ليس من الغريب أن تتبدل حالات الإنسان بين إقبالٍ وإدبار، فالقلب بطبيعته يتأثر بالمواسم،ويخشع عند المواقف، ويرقّ حين تهبّ عليه نسمات الذكر. لكن المشكلة لا تكمن في تأثر الإنسان، بل في أن يتحوّل هذا التأثر إلى حالة مؤقتة، تنطفئ بانطفاء الموسم، وتذوب بذوبان المناسبة. هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ "التدين الموسمي" ذلك النمط من التدين الذي يزدهر في شهر، ويضعف في شهر، ويتوهج في مناسبة، ثم يخفت بعدها حتى يكاد لا يُرى له أثر.
في أيام شهر رمضان تمتلئ المساجد، وتتعالى أصوات القرآن، وتخشع القلوب. وفي شهر محرم وصفر تضج المنابر بذكر مصاب سيد الشهداء عليه السلام وتسيل الدموع، وتتحرك المواكب، ويشتد الارتباط بالشعائر. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أين يذهب هذا الوهج بعد انقضاء الموسم؟ وهل أراد الله منا أن نكون عبّاد مواسم، أم عبّاد ربّ المواسم؟
أولاً: مفهوم التدين الموسمي
التدين الموسمي هو حالة من الالتزام الجزئي المؤقت، يرتبط بزمن معيّن أو مناسبة خاصة، دون أن يتحول إلى منهج دائم وسلوك مستقر. وهو تدين تحركه العاطفة أكثر مما تحركه القناعة الراسخة، ويغذيه الجو العام أكثر مما يغذيه الوعي العميق.
الإنسان في هذه الحالة لا ينكر الدين، بل يحبّه، ويتفاعل معه، لكنه لا يترجمه إلى التزام مستمر في سلوكه اليومي. فهو قد يكون في مقدمة الصفوف في ليلة القدر، لكنه بعيد عن الصلاة في غيرها. يبكي بحرقة في مجلس عزاء، لكنه لا يراجع نفسه في ظلم أو غيبة أو تقصير.
ثانياً: الميزان القرآني في الثبات.
القرآن الكريم لا يمدح التدين المؤقت، بل يؤكد على الاستقامة والثبات:
قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.[1]
الاستقامة تعني الدوام، لا الاندفاع اللحظي
ومن أبلغ الآيات في هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.[2]
لم يقل حتى يأتيك موسم، ولا حتى تنقضي مناسبة، بل حتى يأتيك اليقين، أي الموت. فالعبادة مشروع عمر، لا حالة ظرفية.
ثالثاً: في ميزان الروايات
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إن النفس ملولة، وإن أحدكم لا يدري ما قدر المدة، فلينظر من العبادة ما يطيق، ثم ليداوم عليه، فإن أحب الأعمال إلى الله ماديم عليه وإن قل). [3]
هذه القاعدة النبوية تختصر القضية كلها. فالله لا ينظر إلى كثرة العمل في لحظة معينة، بقدر ما ينظر إلى ثبات العبد واستمراره.
وروي عن الإمام علي (عليه السلام): (قليل تدوم عليه، أرجى من كثير مملول منه).[4]
فالتدين الذي ينفجر في موسم ثم ينطفئ، يشبه سحابة صيف؛ تلمع سريعاً، ثم لا تترك وراءها أثراً دائماً.
رابعاً: بين حرارة الشعيرة وصدق السيرة
لا شك أن المواسم الدينية، كعاشوراء وشهر رمضان، تمثل فرصاً عظيمة لشحذ الهمم وتجديد العهد. والمشي إلى زيارة كبلاء وإحياء ذكرى سيد الشهداء عليه السلام، ليست مجرد طقوس، بل هي مدرسة في التضحية والولاء.
لكن روح هذه المواسم لا تكتمل إلا إذا تحولت إلى سلوك دائم. ما قيمة أن نرفع شعار "هيهات منا الذلة" في أيام، ثم نقبل بالذلة أمام شهواتنا بقية العام؟ ما معنى أن نبكي على الظلم الذي وقع في كربلاء، ونحن لا نتحرج من ظلم من حولنا؟
خامساً: البعد النفسي والاجتماعي للتدين الموسمي
التدين الموسمي غالباً ما يرتبط بعدة عوامل؛
ضغط الجو العام، حيث يسهل الالتزام حين يكون المجتمع كله في حالة عبادة. العاطفة الجماعية التي ترفع منسوب الحماس. ضعف البناء المعرفي، بحيث لا يتحول الإيمان إلى قناعة عميقة.ولهذا ترى أن بعض الناس يكون صالحاً في بيئة صالحة، فإذا خرج منها تبدلت حاله. هنا يتبين أن التدين لم يكن نابعاً من يقين راسخ، بل من تأثير خارجي.
سادساً: في مرآة الشعر
قال الشاعر:
رَمَضانُ وَلّى هاتِها يا ساقي
مُشتاقَةً تَسعى إِلى مُشتاقِ
ما كانَ أَكثَرَهُ عَلى أُلّافِها
وَأَقَلَّهُ في طاعَةِ الخَلّاقِ
اللَهُ غَفّارُ الذُنوبِ جَميعِها
إِن كانَ ثَمَّ مِنَ الذُنوبِ بَواقي
بِالأَمسِ قَد كُنّا سَجينَي طاعَةٍ
وَاليَومَ مَنَّ العيدُ بِالإِطلاقِ[5]
هذا اللون من التفكير يكشف أن البعض كان يرى في الموسم قيداً ثقيلاً، لا فرصة للسمو. فلما انتهى، عاد إلى ما كان عليه.
سابعاً: نحو تدينٍ دائم
العلاج لا يكون بإلغاء المواسم، بل بتفعيل رسالتها. فالمواسم محطات شحن روحي، لا غايات نهائية. المطلوب أن نخرج من رمضان بخطة استمرار، ومن عاشوراء بعهد إصلاح، ومن كل زيارة بخطوة عملية. فالتدين الموسمي ليس كفراً ولا نفاقاً، لكنه نقص في الوعي، وضعفٌ في الثبات. هو بداية طيبة، لكنها لا تكفي. إن الله لا يريد لنا أن نكون أبناء لحظة، بل أبناء رسالة. ولا يريد منا دمعة في موسم، بل ضميراً حياً في كل يوم.
فلنحوّل حرارة المواسم إلى نور دائم، ولنثبت على الطريق، حتى نلقى الله بقلوبٍ لم تكن تعرفه في شهرٍ دون شهر، بل عرفته رباً دائماً، وسيداً مطاعاً في كل حين.
الهوامش:------
[1] -[هود: 112].
[2] -[سورة الحجر: 99].
[3] - المتقي الهندي، كنز العمال: 5312.
[4] -شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 19 / 169.
[5] - ديوان احمد شوقي.

اترك تعليق