حين يصبح الوعي مسؤولية: ماذا يريد المجتمع من شبابه؟

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]. تضع هذه الآية الكريمة الإنسان أمام حقيقةٍ عميقةٍ في سنن التغيير الاجتماعي، مفادها أنّ التحوّل في أحوال الأمم والمجتمعات لا يبدأ ـ في كثير من الأحيان ـ من خارج الإنسان، ولا تصنعه الظروف وحدها، وإنّما ينطلق من الداخل؛ من وعي الإنسان بذاته وواقعه، ومن قدرته على تشخيص مواضع الخلل، واستحضار مسؤوليته تجاهها، ثم تحويل هذا الوعي من مجرّد إدراكٍ ذهني إلى إرادةٍ فاعلة وسلوكٍ مسؤول.

 

ومن هنا، فإنّ الحديث عن وعي الشباب لا ينبغي أن يُختزل في كثرة المعلومات، أو سعة الاطلاع، أو القدرة على مناقشة القضايا العامة، بل الوعي الحقيقي هو الذي يتحوّل إلى مسؤوليةٍ اجتماعية، وموقفٍ أخلاقي، وعملٍ إصلاحي.

 

فحين يصبح الوعي مسؤولية، لا يعود الشاب مجرّد فردٍ يعيش داخل المجتمع ويتأثر بأحداثه، بل يتحوّل إلى عنصرٍ فاعلٍ قادرٍ على التأثير في واقعه والإسهام في صناعة مستقبله. والمجتمع لا يحتاج من شبابه أن يكونوا أكثر معرفةً فحسب، بل يحتاج إلى أن تتحوّل معرفتهم إلى موقف، وثقافتهم إلى سلوك، وقدراتهم إلى إنجاز.

 

إذ إنّ المشكلة في كثير من الأحيان ليست في قلّة المعرفة بالمشكلات، بل في وجود أجيالٍ تدرك مكامن الخلل، وتتحدث عنها بإسهاب، ثم لا تشعر بأنّ عليها مسؤوليةً في مواجهتها.

 

وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (1).

 

وهذا الحديث الشريف يؤسس لمبدأٍ عام في المسؤولية، وهو أنّ المسؤولية ليست حكراً على أصحاب المناصب والمواقع الرسمية، بل هي ملازمة للإنسان بقدر دائرة تأثيره وقدرته على الفعل. والشاب مسؤول عن نفسه، وأسرته، وأصدقائه، وبيئته التعليمية أو المهنية، وعن الكلمة التي ينشرها، والموقف الذي يتخذه، والأثر الذي يتركه في الآخرين.

 

ومن هنا، فإنّ المجتمع حين ينظر إلى شبابه لا ينتظر منهم المستحيل، وإنّما ينتظر منهم جملةً من المقومات التي تجعلهم طاقةً بنّاءة في معالجة مشكلاته، والنهوض بثقافته، وصناعة مستقبله.

 

أولاً: أن يكون الشاب واعياً بمشكلات مجتمعه:

لا يمكن معالجة مشكلةٍ لم تُفهم حقيقتها، ولا يمكن بناء مشروعٍ إصلاحي من دون تشخيصٍ دقيقٍ للواقع.

والوعي الاجتماعي يبدأ من القدرة على رؤية الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون. فالشاب الواعي لا يكتفي بالحديث عن البطالة، وضعف التعليم، والتفكك الأسري، والظواهر الثقافية السلبية، بل يتجاوز مرحلة التوصيف إلى التشخيص والتحليل؛ فيسأل: لماذا ظهرت هذه المشكلة؟ وما العوامل التي أسهمت في نشوئها؟ وما آثارها؟ ومن الفئات المتضررة منها؟ وما الوسائل الواقعية لمعالجتها؟ فالوعي ليس أن نعرف أنّ هناك مشكلة فحسب، وإنما أن نفهم أسبابها ونتائجها وآليات التعامل معها.

ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الشباب التعامل مع القضايا الاجتماعية بمنطق الانفعال؛ فيصدرون الأحكام قبل استكمال عناصر الفهم، ويبحثون عن شخصٍ يحملونه مسؤولية كل شيء، بدلاً من البحث عن جذور المشكلة وشروط معالجتها.

 

أما الإنسان الواعي، فيدرك أنّ التشخيص مقدّم على العلاج، والفهم مقدّم على الحكم، والحكمة مقدّمة على الانفعال؛ لأنّ إصلاح الواقع لا يتحقق بمجرد ارتفاع الصوت، وإنما يحتاج إلى بصيرةٍ وصبرٍ ونظرٍ موضوعي.

 

ثانياً: أن يتحمل مسؤوليته ولا ينتظر الآخرين:

من أخطر الأفكار التي يمكن أن تستقر في وعي الشباب أن إصلاح المجتمع مسؤولية الدولة أو المؤسسات أو العلماء أو كبار السن وحدهم.

ولا شك أنّ لكل جهةٍ مسؤولياتها بحسب موقعها وإمكاناتها، إلا أنّ ذلك لا يبرّر للإنسان أن يتخلّى عن مسؤوليته الشخصية.

فالشاب مسؤول عن أسرته، وعن أصدقائه، وعن بيئته الدراسية والمهنية، وعن أسلوب تعامله مع وسائل التواصل الاجتماعي، وعن الأخبار التي ينشرها، والأفكار التي يروّج لها، والمواقف التي يتبنّاها.

وقد لا يستطيع الشاب معالجة مشكلةٍ كبرى على مستوى المجتمع، لكنه يستطيع أن يمنع مشكلةً صغيرة من أن تتفاقم في محيطه. وقد لا يستطيع إصلاح مؤسسةٍ بأكملها، لكنه يستطيع إصلاح أسلوب تعامله مع الآخرين. وقد لا يستطيع إنشاء مشروعٍ ضخم، لكنه يستطيع أن يبدأ بمبادرةٍ صغيرة ينتفع بها عدد من الناس.

 

وليس المطلوب من الشاب أن يصلح العالم بأسره، وإنّما المطلوب منه ألّا يكون جزءاً من المشكلة وهو قادر على أن يكون جزءاً من الحل.

 

ثالثاً: أن يحوّل معرفته إلى عمل:

إنّ المجتمع لا ينتفع كثيراً بشابٍّ يمتلك رصيداً معرفياً واسعاً، لكنه عاجز عن تحويل معرفته إلى أثرٍ في الواقع. فالمعرفة التي لا تنعكس على السلوك والعمل قد تتحول إلى مجرّد تراكمٍ ذهني، بينما المعرفة النافعة هي التي تعيد تشكيل وعي الإنسان، وتدفعه إلى العمل، وتفتح أمامه آفاقاً جديدة في خدمة نفسه ومجتمعه.

فالشاب الذي يقرأ عن مشكلات التعليم يمكنه أن يساعد طالباً يحتاج إلى الدعم، ومن يمتلك مهارةً يستطيع أن ينقلها إلى غيره، ومن لديه قدرةٌ ثقافية يمكنه أن يسهم في نشر الوعي، ومن يعرف مشكلةً اجتماعية ويستطيع المساهمة في معالجتها لا ينبغي أن يكتفي بالحديث عنها.

وهنا تتحوّل المعرفة من ملكية فردية إلى منفعة اجتماعية.

فالإنسان لا يُقاس فقط بمقدار ما يعرف، وإنما بما أحدثته معرفته من أثرٍ في نفسه وفي محيطه. ولهذا يحتاج المجتمع إلى شبابٍ يقرؤون ثم يعملون، ويتعلمون ثم يقدّمون، ويفكرون ثم يبادرون؛ لأنّ العلم الذي لا يتحرك في الواقع يبقى محدود الأثر مهما اتسع مداه.

 

رابعاً: أن يحافظ على وعيه الثقافي وهويته:

يعيش الشباب اليوم في عالمٍ مفتوح تتدفق فيه الأفكار والقيم والصور والمفاهيم من مختلف الاتجاهات.

والانفتاح على العالم ليس مشكلةً في ذاته، بل قد يكون فرصةً واسعة للتعلم والاستفادة وتبادل الخبرات، غير أنّ المشكلة تبدأ حين ينفتح الإنسان على العالم من دون أن يعرف نفسه.

فالشاب الذي يجهل جذوره وقيمه وتاريخه يكون أكثر عرضةً لأن يعيش تابعاً لما يراه حوله، بينما يستطيع الشاب الواثق بهويته أن ينفتح على الآخرين من دون أن يفقد شخصيته، وأن يستفيد من تجارب الأمم من دون أن يتنازل عن ثوابته وقيمه.

والهوية ليست شعاراتٍ تُرفع، ولا مجرد معرفةٍ بالتاريخ، وإنما هي وعيٌ بالقيم واللغة والتاريخ والانتماء والمرجعية الأخلاقية التي تحدد للإنسان كيف يعيش، وكيف يختار، وكيف يميّز بين ما ينبغي أن يأخذ به وما ينبغي أن يرفضه.

فالمجتمع يحتاج إلى شابٍّ يعرف العالم، لكنه يعرف نفسه أيضاً؛ يقرأ الأفكار الجديدة، لكنه لا يستسلم لها قبل نقدها وتمحيصها؛ ينفتح على الآخر، لكنه لا يسمح للانفتاح أن يتحول إلى ذوبان.

 

 

خامساً: أن يمتلك روح المبادرة:

من أهم ما يحتاجه المجتمع من شبابه أن يتحرروا من ثقافة الانتظار.

فالشاب الذي ينتظر دائماً الوظيفة، والفرصة، والحل، والمبادرة من الآخرين، قد يمضي سنواتٍ طويلة وهو يشعر أنّ الحياة لم تمنحه شيئاً، بينما يستطيع الشاب المبادر أن يبدأ بما يملك، وإن كان قليلاً. والمبادرة لا تعني بالضرورة تأسيس مشروعٍ كبير أو مؤسسةٍ واسعة، فقد تبدأ بفكرة، أو نشاطٍ ثقافي، أو عملٍ تطوعي، أو مبادرةٍ تعليمية، أو معالجة مشكلةٍ في الحي أو المدرسة أو الجامعة.

وقد لا تكون البداية كبيرة، لكن قيمتها الحقيقية أنّها تربي في الإنسان الشعور بالقدرة على الفعل، وتخرجه من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل. والفرق كبير بين شابٍّ يسأل: ماذا فعل المجتمع من أجلي؟ وشابٍّ يسأل: ماذا أستطيع أن أفعل من أجل مجتمعي؟

الأول ينتظر، والثاني يبدأ. الأول يبحث عن المسؤولية خارج نفسه، والثاني يكتشف أنّ له دوراً، مهما كان محدوداً.

 

سادساً: أن يتعلم الحوار واحترام الاختلاف:

المجتمع الذي يريد التقدّم يحتاج إلى شبابٍ يعرفون كيف يختلفون من دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة، وكيف يناقشون من دون أن يتحول النقاش إلى إساءة، وكيف يدافعون عن أفكارهم من دون أن يسقطوا في إلغاء الآخر.

فالوعي لا يعني أن يعتقد الإنسان أنّه يمتلك الحقيقة في كل مسألة، بل يعني أن يعرف كيف يستمع، وكيف يناقش، وكيف يراجع موقفه إذا ظهر له الخطأ.

والحوار الواعي يحمي المجتمع من كثيرٍ من الانقسامات التي قد تبدأ بكلمةٍ وتنتهي بقطيعة، أو تبدأ باختلافٍ فكري وتنتهي بعداوةٍ اجتماعية.

والشاب الذي يتعلم احترام المخالف له في الرأي يكون أكثر قدرةً على بناء العلاقات، وأكثر استعداداً للعمل المشترك، وأقدر على إدارة الاختلاف بصورةٍ حضارية.

إنّ قوة الشباب لا تظهر عندما يتفقون في كل شيء، وإنما تظهر عندما يستطيعون أن يختلفوا في التفاصيل، ويتفقوا على المبادئ والقضايا الكبرى التي تمسّ مستقبل مجتمعهم.

 

سابعاً: أن يحمل همّ المستقبل لا همّ اللحظة فقط:

الشاب الذي يعيش أسير اللحظة قد يستنزف طاقته في متابعة الأحداث والتعليق عليها، بينما الشاب الذي يحمل همّ المستقبل يسأل: ماذا سيكون حال مجتمعنا بعد سنوات؟ ما المهارات التي يحتاجها الجيل القادم؟ ما نوع الثقافة التي ينبغي أن تنتشر؟ وما المشكلات التي يجب أن نبدأ بمعالجتها قبل أن تتفاقم؟

 

فالمستقبل لا يأتي جاهزاً، وإنّما تصنعه القرارات الصغيرة التي نتخذها اليوم، ولذلك فإنّ المجتمع يحتاج إلى شبابٍ يتعلمون، ويطوّرون أنفسهم، ويكتسبون المهارات، ويقرأون الواقع، ويستشرفون المراحل القادمة.

إنّ صناعة المستقبل تحتاج إلى إنسانٍ لا يكتفي بأن يكون متلقياً لما يصنعه الآخرون، بل يمتلك القدرة على التفكير، والإبداع، والعمل الجماعي، وتحمل المسؤولية.

 

خاتمة:

إنّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11] ليس آيةً تُتلى في المناسبات فحسب، بل هو مبدأٌ قرآني في فهم حركة التغيير والإصلاح؛ إذ يبدأ التغيير من الإنسان، من طريقة تفكيره، ومستوى وعيه، واستعداده لتحمل مسؤوليته.

وحين يتحول الوعي إلى مسؤولية، تتغير صورة الشباب في المجتمع؛ فلا يعود الشاب مجرد رقمٍ في الإحصاءات، ولا متلقياً للأحداث، ولا أسيراً للتذمر من الواقع، بل يصبح شريكاً في إصلاحه وصناعة مستقبله.

والمجتمع الذي يريد مستقبلاً أفضل عليه أن يثق بشبابه، لكنّ الشباب ـ في المقابل ـ مطالبون بأن يكونوا جديرين بهذه الثقة؛ فالمستقبل لا يُمنح لجيلٍ جاهز، وإنما يصنعه جيلٌ أدرك أنّ وعيه ليس امتيازاً شخصياً، وأنّ علمه ليس زينة، وأنّ ثقافته ليست ترفاً، وأنّ قدرته ليست ملكاً خاصاً.

إنّ الوعي الحقيقي هو أن يشعر الإنسان بأنّ ما يعرفه يحمّله مسؤولية، وأنّ ما يمتلكه من قدرة يفرض عليه أن يقدّم شيئاً، وأنّ ما يراه من خلل لا يسمح له أن يقف بعيداً وكأنّه لا يعنيه.

وعندما يبلغ الشباب هذه المرحلة من النضج، يتحولون إلى قوة بناء حقيقية؛ لأنهم لا ينتظرون أن يتغير المجتمع حتى يتحركوا، بل يبدأون بأنفسهم، ويغيّرون ما يستطيعون تغييره، ويمهّدون بخطواتهم الصغيرة لتحولاتٍ أكبر.

وهنا يتجلّى المعنى العميق للآية الكريمة؛ فالأمم لا تنهض بالأمنيات، والمجتمعات لا تتغير بكثرة الشكوى، وإنما تبدأ النهضة عندما يتحول الإنسان من متفرجٍ على الواقع إلى مسؤولٍ عنه، ومن مستهلكٍ لما يصنعه الآخرون إلى شريكٍ في صناعة ما سيأتي.

وهذا هو الدور الذي ينتظره المجتمع من شبابه: أن يعرفوا، وأن يعوا، وأن يتحملوا، وأن يبادروا، وأن يعملوا، وأن يكونوا جزءاً من صناعة المستقبل لا مجرد شهودٍ عليه.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ جامع الأخبار ص327، ميزان الحكمة ج4 ص1213.

: الشيخ ميثم شعلان طراد الصريفي