دراسة كلامية نقدية لرواية «البعوضة» في تفسير القمي

"إنّ أول ما ينبغي ملاحظته في المقام أنّ مجرد ورود الخبر في كتابٍ من كتب الحديث أو التفسير لا يساوق صحته، فضلاً عن أن يكون حجةً في مقام الاحتجاج العقدي"

من جملة ما أُثير في بعض الكتابات الجدلية حول عقائد الإمامية: الاستناد إلى خبرٍ مرويّ في التفسير المنسوب إلى علي بن إبراهيم القمي، في تفسير قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: 26] (1)، والدعوى أنّ الرواية تجعل «البعوضة» كنايةً عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ثم بناء شبهةٍ على ذلك مفادها أنّ في الرواية تنقيصاً من مقامه الشريف، إذ كيف يُمثَّل الإمام بالبعوضة؟

وهذه الدعوى ـ عند التحقيق ـ لا تستقيم على ميزان البحث العلمي؛ إذ إنّها تقوم على الخلط بين ثبوت الخبر وحجيته، وبين مدلوله ومراده، وبين التمثيل بشيء من جهة مخصوصة وبين تشبيه الذات به من جميع الجهات. وعليه، فلابد من دراسة الرواية من جهتين أساسيتين: جهة السند والثبوت، وجهة الدلالة والمراد وذلك ضمن مباحث نذكرها:

 

المبحث الأول: في ثبوت الرواية وحجيتها

إنّ أول ما ينبغي ملاحظته في المقام أنّ مجرد ورود الخبر في كتابٍ من كتب الحديث أو التفسير لا يساوق صحته، فضلاً عن أن يكون حجةً في مقام الاحتجاج العقدي؛ فإنّ الميزان في الأخبار هو ثبوتها وفق قواعد الجرح والتعديل واعتبار الطريق، لا مجرد وجودها في مصنفٍ روائي. والخبر محل البحث ـ بحسب الطريق المنقول ـ يشتمل على رواة وقع الكلام في حالهم، ومنهم القاسم بن سليمان والمعلّى بن خنيس.

أما القاسم بن سليمان، فلم تثبت وثاقته على نحوٍ ينهض معه السند للاعتماد، وقد عدّه جملة من أهل الرجال في دائرة المجهولين، ومنهم المحقق الأردبيلي (2)، والشيخ البهائي (3).

وأما المعلّى بن خنيس، فقد ورد فيه التضعيف في كلمات رجالية معتبرة، ومن ذلك ما ذكره النجاشي (4) وابن الغضائري (5).

 

وعليه، فغاية ما يثبت من الناحية الحديثية أنّ الخبر لم يثبت بسندٍ تامّ يصلح للاحتجاج به في مقام إثبات حكمٍ عقدي أو نسبة معنى قطعي إلى مذهب الإمامية.

وهذا وحده كافٍ في إسقاط الاستدلال به على سبيل الإلزام؛ إذ لا يصح للباحث أن يحتج على مذهبٍ بأخبار لم تثبت عند أصحابه، ثم يبني عليها حكماً عقدياً أو قدحاً في أصلٍ من أصوله.

بل لو سلّمنا ـ جدلاً ـ بوجود الخبر في بعض المصادر الإمامية، فإنّ أقصى ما يقتضيه ذلك أنّه خبر مروي يحتاج إلى التحقيق السندي والدلالي، لا أنّه يمثل عقيدة الإمامية أو قولاً ملزماً لهم.

 

المبحث الثاني: في تحرير مدلول الرواية

لو تنزلنا عن المناقشة السندية، وسلمنا بصدور الرواية، فإنّ الاستدلال بها على تنقيص أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يتم من جهة الدلالة أيضاً. وذلك لأنّ غاية ما يذكر في الرواية هو ارتباط لفظ «البعوضة» بأمير المؤمنين (عليه السلام)، ولا يلزم من ذلك أن يكون المراد وصف ذاته الشريفة بالبعوضة من حيث حقيقتها أو منزلتها أو فضيلتها.

 

وهنا لابد من التمييز بين أمرين:

الأول: التشبيه الذاتي، بأن يراد أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كالبعوضة في ذاته أو منزلته أو قدره.

والثاني: التمثيل من جهة مخصوصة، بأن يكون ذكر البعوضة جارياً في مقام بيان نسبة المخلوق إلى عظمة الخالق وسعة قدرته وسلطانه.

 

والثاني لا يستلزم الأول بوجه

فقد يضرب المتكلم مثلاً بشيء حقير أو صغير لبيان معنى مخصوص، من غير أن يريد إثبات جميع أوصاف ذلك الشيء للممثَّل به. وهذا من القواعد الأولية في باب الاستعمالات البيانية؛ فإنّ التشبيه لا يقتضي الاشتراك بين الطرفين في جميع الجهات، وإنما يثبت القدر الذي سيق الكلام لبيانه.

وعليه، فلا يصح الانتقال من مجرد ذكر «البعوضة» إلى دعوى أنّ الرواية تريد تنقيص أمير المؤمنين (عليه السلام)، ما لم تثبت جهة التشبيه ومناطه.

 

المبحث الثالث: جهة التمثيل ناظرة إلى عظمة الله سبحانه:

إنّ التأمل في سياق الرواية يكشف أنّ المقصود ـ على فرض ثبوتها ـ ليس الانتقاص من أمير المؤمنين (عليه السلام)، وإنما بيان عظمة الله سبحانه وإحاطة قدرته بالمخلوقات كافة.

وهذا معنى عقائدي لا إشكال فيه، بل هو من صميم التوحيد؛ فإنّ جميع ما سوى الله سبحانه ـ مهما علت مرتبته وشرف مقامه ـ فهو مخلوق لله، قائم به، مفتقر إليه، ومقهور تحت سلطان قدرته. فالنبي (صلى الله عليه وآله) مع كونه سيد الأنبياء وأشرف الخلق، عبدٌ لله سبحانه، وكذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) مع علو مقامه ورفعة منزلته عبدٌ لله سبحانه. ومن هنا، فإنّ بيان افتقار النبي والإمام إلى الله سبحانه لا يتضمن انتقاصاً منهما، بل يثبت لهما مقام العبودية الذي هو من أشرف المقامات. وقد ورد في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام) ما يفسر هذا المعنى ويكشف عن جهة الكلام، حيث نقل عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّ بعض الناس حملوا رواية «البعوضة» على غير وجهها، فبيّن أنّ المقصود هو النهي عن جعل مشيئة النبي أو أمير المؤمنين في قبال مشيئة الله تعالى، وأنّ مشيئة الله سبحانه هي القاهرة التي لا تساوى ولا تدانى. ثم ورد فيه التمثيل بالنبي وأمير المؤمنين (عليهما السلام) بالذبابة والبعوضة بالنسبة إلى الممالك الواسعة لله تعالى، مع التصريح بعظيم فضل الله تعالى عليهما (6).

فالقرينة هنا واضحة: المقام مقام توحيد وتنزيه لله سبحانه، لا مقام انتقاص من أوليائه. وشتان بين أن يقال: إنّ الإمام كالبعوضة في مقام الفضل والمنزلة، وبين أن يقال: إنّ الإمام ـ مع عظيم فضله وعلو مرتبته ـ لا يخرج عن كونه مخلوقاً فقيراً إلى الله سبحانه إذا لوحظت نسبته إلى سلطان الله ومطلق قدرته.

والثاني معنى صحيح لا يمس مقام الإمامة، بل ينسجم مع أصل العبودية والتوحيد.

 

المبحث الرابع: في الفرق بين «الوصف» و«التمثيل»

ومن أهم ما ينبغي التنبيه عليه في المقام أنّ العبارة الواردة في الخبر لا يصح اقتطاعها عن السياق وحملها على ظاهرٍ ابتدائي يوهم معنى التنقيص. فإذا قيل: «البعوضة لأمير المؤمنين»، أو «البعوضة أمير المؤمنين»، فلا يلزم منه أن يكون المراد أنّ حقيقة أمير المؤمنين (عليه السلام) بعوضة، وإنما يحتمل أن يكون المراد أنّ البعوضة مَثَلٌ مضروبٌ في شأنه أو له. وهذا من أساليب العربية في الحذف والإيجاز، ولا سيما إذا كان المقام مقام بيان أو تفسير.

وقد تعرض علماء العربية لموارد حذف حرف الجر وإيصال العامل إلى الاسم، وذكروا لذلك شواهد من كلام العرب، ومنه ما حكاه سيبويه في بعض أساليبهم (7).

وعليه، فلا يصح بناء شبهة عقدية على قراءةٍ حرفيةٍ مبتورة لعبارة محتملة، مع وجود قرائن سياقية وبيانية تصرفها عن ذلك المعنى.

 

المبحث الخامس: بطلان الملازمة بين صِغَر المثل وصِغَر الممثَّل به

ثم إنّ أصل الشبهة مبني على ملازمةٍ غير صحيحة، وهي أنّ من مُثّل بالبعوضة فقد وُصف بالحقارة.

 

وهذه الملازمة ممنوعة؛ لأنّ التمثيل إنما يدور مدار الجهة التي سيق لأجلها.

فلو قيل مثلاً: إنّ أمر الدنيا بالنسبة إلى الآخرة كالظل بالنسبة إلى الشيء، لم يلزم أن تكون جميع خصائص الظل ثابتة للدنيا، وإنما المقصود جهة الزوال وعدم الثبات. وكذلك إذا ضُرب مثل بشيء صغير لبيان نسبة المخلوق إلى عظمة الخالق، فلا يلزم من ذلك إثبات جميع خصائص الصغر أو الحقارة للممثَّل به.

وعليه، فإنّ صغر البعوضة لا يقتضي ـ في نفسه ـ إرادة صغر مقام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ما دام الكلام مسوقاً في مقام آخر، وهو بيان عظمة الله سبحانه وسعة ملكه وعدم قابلية المخلوق لمقايسة الخالق.

 

المبحث السادس: المقام العلوي لا يتعارض مع كمال العبودية

إنّ من أصول المعرفة الكلامية أنّ علو مقام الإمام لا يعني خروجه عن حد العبودية لله سبحانه، بل إنّ كمال الإمامة والولاية لا ينفك عن كمال العبودية. فالإمام، وإن كان حجة الله على خلقه، وأعلمهم بأمر الله، وأطوعهم له، وأشرفهم منزلة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يبقى مخلوقاً لله سبحانه، مفتقراً إليه في وجوده وبقائه وقدرته.

ومن هنا، فإنّ نسبة الإمام إلى الله سبحانه هي نسبة العبد إلى مولاه والمخلوق إلى خالقه، ولا يصح جعل إثبات هذه النسبة قدحاً في مقامه. بل إنّ الغلو إنما ينشأ من رفع المخلوق عن حد العبودية وإعطائه خصائص الربوبية، ولذلك كان تنزيه مقام الألوهية وإثبات العبودية للأولياء من مقتضيات التوحيد الصحيح.

وعليه، فإذا كان المراد من الرواية ـ على فرض صدورها ـ بيان أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، مع عظيم منزلته، مخلوقٌ داخل في سلطان الله سبحانه وقدرته، فهذا ليس طعناً في مقامه، بل هو تقرير لأصل التوحيد مع حفظ مقام الولاية.

 

يتحصل من مجموع ما تقدم أنّ الاستدلال برواية «البعوضة» للطعن في مقام أمير المؤمنين (عليه السلام) لا ينهض على أساسٍ علمي، وذلك من جهتين:

الأولى: من جهة السند: أنّ الرواية لم يثبت طريقها على نحوٍ تامّ وفق الموازين الرجالية، فلا يصح جعلها مستنداً لإثبات عقيدة أو إلزام الإمامية بمضمونها.

والثانية: من جهة الدلالة: أنّ الرواية ـ على فرض ثبوتها ـ لا تدل على أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) موصوف بالبعوضة من حيث الذات أو الفضل والمنزلة، وإنما أقصى ما يمكن أن يستفاد منها هو التمثيل بغاية صغر المخلوق بالنسبة إلى عظمة الخالق وسعة ملكه وقدرته، وهو معنى لا يمس مقام الإمام، بل يندرج في أصل التوحيد والعبودية.

وعليه، فالمغالطة في هذه الشبهة ناشئة من إغفال جهة التمثيل، وإلغاء السياق، والخلط بين التشبيه في جهة مخصوصة وبين التشبيه المطلق، ثم بناء حكمٍ عقدي على خبرٍ لم يثبت سنده. والمنهج العلمي يقتضي قبل توجيه الإشكال أن يُسأل أولاً: هل ثبت الخبر؟ ثم: ما المراد منه على تقدير ثبوته؟ ثم: هل يلزم من ذلك المحذور المدعى؟

وفي المقام لا يثبت الأول على الوجه الذي يصلح للاحتجاج، ولا يثبت الثاني بالمعنى الذي يوجب التنقيص، فلا يبقى للشبهة أساسٌ صالح للاعتماد.

بل إنّ مقتضى التحقيق أن يقال: إنّ علو مقام أمير المؤمنين (عليه السلام) لا ينافي كونه عبداً لله سبحانه، كما أنّ بيان افتقار أعظم الخلق إلى خالقهم لا ينقص من شرفهم، وإنما يكشف عن كمال التوحيد؛ فالكمال كل الكمال في أن يكون العبد في غاية القرب والمنزلة، مع كمال افتقاره وعبوديته لله سبحانه.

والحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ تفسير القميّ ج۱ ص٣٥.

2ـ مجمع الفائدة ج٢ ص٨٦.

3ـ الحبل المتين ص١٨٤.

4ـ رجال النجاشيّ ص٤١٧.

5ـ رجال ابن الغضائريّ ص٨٧.

6ـ تفسير العسكري ص٢٠٩.

7ـ مجمع البيان ج١ ص٢٨.

: السيد علي رحيم الموسوي