كفاية العيال والتوسعة عليهم… عبادةٌ تحفظ البيت وتصون المجتمع

ليست الأسرة في منطق أهل البيت عليهم السلام مجرد مجموعة من الأشخاص يعيشون تحت سقف واحد، وليست مسؤولية الرجل تجاه عياله أن يوفّر لهم الطعام والشراب عند الضرورة ثم يظن أنه أدّى ما عليه. إنّ الروايات ترسم صورة أعمق بكثير: الأسرة أمانة، والإنفاق عليها عبادة، والتوسعة عليها من أبواب رضا الله، وإهمالها ليس تقصيراً عابراً، بل قد يتحول إلى إثمٍ يفسد البيت ويجرح كرامة أهله ويهدم شيئاً من تماسك المجتمع.

ومن أجمل ما يكشف عن مكانة هذه المسؤولية قول الإمام زين العابدين عليه السلام: «أرضاكم عند الله أسبغكم على عياله». فالرضا الإلهي هنا لم يُربط بكثرة الكلام، ولا بمجرد المظاهر العبادية، وإنما رُبط بشيء يعيشه الإنسان كل يوم داخل بيته: كيف يعامل من يعول؟ وكيف ينفق عليهم؟ وهل يضيّق عليهم مع قدرته، أم يفتح لهم من السعة التي فتح الله عليه بها؟

والتعبير بـ «أسبغكم» يحمل معنى السعة والتمام والإحسان. وكأن الرواية تقول إن من علامات قرب الإنسان من الله أن يظهر أثر النعمة الإلهية في أقرب الناس إليه قبل أن يظهر في مظهره أمام الناس. فما قيمة أن يكون الإنسان سخياً خارج بيته، بينما أهله يعيشون معه في ضيق، أو يشعرون أنهم آخر من يستحق من ماله واهتمامه؟

ولهذا جاءت رواية محمد بن مسلم لتضع معياراً بالغ الدقة. فقد أخبر رجلٌ الإمام الباقر عليه السلام أن له ضيعةً تدرّ عليه ثلاثة آلاف درهم، ينفق منها ألفين على عياله ويتصدق بألف، فقال له الإمام عليه السلام: «إن كانت الألفان تكفيهم في جميع ما يحتاجون إليه لسنتهم فقد نظرت لنفسك ووفقت لرشدك».

لاحظ كيف لم يقل الإمام للرجل: زد الصدقة واترك لأهلك القليل، ولم يجعل الإنفاق على الأسرة منافساً للصدقة، بل جعل الكفاية أولاً، ثم أثنى على ما وراء ذلك. بل إن الإمام قال له كلاماً عظيماً: «وأجريت نفسك في حياتك بمنزلة ما يوصي به الحي عند موته». أي إنك تصرفت في مالك وأنت حيٌّ بعقل من يعرف أن المال ليس غايةً في ذاته، وأن عليه أن يترك لأهله ما يكفيهم، وأن ينظر إلى مستقبله ومسؤولياته بعين البصيرة.

وهنا تظهر فلسفة مهمة: الإسلام لا يريد من الإنسان أن يتحول إلى شخص يبدّد ماله باسم الكرم، ثم يترك أسرته محتاجة. فالإنفاق الصحيح ليس أن تعطي حيث يراك الناس، وتمنع حيث لا يراك أحد. الإنفاق الصحيح أن تعرف من هم أولى بمالك، وأن تؤدي حق كل ذي حق.

ومن هنا جاءت الرواية الصريحة عن الإمام أبي الحسن عليه السلام: «ينبغي للرجل أن يوسع على عياله كي لا يتمنوا موته».

هذه العبارة شديدة الوقع؛ لأن الإمام لا يتحدث فقط عن الطعام واللباس، وإنما يلفت إلى الأثر النفسي الذي يتركه التضييق المستمر داخل الأسرة. حين يعيش الأبناء والزوجة مع رجلٍ لا يرون منه إلا المنع، ولا يشعرون معه بالأمان والسعة، قد يتحول وجوده في حياتهم من مصدر حماية إلى مصدر ضغط. ولذلك جاء التعبير: «كي لا يتمنوا موته».

ثم استشهد الإمام بقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾، وقال: «الأسير عيال الرجل». فكأن الرواية تريد أن تعلّم الإنسان أن الذين يعيشون تحت مسؤوليته لهم حق في ماله كما أن المحتاجين خارج البيت لهم حق في عطائه. وإذا زادت النعمة، فلا ينبغي أن تتوقف عند صاحبها، بل ينبغي أن تتسع دائرتها لتشمل من يعيشون في كنفه.

ولهذا قال الإمام عليه السلام: «ينبغي للرجل إذا زيد في النعمة أن يزيد أسراءه في السعة عليهم».

إنها صورة جميلة للنعمة في المنظور الإسلامي: النعمة لا تكون عظيمةً لأنك وحدك تملكها، وإنما تكون عظيمة حين يتسع أثرها. فإذا فتح الله عليك في المال، اتسع بيتك. وإذا تحسن دخلك، تحسنت معيشة أهلك. وإذا انتقلت من حال إلى حال، لم يكن ذلك الانتقال شخصياً فقط، بل انعكس على الذين جعلهم الله أمانةً في عنقك.

ثم تحذر الرواية من نتيجة معاكسة تماماً، فتذكر رجلاً أنعم الله عليه بنعمة، «فمنعها أسراءه وجعلها عند فلان فذهب الله بها». وهذه ليست دعوة إلى الجزم بأن كل زوال للمال سببه منع الأهل، وإنما هي تحذير شديد من سوء التعامل مع النعمة: قد يظن الإنسان أن جمع المال لنفسه هو عين المحافظة عليه، بينما تكون البركة في المال مرتبطة بأن يؤدي الإنسان حقوقه، وفي مقدمتها حق من يعول.

ولهذا جاء عن الإمام أبي عبدالله عليه السلام: «اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول».

إنّ «وابدأ بمن تعول» تصحح كثيراً من المفاهيم المشوشة حول الكرم. فالإنسان قد يحب أن يظهر بمظهر الكريم أمام الناس، فيعطي هنا وهناك، ويهدي هذا وذاك، ويتكفل بمشاريع كثيرة، ثم يعود إلى بيته فيمارس التقشف على زوجته وأولاده. والرواية تعيد ترتيب الأولويات: ابدأ بمن تعول. لا تجعل أهلك آخر قائمة المحتاجين إلى كرمك.

ومن هنا قال الإمام الرضا عليه السلام: «صاحب النعمة يجب عليه التوسعة عن عياله».

لاحظ كلمة «يجب»؛ فالحديث ليس عن ترفٍ زائد ولا عن رفاهية بلا حدود. إنما الحديث عن مسؤولية صاحب النعمة. فليس من العدل أن يعيش الإنسان في سعة، بينما يفرض على عياله ضيقاً يستطيع رفعه. وليس معنى التوسعة أن يفتح الإنسان باب الإسراف، وإنما أن يجعل لأهله نصيباً من النعمة التي أنعم الله بها عليه.

وهذا المعنى يتأكد في الحديث النبوي: «المؤمن يأكل بشهوة أهله، والمنافق يأكل أهله بشهوته».

وهنا تنتقل الرواية من المال إلى الأخلاق. المؤمن لا يجعل نفسه مركز البيت، ثم يطلب من الجميع أن يدوروا حول رغباته. بل يدخل في حياة أهله، فيراعي ذوقهم وحاجاتهم ورغباتهم المعقولة. أما أن تكون الأسرة كلها مطالبةً بأن تأكل وتشرب وتعيش وفق ما يشتهي رب البيت وحده، فذلك ليس هو الروح التي تريد الرواية أن تبنيها.

والرواية التالية تكشف أن الكفاية نفسها ينبغي أن تكون مستقرةً ومعروفة. فقد سُئل الإمام الصادق عليه السلام: «أكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقوت عياله قوتاً معروفاً؟» فقال: «نعم، إن النفس إذا عرفت قوتها قنعت به ونبت عليه اللحم».

فالبيت يحتاج إلى شعور بالاستقرار. الإنسان الذي لا يعرف ماذا سيأكل غداً، ولا يعرف هل سيكون في البيت ما يكفيه، يعيش حالة من القلق حتى لو لم يتكلم. أما حين تعرف الأسرة أن لها قوتاً محفوظاً ونفقةً معلومة، فإن النفس تطمئن، ويزول كثير من الاضطراب.

ولهذا كان التحذير شديداً جداً من الإهمال، يقول الإمام الصادق عليه السلام: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعوله».

هذه الرواية وحدها تكفي لتغيير نظرة الإنسان إلى مسؤولية الأسرة. فالتقصير في حق من يعتمد عليك ليس أمراً ثانوياً. قد يصلي الإنسان ويصوم ويتصدق، ثم يكون في بيته من يتألم بسبب بخله أو إهماله أو تركه لمسؤوليته. ولذلك جاءت الرواية لتضع إضاعة العيال في موضع الخطر الأخلاقي والديني.

بل جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «ملعون ملعون من ألقى كلّه على الناس، ملعون ملعون من ضيع من يعول».

إنّ «ألقى كلّه على الناس» تكشف جانباً آخر من المشكلة: أن يعيش الإنسان متكئاً على الآخرين، بينما هو قادر على القيام بمسؤوليته. فليس من الرجولة أن يحمل الأبناء همّ أبيهم، أو تحمل الزوجة مسؤوليات الرجل المالية مع قدرته على القيام بها، أو يتحول الأقارب والمجتمع إلى شبكة إنقاذ دائمة لشخص يرفض العمل والسعي.

وهنا تأتي رواية الإمام زين العابدين عليه السلام بصورة تكاد تكون مشهداً حياً. يقول أبو حمزة: قال علي بن الحسين عليه السلام: «لأن أدخل السوق ومعي دراهم أبتاع به لعيالي لحماً وقد قرموا أحب إلي من أن أعتق نسمة».

تأمل هذا المشهد: الإمام، مع عظيم مقامه، لا يرى النزول إلى السوق وشراء الطعام لأهله عملاً دنيوياً صغيراً. بل يقول إن شراء اللحم لأهله حين اشتاقوا إليه أحب إليه من عتق إنسان.

وليس معنى ذلك التقليل من فضل عتق الرقاب، وإنما بيان عظمة القيام بحاجة العيال عندما يكونون محتاجين إليها. فهناك عبادات وأعمال جليلة، لكن الإنسان لا يجوز أن يستخدم عظمة الأعمال الأخرى ذريعةً للهروب من مسؤولياته القريبة.

بل إن الإمام نفسه كان يخرج في طلب الرزق، حتى قال عنه الإمام الصادق عليه السلام: «كان علي بن الحسين إذا أصبح خرج غادياً في طلب الرزق»، فلما قيل له: أين تذهب؟ قال: «أتصدق لعيالي»، ثم فسّر ذلك بقوله: «من طلب الحلال فهو من الله عز وجل صدقة عليه».

يا لها من إعادة تعريف لمعنى العبادة!

إن الرجل الذي يخرج صباحاً إلى عمله، ويتعب، ويتحمل مشقة الكسب، ثم يعود بما يكفي به أهله، لا ينبغي أن ينظر إلى نفسه على أنه بعيد عن العبادة لأنه لم يكن في مسجد أو محراب. لقد جعل الإمام طلب الرزق الحلال للعيال «صدقة». فالعمل يصبح عبادة حين يحمل في داخله نية القيام بحقوق من استرعاك الله عليهم.

وهنا يتضح أن الإسلام لا يريد رجلاً عاطلاً عن السعي بحجة التوكل، ولا رجلاً بخيلاً بحجة الزهد، ولا رجلاً ينفق على نفسه ثم يطلب من أهله الصبر على ضيقٍ مفتعل. المطلوب هو السعي، والكفاية، والتوسعة بقدر النعمة، والاعتدال الذي يحفظ المال ويحفظ معه كرامة الأسرة.

ولهذا جاء الحديث: «إن المؤمن يأخذ بأدب الله عز وجل، إذا وسع عليه اتسع، وإذا أمسك عليه أمسك».

فالميزان ليس أن تتوسع دائماً، ولا أن تضيق دائماً، وإنما أن تعيش بحسب ما فتح الله عليك. إذا وسّع الله عليك فلا تتصرف وكأنك ما زلت في ضيق، فتحرم أهلك من آثار النعمة. وإذا ضاق عليك المال فلا تتكلف ما لا تستطيع، بل تمسك بقدر ما تقتضيه الحال.

ومن أجمل ما ختمت به هذه المجموعة قول الإمام الصادق عليه السلام: «من سعادة الرجل أن يكون القيم على عياله».

فالسعادة هنا لم تُجعل في كثرة المال، ولا في كثرة الممتلكات، بل في أن يكون الإنسان قائماً على من تحته، حاملاً لمسؤوليته، مطمئناً إلى أنه لم يترك أهله للضياع.

والرواية الأخيرة تضيف حتى التفاصيل الدقيقة إلى هذا المعنى. يقول الإمام الرضا عليه السلام: «ينبغي للمؤمن أن ينقص من قوت عياله في الشتاء ويزيد في وقودهم».

وهذا يكشف أن التوسعة ليست شعاراً مجرداً، بل هي فهمٌ لحاجات الأسرة بحسب ظروفها. فقد يكون الشيء الذي تحتاجه الأسرة في وقتٍ ما هو الطعام، وفي وقتٍ آخر هو التدفئة، وفي ظرفٍ آخر اللباس أو الدواء أو السكن أو التعليم. ولذلك فالرجل القائم على عياله ليس مجرد آلة تدفع المال، وإنما إنسان يلاحظ حاجاتهم ويعرف أين يضع المال.

ومن هنا يمكن أن نفهم خطورة مخالفة هذه الروح في المجتمع.

حين يتحول الأب إلى شخص يجمع المال لنفسه ويمنع أهله، ينشأ في البيت شعور بالحرمان. وحين يرى الأبناء أن أباهم قادر على التوسعة ولكنه يتعمد التضييق، فإنهم لا يتعلمون القناعة، بل قد يتعلمون أن البيت مكان تُحرم فيه حاجاتهم بينما يجدون السعة خارج البيت. وحين تتكرر هذه الصورة، يضعف الشعور بالانتماء الأسري، ويصبح المال سبباً للنزاع بدل أن يكون وسيلةً للاستقرار.

وفي الجهة المقابلة، حين يتعامل الرجل مع النعمة كما أراد أهل البيت عليهم السلام، فإن المال يتحول إلى أداة لبناء الأسرة. يأكل أهله مطمئنين، ويلبسون بكرامة، ويشعر الأبناء أن والدهم مصدر أمان، وتشعر الزوجة أن الرجل الذي معها لا ينظر إلى الإنفاق عليها كأنه منّة، بل كأنه حق ومسؤولية وعبادة.

ولذلك فإن قضية «كفاية العيال والتوسعة عليهم» ليست قضية مالية بحتة؛ إنها قضية تربية، وكرامة، وأمان نفسي، واستقرار اجتماعي. فالبيت الذي يشعر أهله بالكفاية يخرج إلى المجتمع أفراداً أكثر اطمئناناً، بينما البيت الذي يعيش أفراده الإهمال والحرمان قد يحمل ألمه إلى خارج جدرانه.

والروايات في مجموعها ترسم لنا صورة الرجل الذي يريده الإسلام: رجل يسعى في طلب الحلال، ولا يخجل من العمل من أجل عياله؛ إذا وسّع الله عليه وسّع عليهم؛ يبدأ بمن يعول قبل أن يتزين أمام الناس بصورة الكريم؛ لا يترك أهله محتاجين وهو قادر؛ لا يجعل الزهد ذريعة للبخل؛ ولا يجعل الصدقة على الغرباء باباً لإضاعة حقوق الأقربين.

إنّ أجمل ما في هذه التعاليم أن الرجل لا يحتاج لكي يكون عبداً صالحاً إلى أن يبحث دائماً عن الأعمال الكبيرة البعيدة. قد تكون عبادته في السوق، وهو يشتري لأطفاله ما اشتهوه. وقد تكون عبادته في عمله، وهو يسعى ليؤمّن قوت أسرته. وقد تكون عبادته في ليلة باردة، حين يزيد وقود بيته ويخفف من الطعام شيئاً بما يناسب حاجتهم، كما علّم الإمام الرضا عليه السلام.

فالمؤمن الحقيقي لا يسأل فقط: كم أعطيت؟ بل يسأل أيضاً: هل كفيت من جعلهم الله في عنقي؟ هل شعر أهلي بنعمة الله من خلالي؟ هل كنت لهم أماناً أم كنت عبئاً؟

وعندها نفهم لماذا قال الإمام زين العابدين عليه السلام: «أرضاكم عند الله أسبغكم على عياله».

لأن الإنسان قد يخدع الناس بكرمه خارج بيته، لكنه لا يستطيع أن يخفي حقيقة نفسه عن الذين يعيشون معه. هناك، في البيت، يظهر هل كان المال في يده نعمةً أم فتنة، وهل كان قواماً على عياله أم سبباً في ضيقهم، وهل فهم معنى المسؤولية أم اكتفى بالكلام عنها.

وفي النهاية، لا تقول هذه الروايات إن الأسرة يجب أن تعيش الإسراف، ولا تجعل التوسعة باباً للتبذير، بل تؤسس لمعادلة دقيقة: كفايةٌ تحفظ الكرامة، وتوسعةٌ بحسب النعمة، واعتدالٌ يمنع الإسراف، وسعيٌ حلالٌ يقوم بالمسؤولية.

ومن خالف هذه المعادلة فأضاع من يعول، لم يخسر المال وحده؛ بل قد يخسر البركة في ماله، والمحبة في بيته، والطمأنينة في أسرته، والأهم من ذلك أنه يعرّض نفسه لما حذّر منه أهل البيت عليهم السلام بعبارات لا تحتمل التهاون: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعوله».

فليست كفاية العيال فضلاً زائداً بعد أداء الواجبات، بل هي من صميم العبادة؛ وليست التوسعة عليهم ترفاً إذا كان الله قد وسّع على الإنسان، بل هي من شكر النعمة؛ وليس السعي لأجلهم انشغالاً بالدنيا، بل قد يكون ـ كما قال الإمام زين العابدين عليه السلام ـ صدقةً من الله عز وجل على عبده.

: حسين شقرا