قراءة في وصايا المرجعية العليا في النجف الاشرف
لم تعد الحروب في العصر الحديث مقتصرة على الميدان العسكري أو المواجهة الأمنية المباشرة، بل تطورت أدوات الصراع حتى أصبحت تستهدف عقل الإنسان ووعيه ووجدانه وانتماءه، قبل أن تستهدف أرضه وحدوده، ومن هنا برز مفهوم الحرب الناعمة بوصفه أحد أخطر أشكال الصراع المعاصر، لأنه يعمل على اختراق المجتمعات من الداخل، وإعادة تشكيل قناعاتها، وتفكيك هويتها، وصناعة إنسان منزوع الانتماء، ضعيف الحصانة، قابل للتبعية والانقياد، وإذا كانت الحرب الصلبة تُحدث الدمار في الأبنية والبنى التحتية، فإن الحرب الناعمة تُحدث دمارًا أشد خطرًا حين تصيب الهوية، لأن الهوية تمثل روح الأمة ومعناها الداخلي، وتمثل الإطار الذي يحفظ تماسك المجتمع ويوجه سلوكه ويحدد موقعه من الصراع الحضاري.
ومن هنا فإن الحديث عن تغييب الهوية الاسلامية ليس حديثًا عن قضية ثقافية هامشية أو عن إشكال فكري محدود، بل هو حديث عن مشروع استهداف شامل يراد به تحويل الأمة من أمة تملك رؤيتها ورسالتها ومقاومتها ومبادئها الإسلامية إلى جماعة بشرية مفككة، تستهلك ما يُنتج لها، وتتبنى ما يُرسم لها، وتعيش كما يريد خصومها أن تعيش، وهذا ما يجعل دراسة تغييب الهوية الثقافية الاسلامية من أدوات العدو الناعمة ضرورة علمية وفكرية وتربوية، لا مجرد ترف تنظيري.
ومن هنا اكدت المرجعية العليا في النجف الاشرف المتمثلة بالسيد علي الحسيني السيستاني دام ظله كثيرا على هذه المسالة وأوضحت خطورة هذا المشروع حيث ورد في بعض وصاياها واجابتها عن الخطر الأكبر الذي يهدد مستقبل العراق حيث ورد ما نصه: (خطر طمس هويته الثقافية والتي من اهم ركائزها هو الدين الإسلامي الحنيف) (1).
فإن الهوية في الرؤية الإسلامية ليست مجرد بطاقة تعريف أو انتساب اسمي إلى دين أو وطن أو ثقافة، بل هي بنية مركبة تتكون من الدين والعقيدة، والقيم، والذاكرة التاريخية، والرموز والانتماء الحقيقي الى الإسلام المحمدي الأصيل، ولهذا فإن استهداف الهوية الإسلامية يعني عمليًا استهداف منظومة كاملة أي استهداف للعقيدة بالله تعالى برسوله والائمة من بعده وللامة الاسلامية، واستهداف للوجود الغاية الحقيقية من الخلق، وكذلك استهداف لواقع الامة من الأسرة، والمجتمع والرسالة، بل استهداف لمشروع الله عز وجل في الأرض.
وعندما تُضرب هذه المعاني في العمق، يصبح من السهل إنتاج جيل يحتفظ ببعض الأسماء الإسلامية، لكنه مفرغ من المضمون الإسلامي، أو جيل يشعر بالحرج من انتمائه، ويتردد في إعلان قيمه، بل ربما ينقلب على تراثه وأمته بدعوى الانفتاح أو الحداثة أو التحرر.
إن من أخطر ما يميز الحرب الناعمة أنها لا تدخل على المجتمعات بصفة العدو غالبًا، بل تتسلل عبر شعارات براقة، وصور جذابة، ومفاهيم تبدو في ظاهرها إنسانية أو تقدمية أو حضارية، ثم تنتهي إلى إعادة هندسة الوعي بما يخدم مراكز الهيمنة العالمية.
فهي قد تدخل من بوابة الإعلام، أو التعليم، أو الفن، أو وسائل التواصل، أو الخطاب الحقوقي، أو النموذج الاستهلاكي، أو الثقافة الجماهيرية، أو عبر التشكيك المنهجي بالمقدسات والرموز والثوابت.
ولذلك فإن مواجهتها لا تكون بالانفعال السطحي، ولا بالشعارات المجردة، بل بالفهم العميق لطبيعتها، والكشف العلمي لأدواتها، وبناء مشروع مضاد يحصن المجتمع ويعيد إنتاج الهوية الواعية الواثقة بنفسها.
مفهوم الهوية وأهميتها في بناء المجتمع الصالح
الهوية هي الإطار المرجعي الذي يحدد للإنسان من هو؟، وإلى ماذا ينتمي؟، وكيف يفكر؟ ولماذا يتحرك؟، وما الذي يقدسه؟ وما الذي يرفضه؟، وما المعايير التي يزن بها الأشياء، فهي ليست مجرد شعور داخلي، بل هي مرجعية معرفية وقيمية وسلوكية وانتماء واتباع وتمسك حقيقي بالمبادئ الحقة، ومن هنا فإن المجتمعات التي تملك هوية متماسكة تكون أقدر على الصمود أمام الاختراق، لأنها تمتلك معيارًا ترد إليه الوافد، وتمتلك ذاكرة جماعية تحفظها من الذوبان، وتمتلك هدفًا أعلى يعطي لحياتها معنى.
من هنا فان القرآن الكريم حدد الهوية الحقيقية للإنسان والتي على أساسها يبنى كل شيء حيث قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)(2) ، وقال عز وجل:( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(3) .
فالهوية الحقيقة التي تحددها السماء هو الإسلام المحمدي الأصيل والرؤية الإسلامية للهوية لها بعد رسالي واضح، لأنها ترتبط بموقع الإنسان في مشروع الاستخلاف الإلهي في الأرض.
فالإنسان المؤمن ليس كائنًا تائهًا في الكون، بل هو عبد لله، مستخلف في الأرض، مسؤول عن إقامة الحق، ومطالب بأن يعيش وفق هدى الله عز وجل ورسله وحججه في الأرض، ومن ثم فإن هويته لا تنفصل عن عقيدته، ولا عن تكليفه، ولا عن انتمائه ولهذا كان الحفاظ على الهوية جزءًا من الحفاظ على الدين نفسه، لأن ضياع الهوية ليس سوى مقدمة لضياع الالتزام والتكليف والرسالة، والإسلام هو طريق السلام في الدنيا والاخرة.
قال الإمام علي عليه السلام :( إن الله تعالى خصكم بالإسلام واستخلصكم له، وذلك لأنه اسم سلامة وجماع كرامة، اصطفى الله تعالى منهجه وبين حججه . . . لا تفتح الخيرات إلا بمفاتيحه، ولا تكشف الظلمات إلا مصابيحه(4)).
تغييب الهوية بوصفه أداة من أدوات الحرب الناعمة
حين نتحدث عن تغييب الهوية، فإننا لا نعني مجرد وقوع بعض الأفراد في الانحراف أو الضعف أو الجهل، فهذه ظواهر قديمة في حياة المجتمعات، وإنما نعني وجود عملية ممنهجة تسعى إلى إعادة تشكيل الإنسان المسلم بحيث ينفصل تدريجيًا عن مرجعيته الدينية والثقافية أو ينظر إليها بعين الشك والاتهام والحرج، وهذا التغييب قد يكون صريحًا ومباشرًا، وقد يكون تدريجيًا وخفيًا، وقد يأتي عبر قنوات تبدو بعيدة ظاهريًا عن الدين، لكنها تؤدي في مجموعها إلى النتيجة نفسها.
إن العدو لا يحتاج دائمًا إلى أن يقنع المسلم بترك الإسلام رسميًا، بل يكفيه أحيانًا أن يجعله:
يشك في صلاحية الدين للحياة، يرى أحكامه عبئًا على الحرية أو يشعر بالخجل من رموزه وشعائره أو يتبنى تصورات الخصم عن نفسه وتاريخه أو يفسر العالم بمنظور مستورد منفصل عن الوحي أو يستهين بالمقدس ويعظم النمط الاستهلاكي والترفيهي.
وبهذا المعنى، فإن تغييب الهوية أخطر من مجرد العدوان الظاهر، لأنه يجعل الإنسان يُسهم أحيانًا في هدم ذاته بيده، ويشارك في إعادة إنتاج الخطاب الذي يضعف انتماءه. وهذه هي ذروة النجاح في الحرب الناعمة: أن يتحول المستهدف إلى حامل لرسالة المستهدف، وأن يصبح لسانًا للمشروع المعادي دون أن يشعر.
أهم آليات تغييب الهوية
تتنوع الآليات التي تُستخدم في تغييب الهوية، لكنها تلتقي جميعًا في هدف واحد هو فصل الإنسان عن مرجعيته الأصيلة ومن أبرز هذه الآليات:
1- التشويه الإعلامي للدين والملتزمين
من أكثر الوسائل استعمالًا ربط التدين بالعنف، وربط الالتزام بالتخلف، وربط الهوية الإسلامية بالانغلاق والكراهية، ويجري ذلك من خلال الأفلام، والتقارير الإعلامية، والمحتوى الرقمي والنكات، والبرامج الحوارية، وحتى بعض الخطابات التعليمية والثقافية.
والمشكلة لا تكمن في نقد بعض الممارسات الخاطئة، فهذا أمر ممكن ومشروع، وإنما في تعميم الخطأ على أصل الدين، وجعل الانحراف الفردي أو التنظيمي ممثلًا للهوية الإسلامية كلها، وهنا يقع خلط متعمد بين الإسلام بوصفه وحيًا وقيمًا وتشريعًا، وبين بعض النماذج المشوهة أو المسيسة أو المتطرفة.
والرد العلمي هنا يقتضي التفريق بين الإسلام في مصادره المعيارية وبين سلوك بعض المنتسبين إليه، فلا يُحاكم الإسلام بجريرة من أساء فهمه أو استغله، كما لا تُحاكم أي منظومة فكرية بأخطاء من انحرف في تطبيقها. بل الواجب أن يُرجع الإسلام إلى القرآن الكريم، وسنة النبي واله، ومنظومته الأخلاقية والفقهية والعقدية المتكاملة.
2- تفكيك الأسرة ومنظومة العفة
الأسرة هي الحاضنة الأولى للهوية، لأنها تنقل القيم، وتصنع الوجدان، وتربط الإنسان بالمعنى وتبني في داخله منظومة الانتماء والالتزام، ومن هنا فإن استهداف الأسرة ليس ملفًا اجتماعيًا منفصلًا، بل هو استهداف مباشر للهوية، فحين تُهدم مفاهيم الحياء، والعفة، والولاية التربوية والمسؤولية الأسرية، والتكامل بين الرجل والمرأة، وتُقدَّم البدائل المنفلتة بوصفها تحررًا، فإن المجتمع لا يفقد بعض ضوابطه الأخلاقية فحسب، بل يفقد مصنعه الأول في إعادة إنتاج الهوية.
ولهذا فإن الدفاع عن الأسرة في المنظور الإسلامي ليس دفاعًا محافظًا بالمعنى السطحي، بل هو دفاع عن البنية الحاملة للهوية. لأن الفرد إذا نشأ في بيئة مفككة، مضطربة القيم، منقطعة الصلة بالمقدس، كان أكثر استعدادًا للذوبان في الأنماط الوافدة.
3- السيطرة على الذوق والخيال
كثير من الناس يظنون أن الصراع على الهوية يتم فقط عبر الكتب والمحاضرات، بينما الواقع أن جزءًا كبيرًا منه يجري عبر الذوق الفني والخيال الجمعي، فالصورة، والأغنية، والمشهد الدرامي، والرمز البصري، والبطل المصنوع إعلاميًا، ووسائل التواصل والمشاهير كلها تشارك في تشكيل الوعي وحين يتكرر تقديم النموذج الغربي أو المادي أو المنفلت بوصفه النموذج الناجح والجذاب والمتفوق، فإن ذلك يرسخ في اللاوعي الجمعي أن طريق التقدم يمر عبر التشبه بهذا النموذج، لا عبر استحضار الهوية الذاتية وتطويرها.
وهنا يظهر أن المعركة ليست معركة فكرة مجردة فقط، بل معركة صورة ومزاج وثقافة يومية وتصدير عادات وتقاليد وثقافات، ولذلك فإن المواجهة لا تكفي فيها لغة التحريم المجردة بل لا بد من بناء بديل جمالي وإعلامي وثقافي راقٍ، يجمع بين الأصالة والجاذبية، وبين الهوية والإبداع.
4- التشكيك بالرموز والثوابت
كل أمة تتماسك برموزها الجامعة من علماؤها، ومقدساتها، وتاريخها، وشهداؤها، ونصوصها المؤسسة، وذاكرتها الحضارية، فإذا نجح المشروع المعادي في إسقاط هذه الرموز من وجدان الأمة، أو تحويلها إلى موضع سخرية أو اتهام دائم، فإن الأمة تفقد نقاط الارتكاز التي تمنحها الثبات ومن هنا تأتي حملات التشكيك بالمرجعية الدينية والفقهاء والمنبر الحسيني، والطعن بالموروث، والاستهزاء بالشعائر الدينية، وتحويل بعض الأخطاء الجزئية إلى ذريعة لهدم البنية الرمزية كلها.
غير أن المواجهة الرشيدة هنا لا تعني العصبية غير العلمية، ولا رفض النقد الموضوعي، بل تعني التفريق بين النقد الإصلاحي الداخلي وبين الهدم العدائي الخارجي أو المستبطن، فالنقد البناء يقوي الهوية، أما التشكيك الهدام فيسعى إلى إفراغها.
الآثار الخطيرة لتغييب الهوية
إن تغييب الهوية لا يقف عند حدود الأفكار، بل يترك آثارًا عميقة في النفس والمجتمع والسياسة والحضارة واليك أهمها:
1- الاثار النفسية والتي تؤدي الى شعور الفرد بالاغتراب، وفقدان المعنى، والتردد بين الانتماءات، والخجل من ذاته.
2- الاثار الاجتماعية والتي تهدف الى ضعف التماسك، وتراجع الثقة بين الأجيال، وتآكل الأسرة، وانتشار الفردانية.
3- الاثار الفكرية ونعني بها شيوع النسبية المطلقة، وفقدان اليقين، وتحول الحقائق إلى أذواق شخصية.
4- ومن الاثار السياسية قابلية المجتمع للتبعية، لأن المجتمع الذي لا يعرف من هو، لا يستطيع أن يحدد ماذا يريد، ومن ثم يسهل قياده.
بل إن أخطر النتائج هي أن المجتمع قد يصل إلى مرحلة لا يشعر فيها بأنه يتعرض للاستهداف أصلًا، بل يظن أن ما يحدث له هو تطور طبيعي أو تحرر أو تقدم وهنا تبلغ الحرب الناعمة غايتها القصوى، لأنها تنتقل من مرحلة الصراع الظاهر إلى مرحلة إعادة برمجة الوعي نفسه.
الرد والمواجهة
إن مواجهة تغييب الهوية لا تكون بخطاب عاطفي منفعل وحده، كما لا تكون بالاكتفاء بتعداد المخاطر بل تحتاج إلى مشروع متكامل يقوم على عدة مسارات متزامنة:
المسار الأول: هو المسار المعرفي: والذي يعتمد أولا وبالذات على معرفة العدو وتشخيصه والاقتناع بمشاريعه الخطيرة ضد الإسلام.
وثانيا إعادة تعريف الناس بحقيقة هويتهم الإسلامية، وبناء وعي عميق بالدين والعقيدة الحقة بوصفه منظومة حياة، لا مجرد شعارات فالهوية لا تُحمى بالجهل، بل تُحمى بالفهم والمعرفة والبصيرة.
المسار الثاني: هو المسار التربوي: لأن الهوية تُصنع بالتنشئة قبل أن تُدافع بالمجادلة فلا بد من بناء الطفل والشاب على الاعتزاز الواعي بالدين الإسلامي واشعاره بالافتخار بذلك وان هذا الانتماء عبارة عن مسؤولية فردية ومجتمعية وكذلك ربطه بالقرآن، وبسيرة النبي وآله وبالقدوات الصالحة، وباللغة الرمزية والوجدانية التي تجعل الانتماء حيًا في القلب والعقل معًا ، وهذا واجب على المؤسسات الدينية والحكومية ان يضعوا مناهج تعزز الهوية الدينية لدى الأطفال والشباب وتنشئتهم على ذلك قال امير المؤمنين عليه السلام : (أوّل الأشياء التي يجب أن يتعلّمها الأحداث، الأشياء التي إذا صاروا رجالاً احتاجوا إليها)(5) ، وعن الباقر عليه السلام : ( لو أتيت بشابّ من شباب الشيعة لا يتفقّه في الدين لأوجعته)(6) عن النبيّ صلى الله عليه واله: (من تعلم في شبابه كان بمنزلة الرسم في الحجر)(7) .
المسار الثالث هو المسار الإعلامي والثقافي: إذ لا يمكن مواجهة الآلة الإعلامية المعادية بخطاب ضعيف أو تقليدي أو منفصل عن لغة العصر بل يجب إنتاج محتوى محترف، قادر على الإقناع والجذب، يرد على الشبهات، ويقدم النموذج الإسلامي بوصفه نموذجًا إنسانيًا راقيًا، لا خطابًا دفاعيًا مرتبكًا.
المسار الرابع: هو المسار الاجتماعي والمؤسسي: لأن حماية الهوية ليست مهمة الأفراد وحدهم، بل هي مسؤولية المراكز الثقافية، والمدارس، والجامعات، والمنابر، والأسر والمؤسسات الإعلامية، والنخب الفكرية، فلا بد من تحويل حماية الهوية إلى مشروع مجتمعي منظم، لا إلى جهود متفرقة.
المسار الخامس: هو إحياء البعد الرسالي في الهوية: بمعنى أن يشعر الإنسان أن انتماءه ليس مجرد ميراث، بل مسؤولية واصطفاف في معركة الحق والباطل واصطفاف ضمن مشروع الله تعالى في الأرض الذي يقوم على التفقه والتعلم والانتظار والمرابطة على ثغور العلم والمعرفة والاحياء لأمر الإسلام في نفوس الامة فالهوية التي لا ترتبط بمهمة، تضعف أمام الإغراءات أما إذا ارتبطت برسالة، فإنها تتحول إلى طاقة مقاومة وصمود قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(8) } و عن الصادق عليه السلام: (اصْبِرُوا على المصائب ،وَصَابِرُوا على الفرائض وَرَابِطُوا عن الأئمة(9))، وعنه عليه السلام: ( اصْبِرُوا على المعاصي وَصَابِرُوا على الفرائض(10)) ، وفي رواية :(اصْبِرُوا على دينكم وَصَابِرُوا عدوكم ممن يخالفكم وَرَابِطُوا امامكم(11)) .
يتضح من هذا العرض أن تغييب الهوية يمثل واحدًا من أخطر أسلحة العدو الناعمة، لأنه يستهدف جوهر الإنسان ومرجعيته ومعياره وانتماءه، ويعمل على إنتاج حالة من الانفصال عن الذات الحضارية والدينية للأمة، وهذه العملية لا تجري عشوائيًا، بل تتحرك ضمن آليات مدروسة تشمل الإعلام، والتعليم، والثقافة، والأسرة، والرموز، والصورة الذهنية، والفضاء الرقمي.
ومن هنا فإن أي مشروع نهضوي أو مقاوم أو إصلاحي لا يجعل حماية الهوية في صلب أولوياته، سيبقى مشروعًا ناقصًا، لأن الأمة التي تفقد هويتها لا تملك أن تصمد طويلًا، حتى لو امتلكت بعض عناصر القوة المادية كما أن الرد على هذا الاستهداف لا يكون بالموقف الدفاعي المرتبك، بل ببناء هوية واثقة، عالمة، حية ضمن منهج الإسلام والقران والعترة قادر على فهم العصر دون الذوبان فيه، وقادرة على الانفتاح دون التفريط، وقادرة على المواجهة دون انغلاق ، وقادرة على تحصين المجتمع من مخاطر القوة الناعمة التي يستخدمها العدو في بلداننا .
الهوامش:----
[1] توجيهات المرجعية العليا في النجف الاشرف انظر الموقع الرسمي .
[2] آل عمران 19 .
[3] آل عمران 85 .
[4] شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 9 ص 152
[5] ميزان الحكمة، ج5، ص352
[6] ميزان الحكمة/ ج5، ص8.
[7] سفينة البحار، ج1، ص680
[8] آل عمران: 200
[9] تفسير علي بن إبراهيم: ج 1 ص 129.
[10] أصول الكافي ج2 ص81.
[11] تفسير القمي ج 1 - ص 129

اترك تعليق