دينُ الله… ودينُ البشر

بأيّهما أنت ملحد…؟

الحقيقةُ أنّ لله ديناً واحداً، وتعاليم واحدةً في جوهرها وروحها، وإن اختلفت بعض الجزئيات تبعاً لاختلاف الأزمنة والأمكنة، كما هو الحال في نسخ بعض الأحكام وتبدّل بعض التشريعات. أمّا الأصل الذي قامت عليه الرسالات السماوية، فلم يكن يوماً متغيراً؛ لأنّ الدين في حقيقته لا يرتكز على تراكمات للطقوس، ولا متاهات من الجدل الفلسفي والاختلافات العقائدية التي لا تنتهي، بل يمكن اختصاره بكلمةٍ واحدة: “المعاملة”.

أي: كيف يتعامل الإنسان مع ربّه، ومن أي باب يأتيه، وكيف يتعامل مع نفسه، وكيف يتعامل مع الناس من حوله.

ولهذا نجد أنّ الأنبياء عليهم السلام ركزوا في دعوتهم على بناء الإنسان أكثر من أيّ شيءٍ آخر؛ لأنّ الإنسان إذا استقامت روحه استقام فعله، وإذا فسدت روحه استطاع أن يحوّل حتى الدين نفسه إلى أداةٍ للظلم والانحراف. ولهذا كانت كلمات الأنبياء تدور حول الرحمة، والعفو، والإحسان، وكسر طغيان النفس، وتحرير الإنسان من عبودية البشر إلى عبودية الله وحده.

إلا أنّ المأساة الكبرى بدأت دائماً بعد رحيل المصلحين. فما إن يغيب النبي أو الوصي، حتى تبدأ الأهواء البشرية بالتحرك داخل النصوص، فيُزاد عليها ويُنقص منها، وتُفسّر بما يخدم الرغبات والمصالح، حتى يختلط نور الوحي بظلمات النفوس. وهذه ليست حادثةً عابرة، بل سنةٌ متكررة في تاريخ البشرية كلها.

ولو تأملت في أيّ حركةٍ أو حزبٍ أو جماعة بعد رحيل مؤسسها، لرأيت كيف تبدأ الانشقاقات سريعاً، وكيف تتحول الجماعة الواحدة إلى جماعاتٍ متناحرة، وكلُّ فريقٍ يزعم أنه الامتداد الحقيقي للفكرة الأولى، وأنّ غيره منحرفٌ أو خائن. وما هي إلا سنوات حتى تضيع الفكرة الأصلية بين الصراعات الشخصية والمصالح الدنيوية والزعامات المتنافسة. فإذا كان هذا حال المشاريع البشرية المحدودة، فكيف بما جرى بعد الأنبياء عليهم السلام؟

هل بقيت الأمم فعلاً على النهج الذي رسمه أنبياؤها؟

وهل حافظت على نقاء الرسالة كما أُنزلت أول مرة؟

أم أنّ البشر أعادوا تشكيل الدين وفق أهوائهم، حتى صار الدين شيئاً، وما يفعله أتباعه شيئاً آخر؟

إنَّ التأريخ يشهد ـ وبمرارةٍ شديدة ـ أنَّ أتباع الأنبياء كثيراً ما تحولوا بعد رحيل أنبيائهم إلى جماعاتٍ متصارعة، لا همّ لها إلا إقصاء الآخر والسيطرة عليه. فتحوّل الدين الذي نزل رحمةً للعالمين إلى ساحة صراعٍ وسفك دماء، وصار الإنسان يُقتل لأنه يخالف جماعةً أخرى في فهم النص أو تفسير العقيدة أو الولاء لهذا الزعيم أو ذاك.

بل إنَّ كثيراً من الأمم راحت تتصور أنّ الله خلق الأرض لها وحدها، وأنّ من حقها أن تحكم على الناس بالكفر والضلال، ثم تستبيح دماءهم وأموالهم وأعراضهم تحت عنوان الدفاع عن الدين. وهكذا أصبح الدين عند البعض غطاءً نفسياً وأخلاقياً لتبرير أبشع أنواع العدوان.

ولو قرأت تاريخ الحروب والصراعات والمجازر، لوجدت أنّ أتباع الأديان ـ على اختلاف أديانهم ومذاهبهم ـ يتحملون جزءاً هائلاً من الدماء التي سالت على هذه الأرض. ملايين القتلى والمشرّدين والمقهورين، كانوا ضحايا لأشخاصٍ يرفعون راياتٍ مقدسة ويتحدثون باسم الله.

والأشدُّ غرابةً أنّ البشرية الحديثة، بدل أن تتعلم من مآسي التاريخ، باتت تمارس نوعاً آخر من الانحطاط، إذ صار بعض أتباع الأديان يُعير بعضهم بعضاً بعدد الضحايا الذين قتلهم كلُّ فريق! وكأنَّ القضية تحولت إلى منافسةٍ في الإجرام، لا إلى مراجعةٍ أخلاقية تعترف بخطأ الإنسان حين يستعمل الدين وقوداً للكراهية والصراع.

ولم يكن ما جرى بعد غيبة الإمام المهدي عليه السلام بعيداً عن هذه السُنّة المؤلمة في تاريخ البشر؛ إذ ما إن غاب الإمام عن الأنظار حتى تكالبت شياطين الإنس والجن على تمزيق الأمة وتشتيت وعيها، فدخل الدين مرحلةً جديدة من التنازع والتشظّي والاضطراب.

فتحولت الرسالة التي أُريد لها أن تكون سبيل هدايةٍ ووحدة، إلى تياراتٍ متصارعة، وأحزابٍ متناحرة، وزعاماتٍ لا تطلب في كثيرٍ من الأحيان إلا النفوذ وحطام الدنيا. فأصبح الدين عند بعضهم تجارةً للعواطف، وميداناً للصراع على المكانة والسلطة، لا طريقاً لتزكية النفس وإقامة العدل.

فكلُّ جماعةٍ نصّبت نفسها ممثلةً للحق المطلق، ثم راحت تُقصي غيرها وتتهمه بالضلال والانحراف، حتى غدا الإنسان البسيط حائراً بين عشرات الأصوات المتناقضة، وكلُّ صوتٍ يدّعي أنه الناطق باسم السماء، بينما السماء بريئةٌ من كثيرٍ مما يُرتكب باسمها.

ولو تأمل العاقل بعين الإنصاف، لأدرك أنَّ الإمام الغائب لم يغب عن الأبصار فقط، بل غابت معه ـ عند الكثير ـ أخلاقُ الانتظار، وصدقُ الانتماء، وروحُ الدين التي أرادها الله رحمةً وعدلاً ونوراً للعالمين. فأصبح الناس ينتظرون المخلّص بألسنتهم، بينما يمارسون في الواقع كلَّ ما يؤخر ظهور العدل الذي يدّعون الاشتياق إليه.

لقد تحوّل المجتمع في كثيرٍ من الأحيان إلى بيئةٍ غير قابلة للتعايش؛ إذ بات الإنسان يبحث عمّن يختلف معه ليهدده أو يهاجمه أو يسحقه إن استطاع، بدل أن يبحث عن المشتركات الإنسانية التي تجمعه بالآخرين ليبدء بعدها بالنقاش فيما اختلفوا بفهمه.

ومن هنا يمكن فهم جانبٍ كبير من ظاهرة الإلحاد المعاصر؛ فكم من إنسانٍ لم يُلحد بالله بقدر ما تمرّد على صورةٍ مشوّهةٍ للدين صنعها المتدينون أنفسهم. رأى القسوة تُنسب إلى الله، والكراهية تُقدّم على أنها فضيلة، والاستعلاء يُلبس لباس القداسة، فرأى التناقض الهائل بين ما تقوله الفطرة، وما يمارسه أدعياء التدين.

ولهذا نفر بعض الناس من الدين كله، لا لأنهم بحثوا بعمقٍ فوصلوا إلى نفي وجود الإله، بل لأنهم صُدموا بدين البشر، فظنوا أنّه هو نفسه دين الله. بينما الحقيقة أنّ بينهما بوناً شاسعاً.

فدينُ الله يسرٌ ورحمة، ودينُ البشر عسرٌ وتعقيد.

دينُ الله يختصر الطريق إلى الخير، ودينُ البشر يرهق الإنسان بكثرة التفاصيل التي تصنعها العقول المتصارعة.

دينُ الله علاقةٌ صحيحة مع الله تجعلك خيراً وسلاماً وبركةً للناس جميعاً، ودينُ البشر حقدٌ وحسدٌ واستعلاء وتمييز.

دينُ الله يُعظّم الخالق، ودينُ البشر يصنع من البشر أصناماً تُقدَّس وتُطاع.

دينُ الله طاعةٌ لله عبر تعاليم رسله وأوليائه، ودينُ البشر خضوعٌ لأشخاصٍ لا يملكون إلا المظاهر وسحر الخطاب.

دينُ الله إيمانٌ وعملٌ صالح، ودينُ البشر شعاراتٌ وطقوسٌ وصخبٌ وعدوان تُرفع فيه راياتٌ تحمل اسم الله بينما تُذبح تحتها إنسانية الإنسان.

وحين يتعمق الإنسان في هذه الحقيقة، يدرك أنّ كثيراً من حالات الإلحاد لم تكن إلحاداً بالله بقدر ما كانت احتجاجاً على دينٍ صنعه البشر ثم نسبوه إلى الله زوراً.

وفي خاتمة المطاف…

لا ينبغي أن يكون السؤال: لماذا ألحد بعض الناس؟

بل السؤال الأعمق: أيُّ صورةٍ عن الدين قُدّمت لهم حتى نفروا منه؟

فإن كان الدين الذي عرفوه قسوةً وكراهيةً وصراعاً على الدنيا، فلا عجب أن يتمردوا عليه. أمّا دين الله، ذلك الدين الذي يوقظ الإنسان على الرحمة والعدل والصدق ونقاء الفطرة، فلن ينفر منه قلبٌ سليم عرفه كما أراده الله.

إنَّ المشكلة لم تكن يوماً في نور السماء، بل في الأيدي التي حجبت ذلك النور، ثم أوهمت الناس أنها تمثله.

ولهذا سيبقى الباحث عن الحقيقة مطالباً بأن يميّز دائماً بين دينٍ أنزله الله ليحيي الإنسان… ودينٍ صنعه البشر ليُخضعوا به الإنسان.

فإذا عرفت الفرق بين الاثنين، أدركت أنّ أكثر الناس لم يتركوا الله… بل تركوا الأصنام التي صُنعت باسمه ولم يجدو الطريق بعد. نسأل الله لهم الهداية والتوفيق انه سميع مجيب.

: علي الحداد