إنّ البحث عن تعيين الفرقة الناجية من بين الفرق المتنازعة في الأصول الاعتقاديّة والمناهج الدينيّة ليس بحثًا عن مجرّد فضيلةٍ أو منقبةٍ تاريخيّة، وإنّما هو بحثٌ كلاميٌّ يتعلّق بتشخيص الحجّة التي يجب الرجوع إليها في معرفة الحقّ، وتحديد الطريق الذي يؤمَن معه من الضلال، وإقامة البرهان على انطباق عنوان النجاة على فرقةٍ دون غيرها. ومن الواضح أنّ مثل هذا البحث لا يستقيم بمجرّد الدعاوى المجرّدة، ولا يكفي فيه الاستناد إلى الانتساب أو الشهرة أو كثرة الأتباع، بل لا بدّ فيه من الرجوع إلى الحجج الشرعيّة التي نصبها الشارع طريقًا إلى معرفة الحقّ، وتحقيق دلالاتها على وفق القواعد المقرّرة في الاستدلال العقليّ والنقليّ. وقد وردت في هذا الباب نصوصٌ نبويّةٌ متعدّدة، تتفاوت في مضامينها وجهات دلالتها، غير أنّ جملةً منها تتكفّل ببيان أصولٍ محوريّةٍ في تعيين سبيل الهداية والنجاة، وفي مقدّمتها حديث الثقلين وحديث سفينة نوح عليه السلام؛ لما تضمّناه من ربط الهداية والنجاة باتّباع أهل البيت عليهم السلام، وجعل الإعراض عن سبيلهم موجبًا للحرمان من الهداية، بحسب ما تقتضيه دلالة كلٍّ منهما.
وعلى هذا الأساس، فإنّ البحث في تعيين الفرقة الناجية يبتني على مرحلتين متكاملتين: إحداهما إثبات المرجعيّة التي جعلها النبيّ (صلى الله عليه وآله) ميزانًا للهداية، والأخرى إحراز الفرقة التي التزمت تلك المرجعيّة واتّبعت مقتضاها.
ومن هنا كان الجمع بين حديث الثقلين وحديث الافتراق ذا أهميّةٍ خاصّة؛ إذ يتكفّل الأوّل ببيان معيار الهداية المأمون من الضلال، فيما يكشف الثاني عن واقع الاختلاف في الأمّة، وما يستتبعه من ضرورة التمييز بين المصيب للحقّ والحائد عنه.
ورد حديث الثقلين في مصادر الفريقين بطرقٍ متعدّدة وألفاظٍ مختلفة، يجمعها أصلٌ مشترك، وهو أنّ النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله) جعل كتاب الله سبحانه وعترته أهل بيته مرجعين للأمّة بعده، وأمرها بالتمسّك بهما، وربط هذا التمسّك بالأمن من الضلال، مع الإخبار عن استمرار اقترانهما وعدم افتراقهما حتّى الورود عليه عند الحوض. ومن أشهر ألفاظه: «إنّي تاركٌ فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».
ومحلّ الاستدلال في هذا الحديث ليس مجرّد ذكر العترة إلى جانب الكتاب العزيز، بل الهيئة التركيبيّة التي ورد بها النصّ؛ فإنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) لم يكتفِ بالإخبار عن مكانة أهل بيته، وإنّما قرنهم بالكتاب، وأمر بالتمسّك بهما، ورتّب على ذلك عدم الضلال، ثمّ أكّد استمرار هذه الملازمة إلى يوم القيامة.
ومن هنا يتّضح أنّ حديث الثقلين يؤسّس لمرجعيّةٍ دينيّةٍ للعترة، ويجعل اتّباعها جزءًا من الطريق الذي أرشد النبيّ (صلى الله عليه وآله) أمّته إلى سلوكه لتحرز الهداية. غير أنّ تعيين مصاديق هذه المرجعيّة، وإثبات انحصارها في الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام)، يحتاج إلى ضمّ النصوص الدالّة على تعيينهم، وإحراز انطباق عنوان العترة المرجعيّة عليهم على وجهٍ تامّ.
إنّ المستفاد من حديث الثقلين أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قد نصب الكتاب العزيز والعترة الطاهرة مرجعين للهداية، وأمر الأمّة بالتمسّك بهما، ورتّب على ذلك الأمن من الضلال بقوله: «لن تضلّوا»، كما أكّد عدم افتراقهما إلى ورود الحوض. وفي المقابل، ورد في بعض ألفاظ حديث الافتراق وصف الفرق غير الناجية بالضلال، الأمر الذي يكشف عن أنّ مجرّد الانتساب إلى الأمّة لا يكفي في إحراز النجاة، وأنّ التمييز بين الفرق المتنازعة يحتاج إلى ميزانٍ شرعيٍّ يُرجع إليه في تشخيص الحقّ.
وعند ضمّ هاتين الدلالتين، يتّضح أنّ حديث الثقلين يحدّد جهة الهداية التي أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله) بالرجوع إليها، بينما يضع حديث الافتراق مسألة التمييز بين الفرق في موضعها الصحيح؛ إذ لا بدّ، بعد ثبوت الاختلاف وتعارض جملةٍ من المذاهب في أصول الاعتقاد وفروع الشريعة، من تعيين الطريق الذي يوافق الحجّة الشرعيّة ويصحّ الركون إليه في مقام معرفة الدين.
وبيان ذلك: أنّ الأمر بالتمسّك بالعترة، مع ترتيب الأمن من الضلال على هذا التمسّك، يكشف عن أنّ العترة التي جعلها النبيّ (صلى الله عليه وآله) مرجعًا للأمّة ليست جهةً يجوز الركون إلى قولها ثمّ الوقوع في الضلال من جهة اتّباعها، وإلّا لم يتحقّق الغرض من نصبها مرجعًا للهداية، ولم يصحّ إطلاق الوعد بالأمن من الضلال على المتمسّك بها من هذه الجهة.
فلو جاز على المرجع الذي أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله) باتّباعه أن يخطئ في بيان الحكم الإلهيّ، أو يشتبه عليه الحقّ في مقام الإرشاد الدينيّ، لم يكن اتّباعه، بما هو اتّباعٌ له، مأمون العاقبة على نحو الإطلاق؛ لأنّ احتمال الخطأ في المرجع يستلزم احتمال الخطأ في اتّباعه، وهو ما ينافي ظاهر الضمان الوارد في الحديث.
ومن هنا، يستند الاستدلال الإماميّ إلى أنّ جعل العترة عدلًا للكتاب في مقام الهداية، والأمر بالتمسّك بها، وربط ذلك بعدم الضلال، يقتضي عصمتها في الوظيفة التي جُعلت مرجعًا فيها؛ إذ لا يعقل أن يجعل الشارع اتّباع جهةٍ ما طريقًا مأمونًا إلى الهداية، ثمّ يجوّز عليها الخطأ الذي يفضي بالمتمسّك بها إلى الضلال في نفس المجال الذي نُصبت فيه للهداية.
وهذه الدلالة، وإن كانت تامّةً في أصل إثبات المرجعيّة المأمونة للعترة، فإنّ الانتقال منها إلى تعيين الفرقة الناجية يتوقّف على إحراز الفرقة التي حقّقت التمسّك المأمور به، وأخذت معالم دينها عن الأئمّة الذين ثبتت مرجعيّتهم بالنصوص.
والإماميّة الاثنا عشريّة تقيم دعواها على أنّها الفرقة التي التزمت إمامة الأئمّة الاثني عشر من أهل البيت عليهم السلام، وجعلت أقوالهم وتعاليمهم مرجعًا في فهم الكتاب والسنّة، وتستدلّ على ذلك بالنصوص الواردة في تعيينهم، وبالأدلّة الكلاميّة الدالّة على إمامتهم وعصمتهم.
وعليه، فإنّ الاستدلال بحديث الثقلين على نجاة الإماميّة الاثني عشريّة لا يقوم على مجرّد دعوى الانتساب إلى أهل البيت (عليهم السلام)، بل يتألّف من إثبات مرجعيّة العترة، وإحراز عصمتها في مقام الهداية، وتعيين الأئمّة الذين تتحقّق بهم هذه المرجعيّة، ثمّ إثبات أنّ الإماميّة هي الفرقة التي التزمت اتّباعهم دون أن تستبدل بمرجعيّتهم مرجعيّةً أخرى. ويمكن ان يستفاد عدة أصول كلاميّة من الحديث وهي:
الأصل الأوّل: امتناع ضمان الهداية مع تجويز الخطأ في المرجع:
إنّ مقتضى ربط التمسّك بالعترة بالأمن من الضلال أنّ المرجعيّة التي نصبها النبيّ (صلى الله عليه وآله) لا بدّ أن تكون مأمونةً في مقام أداء وظيفتها الدينيّة؛ إذ لو جاز عليها الخطأ في بيان معالم الشريعة، أو في تشخيص ما يجب على المكلّف اعتقاده والعمل به، لم يكن اتّباعها ضامنًا للهداية على النحو الذي يفيده الحديث.
وتقريب البرهان: أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قد رتّب عدم الضلال على التمسّك بالكتاب والعترة، فلو كان التمسّك بالعترة مستلزمًا لاحتمال الضلال من جهة خطئها في الإرشاد، لزم تخلّف الأثر الذي رتّبه الحديث على التمسّك بها. وحيث إنّ الكلام واردٌ في مقام بيان وظيفة الأمّة تجاه المرجعيّة المنصوبة للهداية، فإنّ إطلاق هذا الضمان يقتضي مأمونيّة تلك المرجعيّة من الخطأ في المجال الذي أُمر بالرجوع إليها فيه. وبذلك يكون الحديث، وفق هذا التقريب، من أدلّة عصمة العترة في مقام الهداية الدينيّة، لا بمعنى إثبات كلّ مرتبةٍ من مراتب العصمة بمجرّد هذا النصّ، بل بمقدار ما تقتضيه دلالته من امتناع الخطأ الذي يفضي إلى ضلال المتمسّك بها في الوظيفة التي جعلها الشارع مرجعًا فيها.
الأصل الثاني: ضرورة التمييز بين المرجعيّة المأمونة والفرق المتنازعة:
إنّ حديث الافتراق، على تقدير ثبوت ألفاظه الدالّة على ضلال الفرق غير الناجية، يكشف عن وقوع الاختلاف في الأمّة، وأنّ الانتساب إلى الإسلام لا يستلزم بمجرّده إصابة الحقّ في جميع موارد النزاع.
ومن المقرّر عقلًا أنّ الأقوال المتناقضة لا يمكن أن تكون جميعًا مطابقةً للواقع من الجهة نفسها؛ لاستحالة اجتماع النقيضين. فإذا اختلفت الفرق في أصلٍ اعتقاديٍّ واحد، وأثبتت إحداها ما نفته الأخرى، امتنع الحكم بإصابتهما معًا على نحوٍ متناقض، ولزم البحث عن المعيار الذي يُرجع إليه في تشخيص القول الحقّ.
وهنا يأتي حديث الثقلين ليحدّد المرجعيّة التي أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله) بالتمسّك بها، وهي الكتاب العزيز والعترة الطاهرة. وبذلك لا يكون تعيين الفرقة الناجية تابعًا لمجرّد كثرة الأتباع أو قوّة الدعوى، بل يتوقّف على إحراز موافقتها للميزان الشرعيّ الذي نصّ عليه النبيّ (صلى الله عليه وآله).
الأصل الثالث: استمرار المرجعيّة الدينيّة إلى يوم القيامة:
إنّ تأكيد الحديث أنّ الكتاب والعترة لن يفترقا حتّى يردا على النبيّ (صلى الله عليه وآله) الحوض، يدلّ على استمرار اقترانهما في مقام الهداية، وعدم انقطاع هذه الملازمة قبل ذلك الأمد. ومقتضى هذا الاستمرار أنّ الأمّة لا تُترك، بعد انتهاء عصر الرسالة، بلا سبيلٍ منصوصٍ للرجوع إلى الهداية النبويّة؛ إذ لو انقطعت المرجعيّة التي قرنها النبيّ (صلى الله عليه وآله) بالكتاب، لانتقضت الغاية المستفادة من تأكيد عدم افتراقهما إلى يوم القيامة. وعلى هذا، فإنّ تعيين مصاديق العترة الذين تستمرّ بهم هذه المرجعيّة يُعدّ جزءًا أساسيًّا من البحث الكلاميّ في الإمامة؛ لأنّ إثبات أصل المرجعيّة لا يغني عن تعيين أصحابها، كما أنّ إثبات فضيلة أهل البيت عليهم السلام لا يكفي وحده لإحراز الامتداد التاريخيّ للمرجعيّة التي دلّ عليها الحديث. وتتمسّك الإماميّة الاثنا عشريّة بالنصوص الواردة في تعيين الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام لإثبات أنّهم المصاديق الذين تتحقّق بهم المرجعيّة المستمرّة للعترة، وأنّ خطّ الهداية لم ينقطع بوفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، بل استمرّ في أئمّة أهل بيته المنصوص عليهم.
الأصل الرابع: بطلان الاكتفاء بمجرّد الانتساب إلى أهل البيت عليهم السلام:
إنّ الانتساب إلى العترة الطاهرة، أو إظهار مودّتها والاعتراف بفضلها، لا يساوق بالضرورة تحقّق التمسّك المأمور به في حديث الثقلين؛ فإنّ التمسّك عنوانٌ عمليٌّ وعلميٌّ يتقوّم بالأخذ بهدي المرجع والرجوع إلى تعاليمه، لا بمجرّد الانتساب إليه أو إظهار المحبّة له. وعليه، فإنّ تعيين الفرقة الناجية لا يصحّ أن يُبنى على دعوى المحبّة أو الانتساب وحدهما، بل لا بدّ من إحراز اتّباع العترة في مقام الاعتقاد والعمل، والرجوع إليها في فهم الكتاب والسنّة، وعدم تقديم رأيٍ مخالفٍ لهديها على ما ثبتت حجّيّته عنها.
الأصل الخامس: الملازمة بين التمسّك بالعترة والأمن من الضلال:
إنّ ترتيب الأمن من الضلال على التمسّك بالثقلين ليس مجرّد بيانٍ لفضيلةٍ أخلاقيّةٍ أو أثرٍ تعبّديٍّ منفصلٍ عن مقام المعرفة، بل هو حكمٌ ذو دلالةٍ واضحةٍ في تعيين جهة الهداية؛ لأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قد أرشد الأمّة إلى طريقٍ مخصوص، وجعل التمسّك به موجبًا للسلامة من الضلال. ومقتضى ذلك أنّ اتّباع العترة، في حدود الوظيفة التي أُنيطت بها، ليس أمرًا ثانويًّا أو اختياريًّا لا أثر له في معرفة الحقّ، بل هو جزءٌ من المنهج الذي أرشد إليه النبيّ (صلى الله عليه وآله) لتحصيل الهداية وصيانة الأمّة من الانحراف. وبهذا يظهر أنّ حديث الثقلين يثبت ضرورة الرجوع إلى العترة في معرفة الدين، فيما يكشف حديث الافتراق عن أنّ الاختلاف الواقع في الأمّة يوجب التمييز بين المناهج المتعارضة، فلا يكفي في إحراز النجاة مجرّد ادّعاء إصابة الحقّ، بل لا بدّ من إحراز الموافقة للمرجعيّة التي جعلها النبيّ (صلى الله عليه وآله) ميزانًا للهداية.
الأصل السادس: توقّف تعيين الفرقة الناجية على إحراز التمسّك بالعترة:
إذا ثبت أنّ التمسّك بالكتاب والعترة طريقٌ مأمونٌ من الضلال، وثبت أنّ الأمّة قد افترقت في أصول الاعتقاد ومناهج الاستدلال، فإنّ تعيين الفرقة الناجية يتوقّف على إحراز الفرقة التي حقّقت التمسّك المأمور به، والتزمت المرجعيّة التي دلّ عليها النصّ النبويّ. والإماميّة الاثنا عشريّة تدّعي أنّها الفرقة التي اتّخذت الأئمّة الاثني عشر من أهل البيت عليهم السلام مراجعَ منصوصًا عليهم في بيان معالم الدين، وتلقّت عنهم أصول الاعتقاد وأحكام الشريعة، وقد أقامت على ذلك جملةً من الأدلّة النقليّة والعقليّة في مباحث الإمامة والعصمة والنصّ على الأئمّة.
غير أنّ تمام الاستدلال في هذا الموضع يتوقّف على ضمّ تلك الأدلّة إلى حديث الثقلين؛ إذ لا يكفي إثبات أنّ الفرقة تتمسّك بأهل البيت على نحوٍ إجماليّ، ما لم يُحرز أنّ الأئمّة الذين ترجع إليهم هم المصاديق الذين ثبتت لهم المرجعيّة المأمونة، وأنّ أصولها الاعتقاديّة ومناهجها في فهم الدين موافقةٌ لما ثبت عنهم.
وعليه، فإنّ النصوص المعيّنة للأئمّة الاثني عشر، والأدلّة الدالّة على إمامتهم وعصمتهم، تمثّل الحلقة المتمّمة في الاستدلال على اختصاص الإماميّة الاثني عشريّة بدعوى التمسّك الكامل بالعترة، وتحتاج هذه الحلقة إلى بحثٍ مستقلٍّ لا يصحّ الاستغناء عنه بمجرّد الاستدلال بحديث الثقلين.
الأصل السابع: التكامل الاستدلاليّ بين حديث الثقلين وحديث الافتراق:
إنّ العلاقة بين حديث الثقلين وحديث الافتراق ليست مجرّد توافقٍ في المضمون أو تكرارٍ لمعنى واحد، بل هي علاقةٌ تكامليّةٌ في بناء الحجّة؛ فإنّ حديث الثقلين يتكفّل بتحديد المرجعيّة التي أرشد النبيّ (صلى الله عليه وآله) إلى التمسّك بها لتحصيل الهداية والأمن من الضلال، فيما يتكفّل حديث الافتراق ببيان واقع الاختلاف الذي وقع في الأمّة، وما يستتبعه من ضرورة التمييز بين الفرق في إصابة الحقّ والعدول عنه.
وتوضيح ذلك: أنّ حديث الثقلين يقدّم المعيار الذي ينبغي الرجوع إليه في مقام الهداية، بينما يكشف حديث الافتراق عن أنّ الفرق المنتسبة إلى الأمّة ليست على نهجٍ واحدٍ في الاعتقاد والاستدلال، وأنّ مجرّد الانتساب إلى الإسلام لا يكفي لإحراز النجاة. وإذا ثبت أنّ الأقوال المتناقضة لا يمكن أن تكون جميعًا حقًّا من الجهة نفسها، تعيّن الرجوع إلى الحجّة التي نصبها الشارع لتمييز الحقّ من الباطل.
وبذلك يكون حديث الثقلين ناظرًا إلى تعيين جهة الهداية، ويكون حديث الافتراق ناظرًا إلى واقع التمايز بين الفرق والحاجة إلى تشخيص الفرقة الموافقة لتلك الجهة. فالأوّل يحدّد الميزان، والثاني يبرز موضوع الحاجة إلى تطبيقه؛ ولا يتمّ الاستدلال بتعيين الفرقة الناجية إلّا بعد إثبات المرجعيّة، وتعيين مصاديقها، وإحراز الفرقة التي التزمتها في الاعتقاد والعمل.
ومن ثمّ، فإنّ وجه الاستدلال الإماميّ يتلخّص في أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قد جعل الكتاب والعترة مرجعًا للهداية، وربط التمسّك بهما بالأمن من الضلال، وأكّد استمرار اقترانهما إلى يوم القيامة؛ كما أنّ حديث الافتراق يكشف عن وقوع الاختلاف بين الفرق، وعدم إمكان إصابتها جميعًا للحقّ في موارد التناقض.
فإذا ثبت أنّ الإماميّة الاثني عشريّة هي الفرقة التي التزمت مرجعيّة الأئمّة الاثني عشر من العترة، وثبتت إمامتهم وعصمتهم بالنصوص والبراهين، أمكن الاستدلال بمجموع هذه المقدّمات على انطباق عنوان الفرقة الناجية عليها. وهذا هو حاصل التكامل بين الحديثين: فحديث الثقلين يبيّن المرجعيّة التي بها تُعرف الهداية، وحديث الافتراق يبيّن ضرورة التمييز بين الفرق المتنازعة، والأدلّة الدالّة على تعيين الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام) وإثبات إمامتهم تتولّى إحراز المصداق الذي تتحقّق به تلك المرجعيّة في المذهب الإماميّ.
والحمد لله رب العالمين

اترك تعليق