كُلُّ مُصابٍ قَبلكَ جَلِيل ، وكُلُّ مُصابٍ بعدَكَ جَلَل
فلم ولن يصاب الناس بمثل ذلك أبداً، ولذلك نجد علياً (عليه السلام) يقول شعراً:
كُنتَ السَّوادَ لناظِرِي *** فَبَكى عَليكَ الناظِرُ
مَنْ شاءَ بعدَكَ فَلْيَمُتْ *** فَعَليكَ كُنتُ أُحاذِرُ
***
شخصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تجمع الصفات المثالية في كل شيء، وكان هذا ما ألهم الله به جده عبد المطلب عندما سماه "محمد"، فسئل عن هذا الاسم غير المعتاد فقال إنه "يجمع الصفات المحمودة".
وقد وصفه القرآن بصاحب الخلق العظيم وبالحريص على المؤمنين وغيرها،
إلا أن أعظم صفة هي التي تتعلق بالهدف من الخلق كله ((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون))، أي العبودية لله تعالى؟
***
فكيف وصف القرآن عبودية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لله؟
ذكر الأنبياء (عليهم السلام) بأسمائهم مع العبودية
نلاحظ أنه عندما يذكر القرآن أحد الأنبياء (عليهم السلام) فإنه إما يذكره باسمه الشخصي فقط أو يذكره بصفة العبودية ولكن مع الاسم الشخصي أيضاً. من ذلك:
ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ . إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ . إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَولكن عندما يأتي إلى ذكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أحياناً فإنه لا يصفه إلا بالعبودية:
وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌفإن قيل أن هذه واضحة في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنها تتحدث مع المسلمين، قلنا أن هناك آيات أخرى ليست كذلك:
بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًالأن "الكتاب" و "الفرقان" صفتان لكتاب موسى (عليه السلام) مثلاً، مع ذلك لم تسم الآيتان ذلك العبد المنزل عليه الكتاب والفرقان، ولكن عند ذكر موسى (عليه السلام) فإن اسمه يذكر.
أو:
آية الإسراء: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى ... آيات المعراج: فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى . ما كذب الفؤاد ما رأى آية استماع الجن: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًاوكلها لا تسميه مع أننا نعلم أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي أسري به، وهو الذي عرج به، وهو الذي استمعت إليه الجن.
وربما ترد في الذهن آيات لا تسمي العبد أيضاً، ولكن النظر فيها يوضح أنها ليست استثناءات:
فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًاوهو الذي لم يذكر اسمه هو "العبد الصالح" الذي يسميه البعض "الخضر"؛
إلا أن هذا من نوع آخر من البيان، لأن القضية لتعليم موسى (عليه السلام) أن هناك من هو أعلم منه. كما أن الضم إلى عباد آخرين في قوله ((من عبادنا)) يجعله جزءاً من كل.
ولا تنسوا الفارق الهائل بين ((رحمة)) وبين ((وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين))؛
ولا الفارق الهائل بين ((علماً)) وبين ((يعلمكم الكتاب والحكمة)) أي كل الكتاب وكل الحكمة.
***
من هنا نعرف عظمة المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي وصل غاية ما يمكن أن يصله إنسان في عبادة الله، لأنه تعالى لا يعبد حق عبادته على ما نبهنا عليه أبو إبراهيم الكاظم (عليه السلام) في وصيته لولده:
((يا بني عليك بالجد لا تخرجن نفسك عن حد التقصير في عبادة الله عزوجل وطاعته، فإن الله لا يعبد حق عبادته)) .
فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) العبد المثالي الذي بز في مثالية عبادته الأنبياء (عليهم السلام) جميعاً بحيث لا يحتاج القرآن إلى ذكر من هو العبد إذا لم يسمه لأنه سيكون النبي محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم).
ومن وصل إلى الغاية في العبودية لا بد أن يكون هو الأقرب إلى المعبود تعالى.

اترك تعليق