التطبيع مع المنكر

إن خطورة الذنب لا تقف عند حدود الممارسة الفردية المستترة، بل تتضاعف خطورته حين يتحول سلوكاً معلناً يزاحم الفضيلة في الفضاء العام وتغدو الطامة الكبرى حين يتحول المنكر من (حالة نشاز) يلفها الخجل والستر إلى (ظاهرة مألوفة) تطالعها العيون بلا إنكار، وتألفها القلوب بلا استعظام. هذا الانتقال من (حرمة الذنب إلى التطبيع معه) هو ما يعبرنه بـ التطبيع مع المنكر. التطبيع: هو إزالة الاستنكار القلبي والعملي، بحيث يصبح المنكر مألوفاً لا يُستغرب، وهو ما يُسمى في الفقه الإسلامي بـ "ترك النهي عن المنكر".

﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 78-79].

وهذه الظاهرة هي الوجه الحديث لعمل الشيطان الذي وصفه القرآن: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النحل: 63].

حماية الفضاء العام من الانتهاك في الشريعة الإسلامية

لقد حذّر القرآن الكريم من تفشي الفاحشة واستسهال الذنب في الفضاء الاجتماعي، وجعل الرضا بالمنكر والسكوت عنه شريكاً في إثمه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: 19].

إن الجهر بالمعصية اعتداء صارخ على حريم الأمة الأخلاقي، وتجرؤ على سلطان الشريعة.

يقول الحق جلّ وعلا: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾. [النساء: 148]. فالأصل الحاكم هو حظر الإعلان بالسوء حمايةً للذوق العام والسلم الأخلاقي.

​والسر في ذلك أن المعصية المستترة تبقى حبيسة صاحبها، أما التطبيع معها ونشرها فيسقط هيبة الشريعة في النفوس، ويُجرّئ الضعفاء على اقترافها.

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تزال أمتي بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر". (وسائل الشيعة ج 16 ص 123).

عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "يا أيُّها الناس إن الله يقول لكم: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا أجيب لكم وتسألوني فلا أعطيكم وتستنصروني فلا أنصركم". (ميزان الحكمة ج 3 ص 1945).

عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "إنَّ المعصية إذا عمل بها العبد سراً لم تضر إلا عاملها وإذا عمل بها علانية ولم يغير عليه أضرت بالعامة". (وسائل الشيعة ج16 ص 136).

​ ان منهج أهل البيت (عليهم السلام): تعريّة التطبيع مع المنكر ومحاربة إماتة القلوب

حيث سار أئمة الهدى (عليهم السلام) على نهج تعرية هذه الظاهرة، مبينين أن الخطورة ليست في أصل وقوع المعصية فحسب، بل في الضمير الذي لا يستنكر المنكر ولا ينهى عنه وانهيار الوازع الرادع.

 عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في حديث مرعب يصف مآلات التطبيع: «كَيْفَ بِكُمْ إِذَا فَسَدَتْ نِسَاؤُكُمْ، وَفَسَقَ شَبَابُكُمْ، وَلَمْ تَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَلَمْ تَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَقِيلَ لَهُ: وَيَكُونُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ! كَيْفَ بِكُمْ إِذَا أَمَرْتُمْ بِالْمُنْكَرِ وَنَهَيْتُمْ عَنِ الْمَعْرُوفِ؟ فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ! كَيْفَ بِكُمْ إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَعْرُوفَ مُنْكَرًا وَالْمُنْكَرَ مَعْرُوفًا؟».  (الكافي ج 5 ص 59).

عن أمير المؤمنين عليه السلام: "إنَّما يجمع الناس الرضا والسخط وإنَّما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمَّهم الله بالعذاب لما عمّوه بالرضا" (بحار الأنوار ج 60 ص 214).

​فعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «مَنْ تَرَكَ إِنْكَارَ الْمُنْكَرِ بِقَلْبِهِ وَيَدِهِ وَلِسَانِهِ، فَهُوَ مَيِّتٌ بَيْنَ الْأَحْيَاءِ». (ميزان الحكمة ج 3 ص 1951).

​وعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في بيان أثر التطبيع على القلب: «إِذَا أَذْنَبَ الرَّجُلُ خَرَجَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِنْ تَابَ مَُحِيَتْ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى تَغْلِبَ عَلَى قَلْبِهِ، فَلا يُفْلِحُ بَعْدَهَا أَبَدًا». (بحار الانوار ج 73 ص327).

​إن هذا التدرج في النكتة السوداء هو التجسيد الدقيق لمفهوم "التطبيع"؛ حيث يعتاد القلب على الرؤية، فيفقد حرارة الإنكار، ثم يتدرج من السكوت إلى القبول، ثم إلى المدافعة عن المنكر تحت عناوين براقة كـ "الحرية" و"العفوية".

الشواهد الشعرية

تغنى الأدباء بالحياء باعتباره الجدار الخرساني الأخير قبل انهيار الفرد والمجتمع

يقول الشاعر أبو تمام مبيناً أن الحياء هو إكسير الحياة الأخلاقية:

فَلا وَاللَّهِ مَا فِي العَيْشِ خَيْرٌ ... وَلا الدُّنْيَا إِذَا ذَهَبَ الحَيَاءُ

يَعِيشُ المَرْءُ مَا اسْتَحْيَا بِخَيْرٍ ... وَيَبْقَى العُودُ مَا بَقِيَ اللِّحَاءُ

الخاتمة

إن الحفاظ على بيضة الإسلام وسياج الفضيلة في هذا الزمان الذي تتلاطم فيه أمواج الفتن الرقمية، يتطلب يقظةً تربويةً واعية، تدرك أن السكوت عن التجاهر بالمنكر هو إعانةٌ عليه، وأن التغاضي عن مبادئ التطبيع الأخلاقي يورث الجفاء في القلوب والانقطاع عن فيوضات ولي الله الأعظم (عجل الله فرجه الشريف).

​وإن الواجب الشرعي والأخلاقي يُحتم على حملة القلم وأرباب المنابر وأصحاب الكلمة أن يقفوا سداً منيعاً أمام استمراء الفاحشة.

​فالحذر الحذر من أن تستلين نفوسنا للقبول بالذنب أو الاعتياد عليه، وليكن رهاننا دائماً على إحياء الحياء، وتشييد حصون الستر، وتربية الأجيال على استعظام حرمات الله، لنكون بحقٍّ من الممهدين لظهور القائم من آل محمد (عجل الله فرجه الشريف)، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلئت جوراً وظلماً.

​والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

: الشيخ علاء محسن السعيدي