بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ ما ورد في مجاميعنا الروائية من قول الإمام الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام): «ارتدَّ الناس بعد قتل الحسين (عليه السلام) إلّا ثلاثة: أبو خالد الكابلي، ويحيى بن أمّ الطويل، و[حكيم بن] جبير بن مطعم، ثم إنّ الناس لحقوا وكثروا»؛ من النصوص التي دفعت خصوم الشيعة بالتنكيل والاتهام بتكفير الناس بعد استشهاد الامام الحسين (عليه السلام) وهو نظير ما روي في شأن حال الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأنه روي في مجاميعنا الحديثية نظير هذا الخبر بلفظ: «ارتد الناس بعد النبي (صلى الله عليه وآله) إلا ثلاثة نفر: المقداد بن الاسود، وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي، ثم إن الناس عرفوا ولحقوا بعد» (1)، وهذه الأخبار يمتنع الجمود على ظواهر ألفاظها، وحمل «الارتداد» الوارد فيها على معناه الاصطلاحي الفقهي –الإرتداد عن الدين-، وترتيب الأثر العقدي عليه -مع الغفلة عن السياقات الحافة - يورث مجازفة علمية وتخرّصاً لا تنهض به دلالة الرواية نفسها.
والتحقيق في المقام يقتضي البحث في وجوه نذكرها:
الوجه الأول: في أصل ثبوت الرواية:
ورد هذا المضمون في كتاب: «رجال الكشّي» في ترجمة يحيى بن أمّ الطويل، بالإسناد إلى محمد بن نصير، عن محمد بن عيسى، عن جعفر بن عيسى، عن صفوان، عمّن سمعه، عن الصادق أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام)، قال: «ارتدّ الناس بعد قتل الحسين (عليه السلام) إلا ثلاثة...» (2).
ثم أورد الكشّي طريقًا آخر عن يونس، عن حمزة بن محمد الطيّار، بمثله، مع زيادة: «وجابر بن عبد الله الأنصاري» (3). كما ورد المضمون في الاختصاص للشيخ المفيد بطريق آخر عن محمد بن الحسن الصفّار، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن جميل، عن الإمام الصادق أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) (4).
ومن ثمّ، فالكلام عن صحة الأسناد فالطريق الأول في رواية الكشّي تشتمل على قوله: «عمّن سمعه»، وهو إرسال يمنع ـ على مباني التحقيق الرجالي ـ من الحكم بصحته لمجرد وروده في الكتاب.
وأما الثاني: ضعيف فهو اشتمل على قوله: «وروي»، وهو فيه إنقطاع.
وأما الطريق الثالث: فأن كتاب (الإختصاص) ولا يعرف مؤلفه على وجه التحديد، ونسبته إلى الشيخ المفيد موضع خلاف.
الجهة الثانية: في تحرير محل النزاع:
إنّ محل النزاع ليس في أصل ثبوت أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) أثنى على أبي خالد الكابلي ويحيى بن أمّ الطويل وجبير بن مطعم، وأنّ هؤلاء كانوا من الثابتين على خط الإمام زين العابدين (عليه السلام)، فهذا تؤيده نصوص أخرى. وإنما الكلام في مفاد كلمة «ارتدّ» في قوله: «ارتدّ الناس بعد قتل الحسين». فهل المراد منها:
أما الارتداد عن أصل الإسلام والخروج من الدين؟
أو الرجوع عن الولاية والانصراف عن الإمام والتخلّف عن مقتضيات الطاعة والنصرة؟
وهنا لا بدّ من الرجوع إلى الاستعمال العربي والشرعي، ثم إلى القرائن الخاصة بالرواية.
الجهة الثالثة: «الارتداد» في اللغة
«الارتداد» في اللغة أعمّ من الردّة عن الدين الارتداد في اللغة مأخوذ من الرجوع والانصراف، فهو أعم من أن يكون رجوعًا عن الدين.
قال سبحانه: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا} [يوسف: 96].
فالمراد بـ«ارتدّ بصيرًا»: عاد بصره، لا أنّه ارتدّ عن دين أو عقيدة.
وقال سبحانه: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل: 40].
فـ«يرتد» هنا بمعنى يرجع. ومن ثمّ، فمادة «الارتداد» في أصلها اللغوي لا تساوق الكفر، وإنما الكفر أحد مصاديق الرجوع بحسب ما يضاف إليه اللفظ، فكما يقال: ارتدّ عن الإسلام
وعليه، فلا يجوز إثبات أنّ المراد من اللفظ في الرواية هو الردّة عن الإسلام بمجرد استعمال لفظ «ارتد».
الجهة الرابعة: الفرق بين «الردّة» بعنوانها الفقهي و«الارتداد» بالمعنى اللغوي وهو الرجوع.
أنّ «الردّة» أصبحت في الاصطلاح الفقهي عنوانًا خاصًا على الخروج من الإسلام، كما في قوله تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} [المائدة: 54]. لكن الملاك في تفسير اللفظ في الرواية ليس الاصطلاح الفقهي وحده، وإنما القرائن الحافة بالكلام. فاللفظ الواحد قد تكون له حقيقة لغوية عامة، ثم يكون له اصطلاح خاص في علم من العلوم، ولا يصح حمل كل استعمال له على ذلك الاصطلاح من دون قرينة.
وعليه، فغاية ما يثبت من لفظ «ارتدّ» في نفسه هو الرجوع والانصراف، وأما كونه رجوعًا عن أصل الإسلام أو عن الولاية أو عن النصرة، فذلك يحتاج إلى قرينة.
الجهة الخامسة: القرينة الداخلية الحاكمة
هي قوله: «ثم إنّ الناس لحقوا وكثروا» وهذه من أقوى القرائن في الرواية. فالإمام الصادق (عليه السلام) يقول: «ارتدّ الناس بعد قتل الحسين إلا ثلاثة... ثم إنّ الناس لحقوا وكثروا».
فلو حملنا «الارتداد» على الردّة عن أصل الإسلام، لزم أن يكون المراد أنّ جمهور الناس خرجوا من الإسلام، ثم عادوا إليه، من غير أن تذكر الرواية توبة أو إسلامًا جديدًا أو تفصيلًا لهذا التحول العقدي الخطير.
أما إذا حملنا «الارتداد» على الرجوع عن مقتضى الولاية والانصراف عن الإمام والتخلّف عن القيام بحقه، فإنّ تركيب الرواية يصبح منسجمًا تمامًا، وهذا هو المعنى الذي تقتضيه وحدة السياق.
فالذيل ليس جملة زائدة، بل هو قرينة متصلة مفسّرة لصدر الرواية.
الجهة السادسة: ماذا يعني «الارتداد» عن الولاية؟
ينبغي هنا التدقيق في التعبير؛ إذ ليس المقصود أنّ كل من لم يلتحق بالإمام السجاد (عليه السلام) كان كافرًا أو مرتدًا بالمعنى الفقهي. بل المراد ـ على هذا التفسير ـ التراجع عن مقتضى الحق الذي كان يجب عليهم الالتزام به.
الجهة السابعة: الظروف الاستثنائية التي أعقبت واقعة الطف:
إنّ قراءة الرواية بمعزل عن التاريخ السياسي والاجتماعي الذي أعقب واقعة كربلاء تؤدي إلى إغفال عنصر أساسي في فهمها. فقد وقعت شهادة الإمام الحسين (عليه السلام) في ظروف بالغة القسوة، أعقبتها مأساة السبي والقتل والتنكيل، ثم بسطت السلطة الأموية قبضتها على المجتمع، وأصبح إعلان الولاء لأهل البيت (عليهم السلام) محفوفًا بالخطر. وليس من المستبعد عقلًا ولا تاريخًا أن يؤدي ذلك إلى انكماش ظاهرة التشيع العلني، وتراجع كثير من الناس عن التواصل مع الإمام زين العابدين (عليه السلام)، لا لأنهم اعتقدوا بطلان دينه أو خرجوا عن الإسلام، بل لأن الخوف السياسي والاجتماعي أضعف قدرتهم على الالتزام العملي بمقتضيات الولاء.
وهذا يفسّر لنا لماذا كان الثبات في تلك المرحلة ذا قيمة استثنائية.
الجهة الثامنة: الحيرة في أمر الإمامة بعد الحسين (عليه السلام)
ومن القرائن التاريخية المهمة أنّ مرحلة ما بعد شهادة الإمام الحسين (عليه السلام) شهدت نوعًا من الحيرة في تشخيص الإمام عند بعض الأفراد. وقد ارتبط ذلك بما وقع من دعوى محمد بن الحنفية، وما ترتب عليها من التباس لدى بعض من لم تكن عنده النصوص أو البصيرة الكافية لتعيين الإمام.
وتذكر الروايات الإمامية قصة الاحتكام إلى الحجر الأسود بين الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) ومحمد بن الحنفية، حيث انتهت الحجة إلى ظهور إمامة علي بن الحسين (عليه السلام). وقد وردت هذه القصة في الكافي (5).
الجهة التاسعة: الرواية نظيرة في باب «الارتداد» عن الولاية:
وليس استعمال لفظ «الارتداد» في النصوص الإمامية منحصرًا في الردّة الفقهية عن أصل الإسلام. فقد ورد في بعض الروايات تفسير الارتداد بأنه يكون بالرجوع عن الولاية، كما في بعض النصوص المتعلقة بما بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حيث استعملت مادة الارتداد في سياق العدول عن ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام).
وهذا يؤكد من الناحية الاستعمالية أن لفظ «الارتداد» يمكن أن يراد به الرجوع عن خط الولاية والطاعة، لا خصوص الخروج من الإسلام.
وعليه، فلا يكون حمل الرواية محل البحث على هذا المعنى خروجًا عن الاستعمال الروائي للمادة، بل هو معنى له نظائره في نفس الباب.
وقد فسر الردة من علمائنا السيّد الداماد (طاب أثره) في تعليقته على رجال الكشيّ ص54: عند تعرّضه لحديث الحوض المرويّ في صحيح مسلم وغيره عن ابن عباس عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قال: (لم يزالوا مرتدّين).
قال السيّد (لم يرد به الردّة عن الإسلام، إنّما معناه التخلّف عن بعض الحقوق الواجبة).
والسيّد الگلپايگانيّ قال: (إنّ هذا الارتداد ليس هو الارتداد المصطلح الموجب للكفر والنجاسة والقتل، بل الارتداد هنا هو نكث عهد الولاية، ونوع رجوع عن مشي الرسول الأعظم، وعدم رعاية وصاياه. ولو كان المراد منه هو الارتداد الاصطلاحيّ لكان الإمام عليه السلام - بعد أنْ تقلّد القدرة وتسلّط على الأمور - يضع فيهم السيف ويبدّدهم ويقتلهم من أوّلهم إلى آخرهم خصوصاً بلحاظ أنّ توبة المرتدّ الفطريّ لا تمنع قتله ولا ترفعه بل يقتل وإنْ تاب) (6).
ومن علماء العامة الخطّابيّ وابن الأثير: في حديث القيامة والحوض: (فيقال: إنّهم لم يزالوا مرتدّين على أدبارهم القهقرى): أيْ متخلِّفين عن بعض الواجبات، ولم يُرِد ردَّة الكفر...) (7).
الجهة العاشرة: لماذا استُثني هؤلاء الثلاثة؟
إنّ ذكر أبي خالد الكابلي، ويحيى بن أمّ الطويل، وحكيم بن جبير بن مطعم ليس المقصود منه بالضرورة حصر جميع المؤمنين الواقعيين بهم على نحو الاستيعاب المطلق، وإنما بيان شدّة ثباتهم في تلك المرحلة المبكرة.
وقد كان يحيى بن أمّ الطويل مثالًا واضحًا على الثبات؛ إذ تذكر الروايات أنّ الحجاج طلب منه البراءة من أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلم يستجب له، وانتهى الأمر إلى قتله.
حيث أنّ الشيعة وجدوا الاَمال قد تبدّدت بقتل الإمام الحسين (عليه السلام)، وسبي أهله، وظهور ضعف الحقّ وقلّة أنصاره، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإنّ الرعب قد ملأ قلوبهم لمّا وجدوا دولة بني أميّة على هذه القسوة، وهو مِـمّا أدّى إلى عدم التقرّب من الإمام زين العباد (عليه السلام)، لأنّ ذلك سيؤدّي إلى اتّهامهم ومحاسبتهم من قبل السلطة الجائرة، فلذلك ابتعد الناس عنه (عليه السلام).
والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ الاختصاص ص11، اختيار معرفة الرجال ج1 ص38.
2ـ الاختصاص ص64، اختيار معرفة الرجال ج1 ص339.
3ـ اختيار معرفة الرجال ج1 ص339.
4ـ الاختصاص ص64.
5ـ الكافي 1: 348
6ـ نتائج الأفكار، ج1 ص 196.
7ـ النهاية في غريب الحديث ج 2 ص214

اترك تعليق