله[21] نأخذ صحابيا آخر، وهو عمرو بن قرظة الانصاري، برز وهو يقول:

     قد علمت كتيبة الأنصار             أني سأحمي حوزة الذمار

     ضرب غلام غير نكس شار           دون حسين مهجتي وداري[22]

بدأ عمرو بن قرظة مشغولا بالدفاع عن أهل البيت عليهم السلام، ولم يلتفت كعادة الرجاز من التعريف بنفسه عند دخوله الى المعركة، وإنما راح يصف دفاعه عن أهل بيته عليهم السلام، قوله (سأحمي حوزة الذمار)، الذمار في اللغة هو: ((ما ينبغي حياطته والذود عنه كالأصل والعرض))[23] ، ثم يتحدث عن بسالته، وهذا وارد في الرجز أنْ يفخر بالنفس، إذ يريد من خلال ذلك؛ العزيمة والبأس حتى لا يتردد في طلب الموت ثم قوله (شار) بمعنى البائع[24]،وهنا يشير الى فدا اهل البيت عليهم السلام بنفسه، إذ ليس للنفس ثمن في حضراتهم، وهذا استناد الى قوله تعالى: ((ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد))[25]. وإنْ كانت مقطوعات الرجز تقال على حال من السرعة، فلحظتها ليست للتفكر وسرد الخيال، لكن نجد أصحاب الحسين عليه السلام يفطنون الى كثير من المعاني، ويوظفونها في تلك اللحظات، وهذا يشير الى أن تلك القيم والمعاني السامية ضاربة في عمق ذواتهم، ولم تكن متأخرة الحضور عبر مدارسة أو تعلم، لذلك لم تخذلهم الالفاظ في مثل هذه الساعات، إذن فالعقيدة التي كان عليها الأنصار قد توارثت عبر الزمن فاكتسبت قدرا عالية من الثبات، وصار اللاوعي الفردي والجماعي عندهم دينيا عقائديا خالصا، ولو كان غير ذلك لترجم في معانيهم وبعض الفاظهم.

ننتقل الى صحابية، وهي أم عمرو بن جنادة بن الحارث الانصاري الخزرجي ممن قُتل مع الحسين عليه السلام في الحملة الأولى، فلما قُتل قطع رأسه ورمي به نحو أمه، فأخذته ومسحت الدم عنه وضربت رجلا قريبا منها فمات[26]، وعادت الى المخيم وأخذت عمودا من تلك الابنية، وانشأت تقول:

      إني عجوز في النسا ضعيفة        خاوية بالية نحيفة

      أضربكم بضربة عنيفة           دون بني فاطمة الشريفة[27]

لم تسر على نهج الرجز في الحروب من فخر أو مخاصمة، إذ كانا شائعين مثل هذين الغرضين[28]، لكنها دخلت الى الغرض الذي تنشده هي، وذلك الغرض هو وصف لحالها من وهن وضعف، وعلى الرغم من ذلك فهي تريد الدفاع عن الحسين عليه السلام، فقد وازنت بين ضعفها، وبين قوة ضربها، فهذا الوهن لم يضعف بأسها، وهذا شيء متصل بالعقيدة، وهو من الدوافع التي تأخذ بالجسد ليكون باسلا في الدفاع عن دينه، كما وجدنا ذلك متمثلا عند حبيب بن مظاهر، الذي لم يضعفه السن في الدفاع عن عقيدته، وأنس الكاهلي الذي رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسمع حديثه، وعندما برز كان رافعا حاجبيه بالعصابة[29].

هكذا كانت أبيات الرجز مكتنزة وكثيفة في المعنى، وعلى الرغم من قلة الابيات، فضلا عن الموقف الذي عليه الراجز، الا أنه لم يكن حائلا امام طرح المعاني المتعددة، وإنْ تعددت الالفاظ، الا أنَّ المعنى كان يدور حول الحسين عليه السلام.

(المبحث الثاني)

مقدمات الفخر

اختلفت هذه المقدمات عن تلك التي وردت في المبحث الاول، هناك كانت متعددة وتنتهي عند الحسين عليه السلام أما في هذا المبحث فعادة كان يبدأ الراجز التعريف بنفسه وذلك بذكر اسمه؛ أو اسم أبيه؛ أو البيت الذي ينتمي اليه، وربما القبيلة التي ينتمي اليها، ولكن ليس هذا فخرا جاهليا أو أمويا، وإنما هو تذكير بفضل من ينتمي اليهم، فربما يذكر اسم أبيه وقد كان أبوه صيته ذائعاً في الشجاعة والدفاع عن الإسلام في وقته، وربما يذكر قبيلته وقد عرفت هذه القبيلة في الدفاع عن العقيدة وهكذا، فمن يذكرهم في العادة لهم علاقة بالدين.

وهنا نأخذ صحابياً آخر من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام، هو أنس بن الحارث الكاهلي، ارتجز قائلاً:

     قد علمت مالك وذودان          والخندفيون ومن قيس عيلان

     بأن قومي آفة الاقران           لدى الوغى وسادة الفرسان

     فباشروا بالموت بطعن          لسنا نرى العجز على الطعان[30].

إنَّ صوت هذا الصحابي جاء شبيها بصوت الجماعة التي يخاطبها في ظاهره، ففخر بنسبه، وقبيلته، وما لهذه القبيلة من تجارب مع الميدان، وأظن أنَّ هذا الاسلوب شبيها بأسلوب حسان بن ثابت الذي كان يهجو المشركين بما يعرف عنهم من قيم يعيشون عليها، فكان ذلك يؤثر فيهم اكثر من قول عبد الله بن رواحة الذي كان يعيّرهم بشركهم وعدم اسلامهم[31]. فإنَّ أنس بن الحارث اعتمد هذا الاسلوب في أرجوزته، لكي يترك ذلك أثرا في نفوسهم، ثم يكون له ذلك دافعاً للإقدام على الموت، وقبيلة ذودان التي أورد اسمها في ارجوزته هي واحدة من بطون أسد[32]، وهو يتحدث عن تلك القبائل فإنها على دراية بأبطال قبيلته وشجعانها، وكان يحدث الآخر الخصم عن شجعان هذه القبيلة.

وإلى صحابي آخر هو خالد بن عمر بن خالد الأزدي، ارتجز قائلاً:

   صبراً على الموتِ بني قحطانْ      كيما تكونوا في رضىْ الرّحمن

   ذي الَمجدِ والعزةِ والبُرهان        وذي العُلى والطَول والإحسان

   باننا قد صرن في الجِنان         وفي قصُور حسن البُنيان[33]

التفت هذا الصّحابي إلى أن يضع ذكر قبيلتهِ في مقدمة هذه الارجوزة؛ لأنَّ أباه كان معه في هذه المعركة، وقد برز هو بعد استشهاد ابيه؛ لذلك أخذ يرتجز ويذكر بني قحطان كأنهم تهافتوا على الموت بين يدي الإمام الحسين عليه السلام، وهذه القبيلة هي واحدة من قبائل اليمن، فهي من العرب القحاح وغير مدخول في عربيتهم[34]، وهذا النسب العربي الأصيل؛ لابد أنْ يدفع مثل هذا المقاتل إلى أنْ يذكره، وإن كان ذكره ليس على سبيل الفخر في القبيلة، وإنما على سبيل الإخبار بأفراد هذه القبيلة الذين جاءوا مع الحسين عليه السلام فهو يريد أنْ يثبّت النفوس بارجوزته، لأنه بدأ كلامه بطلب الصبر، ذلك لما حلَّ بهم من مأساة، فقد قُتل أبوه قبل أن يبرز هو للمعركة.

وإلى صحابي آخر، هو عمرو بن عبد الله المذحجي، ارتجز قائلاً:

    قَد عَلِمَتْ سعدٌ وهي مذحَج       أنّي لوى الهَيجاء غير مخرج

    أعلموا بسيفي هامةَ المذحج       وأترك القرن لدى التّعرج[35]

أخذ هذا الصحابي يستعرض ذكر اسماء بعض القبائل منها من حضر مع معسكر الخصم، ومنها من ينتمي اليها وهي قبيلة مذحج، فهو يريد أنْ يبلغ الصديق والعدو بموقفه هذا، ثم يعدد صفات نفسه، فهو لا يرز ولا يطعن الا من يستحق الطعان، ويترك غير ذلك. وعلى الرغم من حرارة المعركة، الا أن معظم أصحاب ابي عبد الله عليه السلام يتخيّرون الالفاظ التي تثري المعنى وتعمل على انضاجه في نفوس الآخرين ليبلغوا بذلك قصدهم.

ونرى وهب بن عبد الله بن عمير الكلبي، بعد أن قالت له امه قم وانصر ابن بنت رسول الله صَلَّى اللَّه عليه وآله، فقال افعل ذلك إن شاء الله، ثم خرج الى القوم قائلا:

     إنْ تَنْكرونْي فأنا ابن الكَلبي        سَوفَ تَرَونْي وتَرون ضَربي

     وحَملَتْي وصَولَتي في الحَرب       أدرك ثأري بعد ثأر صَحبي

     فأدفع الكَربَ امام الى الكربْ       ليس جهادي في الوغى باللعب[36]

أراد أنْ يزيل هذا الانكار الذي في نفوسهم؛ فعرف بنفسه من خلال قبيلته، ولما لهذه القبيلة من شرف بين القبائل العربية[37] لذا بدأ منتسبا لهم، ثم عاد لنفسه ليخبر عن شجاعته، ثم كلامه عن الثأر وثأر أصحابه يبين لنا أنه برز متأخرا، فهو يريد أنْ يثأر لأصحابه ولنفسه، وقد استثمر خياله في صنع صورة مختلفة عما تعاهدوا عليه، فاراد وهب أنْ يخاطب المشاعر والعقول في آن؛ لذلك سجّل اسمه بداية من خلال ما قدمه في هذه المعركة من بسالة تحدّث عنها قبل دخوله الى المعركة.

وقال جعفر بن علي بن أبي طالب عليهما السلام حين برز:

    إني انا جعفر ذو المعالي           ابن علي الخير ذو النوال

    ذاك الوصي ذو السنا والوالي        حسبي بعمي جعفر والخال[38]

التفت جعفر عليه السلام الى نسبه الاقرب وهو ذكر اسم ابيه عليه السلام، وهذا يغني عن ذكر القبيلة، ثم ذكره كان على سبيل الفخر بالعقيدة، أما ذكره لعمه جعفر بن أبي طالب؛ لأنه شبيه اسمه من جانب، ومن جانب آخر أنَّ الفريقين يعرفون المنزلة التي حظي بها جعفر عليه السلام عندما قطعت يداه، وقال الرسول ﷺ أبدله الله جناحين يطير فيهما بالجنة[39]، وهذه المنزلة الإسلامية هي ما تدفع جعفر بن علي عليهما السلام أن يكون مفتخرا بنسبه، ومعرفا به وذلك على دأب الذين نظموا على هذا البحر، وهذا ليس فخرا على طريقة السابقين كما اشرنا، وانما فخر بالعقيدة.

وبعد أنْ استشهد الإمام الحسين وأهل بيته عليهم السلام، وصل الهفهاف بن المهند الراسبي من البصرة قادماً لنصرة أبي عبد الله، فقد وجد المعركة قد انتهت واستشهد الجميع، فسأل عن ذلك وأُخبر به، فأخرج سيفه ونزل الى الميدان وهو يقول:

         يا ايها الجند المجند         انا الهفهاف بن المهند[40]

على الرغم من معرفة نسبه وقبيلته لدى الجميع، ويعرفون أنه من أصحاب الإمام علي عليه السلام، ثم مع الحسن عليه السلام، فهو كان ذائعا معروفا ولم يذكر القبيلة، وتمثل لهم باسم أبيه، ربما لأنه وجد من هذا الاسم كافيا أنْ يصل الى النفوس وهو تعريف كاف بشخصه، قد وصل وانتهت الحرب فكان مقبلا على الشهادة أكثر من إقباله على القول في هذه الساعات.

الخاتمة

   ·      بما أنَّ الهدف والغاية واحدة عند أصحابه (عليه السلام)؛ لذا نجد كثيراً من الألفاظ تتشابه فيما بينها.

   ·      المعاني كانت حاضرة معبرة على الرغم من قلة الألفاظ إلّا أنَّهم حرصوا على إيراد تلك المعاني بتلك الالفاظ المقتضبة.

   ·      هناك فرق بين أراجيز اصحاب الحسين (عليه السلام) من عامة القبائل العربية، وبين اراجيز اصحابه من اهل بيته، فأراجيز الهاشميين تدور على الفخر بهذا البيت الهاشمي وحده دون ذكر قريش وأي من بطونها، أما بقية الأنصار فيذكرون قبائلهم؛ وإن كان أحد من تلك القبيلة هو خصم للحسين (عليه السلام) فما يعنيهم مناقب القبيلة ليس مثالبها، وهم من أهل المناقب.

   ·      إنَّ رجز أصحاب الحسين (عليه السلام) كان معظمه تعريفاً بالذات، أكثر مما هو فخر حسب ما يظهر لنا من بعض الأراجيز التي رويت لهم.

الهوامش:---

 [1] الفيروزآبادي، مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، تحقيق. العرقسوسي، محمد نعيم (بيروت، لبنان، ٢٠٠٥)

[2] الأصفهاني، ابي فرج، الأغاني، تحقيق. جابر، سمير (بيروت: دار الفكر، د.ت.).

[3] الهاشمي، الشيخ أحمد، ميزان الذهب في صناعة شعر العرب، تحقيق. عطية، علاء الدين (دمشق: مكتبة ابن عطية، 2006).

[4] الجواهري، رجاء السيد، فن الرجز في العصر العباسي ( الإسكندرية: دار المعارف، 2000).

[5] السيد.

[6] الزيات، أحمد حسن، تاريخ الادب العربي(بيروت، لبنان: دار الثقافة، 1990).

[7] الدينوري، ابي حنيفة احمد بن داود، الأخبار الطوال، تحقيق. الطباع، عمر فاروق (مصر: دار الارقم، 1999).

[8] الجلالي، محمد رضا، الإمام الحسين سماته وسيرته (الكويت: دار المعروف، 1995)

[9] البصري، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي، البداية والنهاية، تحقيق. شيري، علي (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1988)،199/8.

[10] القرشي،199/8.

[11] الفراهيدي، أبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد، العين، تحقيق. المخزومي، مهدي، السامرائي، إبراهيم (بيروت: دار ومكتبة الهلال، د.ت.)419/5.

 

[12] الجزري، أبن الاثير، أبو الحسن علي ابن أبي الكرم بن عبد الكريم، الكامل في التاريخ، تحقيق. تدمري، عبد السلام (بيروت: دار الكتاب العربي، 1997)، 169/3.

[13] أعثم، لأحمد بن محمد بن علي الكوفي، المفتوح، تحقيق. شيري، علي، ط1 (بيروت: دار الأضواء، 1991)،109/5.

[14] صفوت، احمد زكي، جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة، ط1 (بيروت، لبنان: المكتبة العلمية، د.ت.)231.

[15] الكوفي، الفتوح، 5/109.

[16] الكوفي، 108/5.

[17] يعقوب، القاموس المحيط، 1074.

[18] الخزرجي، عمار، انصار الحسين في ملحمة كربلاء، ط1 (النجف الاشرف: الفجر، 2010)، 80.

[19] الرضي، شريف، نهج البلاغة، شرح. عبدة، محمد، ط1 (قم: دار النهضة. 1412هـ) 27/2.

[20] النساء، القرآن الكريم 165.

[21] المفيد، أبو عبد الله محمد بن محمد بن نعمان (ت413هـ)، الارشاد في معرفة حجة الله     على العباد، تحقيق. العبيدي، فالح عبد الرزاق، د.ت.،96/2.

[22] المازندراني، أبي جعفر رشيد الدين محمد بن علي بن شهر آشوب، مناقب ال أبي طالب (قم: المطبعة العلمية، د.ت.)، 253.

[23] مصطفى، إبراهيم. الزيات، احمد. عبد القادر، حامد. النجار، محمد، المعجم الوسيط، تحقيق. مجمع اللغة العربية (دار الدعوة، د.ت.)،315/1.

[24] الانباري، ابو بكر محمد بن محمد بن القاسم بن بشار (ت328هـ)، الزاهر في معاني كلمات الناس، تحقيق. الضامن، حاتم صالح، ط1 (بيروت: مؤسسة الرسالة،1992)،308/ 2.

[25] البقرة، ’’القرآن الكريم،‘‘ د.ت.،207.

[26] البياني، جعفر، الاخلاق الحسينية، ط1 (انوار الهدى، 1412)،119.

[27] عمار، انصار الحسين في ملحمة كربلاء، 100.

[28] العسكري، ابي هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران (ت395هـ)، الأوائل، ط1 (طنطا: دار البشير، 1408)،436/1.

[29] سبحاني، الشيخ جعفر، رسائل ومقالات (قم: مؤسسة الامام الصادق عليه السلام،1433)،597.

[30] الكوفي، الفتوح، 5/107.

[31] الصفار، ابتسام مرهون، الامالي في الأدب الإسلامي، ط2 (بيروت: مطابع بيروت الحديثة، 2015)، 24.

[32] الحلي، أبو البقاء هبة الله بن نما، المناقب المزيد في أخبار الملوك الاسدية، تحقيق. خريسات، محمد عبد القادر. درادكة، صالح موسى، ط1 (عمان: مكتبة الرسالة، 1984)،193.

[33] الكوفي، الفتوح،5/105.

[34] ابي الفدا، عماد الدين اسماعيل بن علي، المختصر في أخبار البشر، ط1 (القاهرة: المطبعة الحسينية المصرية، د.ت.)،1/99.

[35] الكوفي، الفتوح،105/5.

[36] الكوفي،105/5.

[37] التبريزي، يحيى بن علي بن محمد الشيباني التبريزي (ت502هـ)، شرح ديوان الحماسة (بيروت: دار القلم، د.ت.)261.

[38] عمار، انصار الحسين في ملحمة كربلاء،177.

[39] المرتضى، الشريف ابو القاسم علي بن الحسين بن موسى بن محمد الموسوي (ت436هـ)، رسائل المرتضى، تحقيق. الحسيني، السيد احمد (قم: مطبعة سيد الشهداء، د.ت.)،406/1.

[40] عمار، انصار الحسين في ملحمة كربلاء، 129.

: أ.د محمد حاكم حبيب