بسم الله الرحمن الرحيم
الصلاة عمود الدين، وقربان كل تقي، وآخر وصايا الأنبياء. وقد شبهها الأئمة الهداة -عليهم السلام- بعمود الفسطاط؛ إذا ثبتت قُبِلَ ما سواها، وإن لم تُقبل لم يُقبل ما سواها، ومَثَلُها كمَثَلِ النهر الجاري الذي يغتسل منه المرء في اليوم خمس مرات من الذنوب.
وفي وصية أمير المؤمنين -عليه السلام- قال:
"أُوصِيكُمْ بِالصَّلَاةِ وَ حِفْظِهَا فَإِنَّهَا خَيْرُ الْعَمَلِ وَ هِيَ عَمُودُ دِينِكُمْ".
وقال النبي الأعظم -صلى الله عليه وآله وسلم-:
"مَا مِنْ صَلَاةٍ يَحْضُرُ وَقْتُهَا إِلَّا نَادَى مَلَكٌ بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ: أَيُّهَا النَّاسُ قُومُوا إِلَى نِيرَانِكُمُ الَّتِي أَوْقَدْتُمُوهَا عَلَى ظُهُورِكُمْ فَأَطْفِئُوهَا بِصَلَاتِكُمْ".
وروي عنه أيضًا أنه قال:
"عَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ، كَابِدُوا اللَّيْلَ بِالصَّلَاةِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا يُكَفِّرْ سَيِّئَاتِكُمْ، إِنَّمَا مَثَلُ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مَثَلُ نَهَرٍ جَارٍ بَيْنَ يَدَيْ بَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ فِي الْيَوْمِ خَمْسَ اغْتِسَالَاتٍ، فَكَمَا يَنْقَى بَدَنُهُ مِنَ الدَّرَنِ بِتَوَاتُرِ الْغَسْلِ؛ فَكَذَا يَنْقَى مِنَ الذُّنُوبِ مَعَ مُدَاوَمَتِهِ الصَّلَاةَ فَلَا يَبْقَى مِنْ ذُنُوبِهِ شَيْءٌ".
وفي عهد أمير المؤمنين -عليه السلام- لأصحابه:
"تَعَاهَدُوا أَمْرَ الصَّلَاةِ وَحَافِظُوا عَلَيْهَا وَاسْتَكْثِرُوا مِنْهَا وَتَقَرَّبُوا بِهَا فَإِنَّهَا كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا، أَلَا تَسْمَعُونَ إِلَى جَوَابِ أَهْلِ النَّارِ حِينَ سُئِلُوا {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ}".
تحذيرٌ من الاستخفاف بالصلاة وتضيع أجرها
وفي ما ذكرنا كفاية في بيان عظيم فضل الصلاة كما في الأحاديث المتقدمة، إذ يكفي أن الإمام الصادق -عليه السلام- قال: "ليس بين الكفر والإيمان إلا الصلاة"، وقال: "ما من عمل يتقرب به العبد إلى الله بعد المعرفة أفضل من الصلاة".
فلا ينبغي للعاقل البصير والمؤمن الراجي رحمة ربه الواسعة تضييع أجرها، ولا الاستخفاف بها أو التهاون فيها. فقد روى الشيخ الكليني بسند حسن كالصحيح عن الإمام الباقر -عليه السلام-:
"لَا تَتَهَاوَنْ بِصَلَاتِكَ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: لَيْسَ مِنِّي مَنِ اسْتَخَفَّ بِصَلَاتِهِ".
وروى الكليني بسند صحيح عن الإمام الكاظم -عليه السلام-:
"إِنَّهُ لَمَّا حَضَرَ أَبِيَ الْوَفَاةُ قَالَ لِي: يَا بُنَيَّ إِنَّهُ لَا يَنَالُ شَفَاعَتَنَا مَنِ اسْتَخَفَّ بِالصَّلَاةِ".
وفي الحديث الشريف: "إن الله لا يقبل إلا الحسن، فكيف يقبل ما يُستخف به؟".
فنعوذ بالله من الاستخفاف بالصلاة والتهاون بها! والاستخفاف والتهاون لا يعنيان تأخيرها والتماهل في إتيانها وحسب، بل عدم مراعاة الآداب المنصوصة والسنن المخصوصة لها. وبدون إطالة، نقول: لا بد من مراعاة جانبين من الآداب حتى تكون الصلاة على أكمل وجه:
الآداب الروحية (الباطنية): كالتوجه والخشوع وحضور القلب.
الآداب الظاهرية: كالعطر والسواك والتختم وغيرها.
وفيما يلي بيان للآداب الروحية للصلاة على نحو الإجمال:
أولًا: التوجه بالإقبال وإخلاص النية لله
التوجه في اللغة هو الإقبال؛ كقول الرجل: "توجهتُ للكعبة" أي ذهبتُ وأقبلتُ بوجهي عليها. والله عز وجل ليس في مكان ولا زمان ليتوجه الناس إليه بجوارحهم، بل المراد بالتوجه إخلاص النية، وقصد القلب نحو الرب، وصرف النفس عن الملهيات والمغريات أثناء الصلاة؛ ليكون كيانك كله متوجهاً نحو الله عز وجل.
روى الشيخ المفيد -رحمه الله- بسنده عن الإمام الصادق -عليه السلام-:
"وَإِنِّي لَأُحِبُّ لِلرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ مِنْكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ أَنْ يُقْبِلَ بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَشْغَلَهُ بِأَمْرِ الدُّنْيَا، فَلَيْسَ مِنْ مُؤْمِنٍ يُقْبِلُ بِقَلْبِهِ فِي صَلَاتِهِ إِلَى اللَّهِ إِلَّا أَقْبَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ بِوَجْهِهِ، وَأَقْبَلَ بِقُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْهِ بِالْمَحَبَّةِ لَهُ بَعْدَ حُبِّ اللَّهِ إِيَّاهُ".
فمن هذا الحديث نفهم أن الإقبال في الصلاة يكون بعدم الانشغال بأمر الدنيا، وأن من يُقبل على الله في صلاته يُقبل الله عليه.
وفي وصية أمير المؤمنين -عليه السلام- لكميل بن زياد كما رواها الطبري في بشارة المصطفى:
"يَا كُمَيْلُ، لَيْسَ الشَّأْنُ أَنْ تُصَلِّيَ وَتَصُومَ وَتَتَصَدَّقَ، الشَّأْنُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ فُعِلَتْ بِقَلْبٍ تَقِيٍّ، وَعَمَلٍ عِنْدَ اللَّهِ مَرْضِيٍّ، وَخُشُوعٍ سَوِيٍّ. يَا كُمَيْلُ، انْظُرْ فِيمَ تُصَلِّي وَعَلَى مَا تُصَلِّي، إِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ وَجْهِهِ وَحِلِّهِ فَلَا قَبُولَ".
فقد ذم الإمامُ من يصلي وهو عن صلاته لاهٍ ساهٍ، ومن يصلي على غير ما أمر الله به من مراعاة أحكام الشرع والحلال والحرام.
وفي تفسير العياشي عن الإمام الباقر -عليه السلام-:
"لَا تَقُمْ إِلَى الصَّلَاةِ مُتَكَاسِلًا وَلَا مُتَنَاعِسًا وَلَا مُتَثَاقِلًا، فَإِنَّهَا مِنْ خَلَلِ النِّفَاقِ، قَالَ لِلْمُنَافِقِينَ: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا}".
فمما يسلب القبول وحضور القلب: النهوض للصلاة متناعساً أو متثاقلاً أو متضجراً. والطريقة المثلى لتجنب ذلك هي تذكر ما وعد الله به من الجزاء لمن يحافظون على صلواتهم؛ حيث قال الله تعالى في سورة المؤمنون:
{قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ} .. إلى أن قال: {وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ * أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ}.
وَيَكْفِي أن يعلم المرء أن من خِلال المنافقين -الذين قال الله في حقهم: {إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا}- الاستخفاف بالصلاة، والكسل فيها، وعدم أدائها بالشكل الصحيح عن عمد ودراية.
ثانيًا: تحقيق الخشوع وسكون الجوارح
الخشوع في اللغة يأتي بمعانٍ متعددة تصب كلها في مفهوم واحد؛ وهو الخضوع والتواضع وسكون الأعضاء وحضور القلب.
وفي الكافي الشريف بسند حسن عن الإمام الصادق -عليه السلام-:
"إِذَا دَخَلْتَ فِي صَلَاتِكَ فَعَلَيْكَ بِالتَّخَشُّعِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى صَلَاتِكَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}".
حديثٌ جامعٌ لآداب الخشوع وحضور القلب
روى الشيخ الكليني -رحمه الله- بسند صحيح عن الإمام الباقر -عليه السلام-:
"إِذَا قُمْتَ فِي الصَّلَاةِ فَعَلَيْكَ بِالْإِقْبَالِ عَلَى صَلَاتِكَ، فَإِنَّمَا يُحْسَبُ لَكَ مِنْهَا مَا أَقْبَلْتَ عَلَيْهِ. وَلَا تَعْبَثْ فِيهَا بِيَدِكَ، وَلَا بِرَأْسِكَ، وَلَا بِلِحْيَتِكَ، وَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ، وَلَا تَتَثَاءَبْ، وَلَا تَتَمَطَّ، وَلَا تُكَفِّرْ فَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْمَجُوسُ، وَلَا تَلَثَّمْ، وَلَا تَحْتَفِزْ، وَلَا تَفَرَّجْ كَمَا يَتَفَرَّجُ الْبَعِيرُ، وَلَا تُقْعِ عَلَى قَدَمَيْكَ، وَلَا تَفْتَرِشْ ذِرَاعَيْكَ، وَلَا تُفَرْقِعْ أَصَابِعَكَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ نُقْصَانٌ مِنَ الصَّلَاةِ. وَلَا تَقُمْ إِلَى الصَّلَاةِ مُتَكَاسِلًا، وَلَا مُتَنَاعِسًا، وَلَا مُتَثَاقِلًا، فَإِنَّهَا مِنْ خِلَالِ النِّفَاقِ...".
قال العلامة المجلسي -رحمه الله- في مرآة العقول:
"قوله عليه السلام (فعليك بالإقبال): قال الشيخ البهائي (ره) في الحبل المتين: المراد من الإقبال على الصلاة في هذا الحديث رعاية آدابها الظاهرة والباطنة، وصرف البال عما يعتري في أثنائها من الأفكار الدنية والوساوس الدنيوية، وتوجه القلب إليها؛ لأنها معراج روحاني ونسبة شريفة بين العبد والحق جل شأنه. والمراد من التكفير في قوله عليه السلام (ولا تكفر): وضع اليمين على الشمال، وهو الذي يفعله المخالفون".
ثالثًا: معرفة حق الصلاة واستحضار الحضور الإلهي
لا ينبغي أن نقتصر على أداء شكليات الصلاة ونترك معرفة حقها؛ بل معرفة حقها مُكَمِّلٌ لآدابها؛ إذ إن المرء إذا عرف ما للصلاة من حق، لم يتجاهل آدابها وسننها. واعلم أنه قد ورد في الروايات أن النوافل النهارية والليلية مكملة للصلوات اليومية.
قال الإمام زين العابدين علي بن الحسين -عليهما السلام- في رسالة الحقوق:
"فَأَمَّا حَقُّ الصَّلَاةِ: فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهَا وَفَادَةٌ إِلَى اللَّهِ، وَأَنَّكَ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ كُنْتَ خَلِيقًا أَنْ تَقُومَ فِيهَا مَقَامَ الذَّلِيلِ الرَّاغِبِ الرَّاهِبِ، الْخَائِفِ الرَّاجِي، الْمِسْكِينِ الْمُتَضَرِّعِ، الْمُعَظِّمِ مَنْ قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالسُّكُونِ وَالْإِطْرَاقِ، وَخُشُوعِ الْأَطْرَافِ، وَلِينِ الْجَنَاحِ، وَحُسْنِ الْمُنَاجَاةِ لَهُ فِي نَفْسِهِ، وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ فِي فِكَاكِ رَقَبَتِكَ الَّتِي أَحَاطَتْ بِهَا خَطِيئَتُكَ وَاسْتَهْلَكَتْهَا ذُنُوبُكَ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ".
استحضار أن الله يراك وأنت لا تراه
روى الشيخ الصدوق في كتاب الأمالي عن الإمام الصادق -عليه السلام-:
"إِذَا صَلَّيْتَ صَلَاةً فَرِيضَةً فَصَلِّهَا لِوَقْتِهَا صَلَاةَ مُوَدِّعٍ يَخَافُ أَنْ لَا يَعُودَ إِلَيْهَا أَبَدًا، ثُمَّ اصْرِفْ بِبَصَرِكَ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِكَ؛ فَلَوْ تَعْلَمُ مَنْ عَنْ يَمِينِكَ وَشِمَالِكَ لَأَحْسَنْتَ صَلَاتَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ يَرَاكَ وَلَا تَرَاهُ".
وفي حديث الأربعمائة المنسوب لأمير المؤمنين -عليه السلام-:
"لَا يَقُومَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ مُتَكَاسِلًا وَلَا نَاعِسًا، وَلَا يُفَكِّرَنَّ فِي نَفْسِهِ؛ فَإِنَّهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنَّمَا لِلْعَبْدِ مِنْ صَلَاتِهِ مَا أَقْبَلَ عَلَيْهِ مِنْهَا بِقَلْبِهِ".
"لَا يَعْبَثِ الرَّجُلُ فِي صَلَاتِهِ بِلِحْيَتِهِ، وَلَا بِمَا يَشْغَلُهُ عَنْ صَلَاتِهِ".
"لِيَخْشَعِ الرَّجُلُ فِي صَلَاتِهِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ خَشَعَ قَلْبُهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَشَعَتْ جَوَارِحُهُ فَلَا يَعْبَثُ بِشَيْءٍ".
"إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ".
"إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ فَلْيَنْحَرْ بِصَدْرِهِ، وَلْيُقِمْ صُلْبَهُ وَلَا يَنْحَنِي".
فهذه الأحاديث تلخص جل الآداب الروحية للصلاة ولا تدع منها شيئاً. وليُعلم أن قيمة الصلاة ليست في كثرتها بل في جودتها ومضمونها؛ ففي كتاب ثواب الأعمال عن الإمام الصادق -عليه السلام-:
"مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَعْلَمُ مَا يَقُولُ فِيهِمَا، انْصَرَفَ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ذَنْبٌ إِلَّا غَفَرَهُ لَهُ".
وعن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-:
"يَا أَبَا ذَرٍّ، رَكْعَتَانِ مُقْتَصَدَتَانِ فِي تَفَكُّرٍ، خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ وَالْقَلْبُ لَاهٍ".
أيقاظ وتذكير:
قال السيد محسن الحكيم -رحمه الله- :
قال اللّه تعالى {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلٰاتِهِمْ خٰاشِعُونَ} و قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- و الأئمة -عليهم أفضل الصلاة و السلام- كما ورد في أخبار كثيرة انه لا يحسب للعبد من صلاته إلا ما يقبل عليه منها، و انه لا يقد من أحدكم على الصلاة متكاسلا، و لا ناعسا، و لا يفكرن في نفسه، و يقبل بقلبه على ربه، و لا يشغله بأمر الدنيا، و ان الصلاة وفادة على اللّه تعالى، و ان العبد قائم فيها بين يدي اللّه تعالى. فينبغي ان يكون قائما مقام العبد الذليل الراغب الراهب الخائف الراجي المسكين المتضرع، و ان يصلي صلاة مودع يرى ان لا يعود إليها أبدا، و كان علي ابن الحسين -عليه السلام- إذا قام في الصلاة كأنه ساق شجرة لا يتحرك منه إلا ما حركت الريح منه، و كان أبو جعفر، و أبو عبد اللّه -عليهما السلام- إذا قاما إلى الصلاة تغيرت ألوانهما مرة حمرة و مرة صفرة و كأنهما يناجيان شيئا يريانه، و ينبغي ان يكون صادقا في قوله إِيّٰاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ فلا يكون عابدا لهواه و لا مستعينا بغير مولاه. و ينبغي إذا أراد الصلاة أو غيرها من الطاعات ان يستغفر اللّه تعالى و يندم على ما فرط في جنب اللّه ليكون معدودا في عداد المتقين الذين قال اللّه تعالى في حقهم {إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اللّٰهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} و ما توفيقي إلا باللّه عليه توكلت و إليه أنيب و هو حسبنا و نعم الوكيل و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم.
الأولى بالمؤمن مراعاة آداب الصلاة، واستحضار القلب، والخشوع والتوجه الإيماني الصادق، والله أعلم بالنوايا والخفايا، ولله الحمد والشكر. والأحاديث في فضل الصلاة وآدابها كثيرة؛ يُراجع منها -على سبيل المثال- باب "آداب الصلاة" في كتاب بحار الأنوار للعلامة المجلسي.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

اترك تعليق