الـحـسـيـن .. لـغـة ثـانـيـة

 

إلـى الـحـسـيـن (عـلـيـه الـسـلام)

الإهـداء:

لـن أهـديـه لأحـد!

لأنّ (ألـمْ) مـازالـتْ خـائـفـة.

والأخـضـرُ الـذي ارتـدى الـغـيـاب...

لـم يـعُـد بـعـد!

الـبـدايـة:

يـبـدو الـحـسـيـنُ يُـغـطّـي سـيـفَـهُ بـورودِ الـنّـهـرِ

ثـمَّ يـرشُّ الـمـاءَ فـوقَ دم الـقـتـلـى..

فـتـظـهـرُ خـلـفَ الأفْـقِ عـاصـفـةٌ.

مـا  زلـتُ أحـمـلُ أكـفــــــــــانـاً.. مـمـزَّقـةً   ***   وحـفـنـةً مـن رمـال خـبّـأت وجَـعـي

أمـشـي وخـلـفـيَ تـمـشــي ألـفُ عـاصـفـة   ***   كـأنّـهـا  وُلِـدت فـي كـربـــلاءَ مـعـي!

صـوتٌ يـجـيءُ:

رأيـنـا غـيـمـةً هـبَـطـت لـيـلاً تُـفَـتِّـشُ بـيـنَ الـرمـلِ عـن دمـهِ الـظـمـآنِ

ثـمَّ تـوارتْ وهـيَ حـائـرةٌ..

وَجـهـي ووجـهُـكَ شـيءٌ واحـــــــــــــــدٌ ولـنـا   ***   ظـلُّ فَـمَـن أنـتَ، هـل أنـتَ الـــــــــذي قُـتِـلا؟

بـالأمـسِ أَغـلَـقَـنـي يـأسـي، وغــــــــــــادرنـي   ***   لـونـي،  فـهـلْ جـئـتَ ضـوءاً تــفـتـحُ الأمـلا؟

تـركـتُ قـلبـيَ عـنـدَ الـنـهـــــــــــــــرِ نـورسـةً   ***   ظـمـأى تـشـظّـى لَـدَيـهـا الـمــــــاءُ واشـتـعـلا

خـطـوي  يـطـاردُ صـحـرائــــي، وقـد تـعـبـتْ   ***   أشـــــــلاؤُهُ وانـتـهـى الـمـسـرى ومـا وصـلا

فـكـيـفَ جـئـتَ ربـيــــــــــــــعاً، رمـلُ واحـتِـهِ   ***   تـلـوّنَ الـنـجـمُ مـن رؤيـــــــــــاهُ، واكـتـحـلا؟

«الـسـيـفُ يـنـزفُ مـاءً» قـلـتَ، وارتـــجـفـتْ   ***   كـفُّ الـزمـــــــــــانِ، فـهـل أنـتَ الـذي قُـتِـلا؟

صـوتٌ يـجـيءُ: هـيَ الأشـيـاءُ تُـولـدُ فـي كـفَّـيِـه

والـرّيـحُ طـفـلٌ خـلـفَ قـامـتـهِ.. يـبـكـي

ولـلـشّـمِـس خـيـطٌ مـن تـوهّـجـهِ...

لِـجـثّـتـي أمـسُـهـا نـهـراً وسـنـبــــــــــــــــلـةً   ***   وسـوفَ يـحـمـلُ أعـراسَ الـحـصـادِ غـدُ

وفـي ارتـجـافِـة مـوتـي غَـيـــــــــمـةٌ، وبـأشــــــــــــــلائـي مـخـاضـاتُ صـبــح لَـمَّـهـا جَــسـدُ

عـيـنـاي صـمـتٌ غـريــــــــبٌ، خـلـفـهُ لـغـةٌ   ***   أُخـرى.. وأشـرعـةٌ تـنـــــــــأى وتـبـتـعـدُ

صـوتٌ  يـجـيءُ: رأيـنـا الـشّـمـسَ تـحــمـلُـهُ   ***   فـي لـحـظـة قـد تــــوارى عـنـدهـا الأَبـدُ!

الـرؤى

الـرؤيـا الأولـى:

 أرادَ أن يـقـولْ

 شـيـئـاً عـن الـفـاصـلـةِ الـبـلـهـاءِ

 بـيـنَ الـنـومِ والـيـقـظـةِ

فـاسـتـسـلـمـت الأشـيـاءُ لـلـذهـولْ!

 * * *

أرادَ أن يـقـولْ

شـيـئـاً عـن الـخـصـبِ..

فـصـلَّـت وردةٌ.. مـوبـوءةٌ

واسـتـغـفـرتْ آلـهـة الـذبـولْ!

 * * *

أرادَ أن يُـطـفـي عـواءَ الـريـحِ،

أو يـسـتـرَ عُـريَ هـذهِ الـخـيـولْ

فـصـاحَ: يـا أمـطـارَ هـذا الأُفُـقِ الـمـسـلـولْ..

مُـرّي عـلـى خـيـمـتـنـا،

 فَـخـبَّـأت خـلـفَ الـضـبـابِ وجـهَـهـا،

 وسـمَّـرت غـيـومَـهـا الـفـصـولْ!

 * * *

وبـعـدَهـا.. أرادَ أن يـقـولْ:

لا تـولـدوا..

لا تـولـدوا فـي زمـن مـقـتـولْ!

الـرؤيـا الـثـانـيـة:

هـل كـانَ لـلأشـجــــــــــــــــارِ أوردةٌ   ***   فـيـهـا لـمـوجِ الـنّـــــــــارِ مـيـنـاءٌ؟

هـل كـانَ لـلـغـيـمِ احــتــــــــــــراقـتُـهُ   ***   ولـه  تـوابـيـــــــــــــتٌ.. وأشـلاءُ؟

وهـل  الـتـوى جــسـدُ الـنـهـار عـلـى   ***   طـعـنــــاتِـهِ.. والـشـمـسُ عـمـيـاءُ؟

اَلـريـحُ قـــــــــــافـلـةٌ.. وصـرخـتُـهـا   ***   جَـرَسٌ.. وهــذا الـكـونُ صـحـراءُ!

لـهـدوئـهِ  لُـغـةٌ.. مـلـــــــــــــــــــوّنـةٌ   ***   ولـمـوتِـهِ صــورٌ.. وأسـمــــــــــاءُ

ولـوجـهِـهِ رغـمَ انـطـفــــــــــــــاءتِـهِ   ***   أشـيـاءُ بـارقـةٌ.. وأشـيــــــــــــــاءُ!

بـعـيـونِـهِ  تـبـكـي مـــــــــــــــلائـكـةٌ   ***   وبـجـرحـهِ يـتـوضـأ الـمــــــــــاءُ!!

الـرؤيـا الـثـالـثـة:

«صـمـتُـهُ مـئـذنَـة

والـجـراحُ قـنـاديـلُ مـن وهـجٍ

والـسـيـوفُ انـطـفـاءْ»

هـكـذا قـالـت الـريـحُ

 ثـمّ رَمَـتْ وجـهـهَـا فـي الـعـراءْ

هـكـذا تـخـشـعُ الأزمـنَـة

فـوق أقـدامِـهِ،

وتـؤدّي الـفـصـولُ طـقـوسَ الـبـكـاءْ

 * * *

صـمـتُـهُ مـئـذنَـة

كـلَّـمـا فَـرشَـت ظـلَّـهـا،

هـوَّمـت فـيـه عـصـفـورةٌ،

وغَـفَـت سـوسـنَـة!

الـرؤيـا الـرابـعـة:

يـبـدأُ الـحـزنُ فـجـأةً، تـبـدأُ الـدمــــــــــــــــــــــــــــــعـةُ فـصـلَ الـطـفـولــــــــــةِ الأبَـديَّـة

تـرتـدي لـحـظـةُ الـبـكـاءِ عـمـى الـلـيـــــــــــــــــــــــلِ،  وبُــقـيـا  نـجـــــومِــهِ الـخَـزفـيَّـة

لـيـسَ فـي الـــــــبـحـرِ أوردةِ الــــمـلـــــــــــــــــــــــحِ، وصـمـتِ  الـمـرافـىءِ الـمـنـسّـيـة

لـيـسَ فـيـهِ سـوى غـمـــــــــوض رمــــــــــــــــــــــاديٍّ ومـا خـبَّـئــتْ عـيـونُ الـضـحـيَّـة

رمَّـلـت وجـهـهَـا الـحـكـايـا، وراحَ الــــــــــــــــــــــضـوءُ يـنـسى أشـبـاحَـهـا الــهـمـجـيَّـة

فـهـي حـيـرى، هـل طـــاعـنـوهُ بـرمــــــــــــــــــــــح أمـويٍّ،  أمْ مُـديــــــــــــــة وثـنـيَّـة؟

يـنـتـهـي الـحـزنُ فـجـأةً، تـأخـذُ الـدمـــــــــــــــــــــعـةُ بـعـدَ الـرؤيـا، ولـونَ الـشــــــظـيَّـة

ويـكـونُ  الـحـسـيـنُ أوّلَ حــرف جـــــــــــــــــــــــرحَ الـصـمـتَ فـي دمِ الأبـجـــــــديَّـة!!

الـرؤيـا الـخـامـسـة

عـائـدٌ والـفـراتُ رحـيـلْ

حَـمَـلَـتـهُ الـخـطـى الـخـائـفَـة

عـائـدٌ خـطـوتـي عـاصـفَـة،

 ودمـي الـمـسـتـحـيـلْ،

 * * *

ربّـمـا يـنـحـنـي زمـنٌ.. ربّـمـا

أو تـضـيـعُ مـرايـا الـنـهـارْ

عـائـدٌ إنْ مـحـانـي الـظـمـا،

رَسَـمـتـنـي الـبـحـارْ!

 * * *

وجـهُ طـفـلي كـلامٌ جـريـحْ

ورؤى كَـركَـرتْ فـي رذاذِ الـوضـوءْ

الـصـحـارى انـهـيـارٌ.. ولـيـلٌ.. وريـحْ

وهـوَ يـبـنـي الـهـدوءْ!

 * * *

عـائـدٌ والـزمـانُ الـكـسـيـحْ،

خـلـفَ خـطـوي يـمـوءْ!!

الـرؤيـا الـسـادسـة:

خـطـوتـهُ تـطـاردُ الـغـيـابْ

ووجـهُـهُ فـراشـةٌ،

حـطَّـت عـلـى بـوّابـةِ الـعـذابْ

وفـي عـيـونِ طـفـلِـهِ تـدافـعَ الـضـبـابْ

وفـي الـشـفـاهِ الـراحـلاتِ

فـي قـوافـلِ الـردى

تَـيـبَّـسـت جـنـازةُ الـسـحـابْ!

 * * *

يـا أنـتِ، يـا مـواسـمَ الـتـرابْ

رشّـي عـلـى جـراحِـهِ،

رشّـي ولـو شـيـئـاً مـن الـسـرابْ!

الـرؤيـا الـسـابـعـة:

لـنْ أكـونَ كـمـا تـشـتـهـيـنْ،

يـا سـيـوفـاً مـن الـخـزفِ الـهـاشـمـيِّ،

ويـا أوجـهـاً طـلـعـت،

 مـن ثـقـوبِ الـسـنـيـنْ

 لـن تـكـونَ نـوافـذُ جُـرحـي،

مـمـرَّاً إلـى مُـدُنِ الـمـيّـتـيـنْ!

 * * *

إنـنـي أبـتـنـي خـيـمـةً لـجـراحـي،

وأعـزفُ مـن آهـةِ الـمـتـعـبـيـنْ،

مـواويـلَ مـنـقـوعـةً بـالـتـمـرُّدِ،

مـشـدودةً بـالـتـشـرُّدِ،

مـشـبـوبـةً...

لا كـمـا تـشـتـهـيـنْ،

أن تـكـونَ مـرقَّـعـةً مـن رمـاد وطـيـنْ!

 * * *

أَنْ أكـونَ كـمـا تـشـتـهـيـنْ،

أنـتِ لابـدَّ أنْ تـحـصـدي سـنـبـلا

مِـن حـكـايـا الـمـواويـلِ،

أو أنـجـمـاً مـن شـظـايـا الـقـنـاديـلِ

أو فـرحـاً مـن زوايـا الأنـيـنْ...

ثـمَّ قـد لا أكـونُ كـمـا تـشـتـهـيـنْ!

الـرؤيـا الـثـامـنـة:

كـيـفَ يـجـيءُ الـمـاءْ؟

وتـحـتَ كـلِّ قـطـرة،

مـحـرقـةٌ حـمـراءْ؟

وخـلـفَ كـلِّ قـطـرة،

جـزيـرةٌ مـنـقـوعـةٌ بـالـمـلـحِ والـخـواءْ؟

كـيـفَ يـجـيء الـمـاءْ؟

ولـيـسَ فـي زوّادةِ الـقـتـلى سـوى الـدمـاءْ

ولـيسَ فـي عـبـاءةِ الـحـسـيـنْ،

غـيـر بـقـايـا جـسـد مـجـرَّح، وصـمـتِ كـبـريـاءْ

كـيـفَ يـجـيء الـمـاءْ؟

والـنـهـرُ صـارَ فـجـأةً...

مـقـبـرةً لألـفِ ألـفِ مـوجـة بـلـهـاءْ؟!

الـرؤيـا الـتـاسـعـة:

خـلـفَ عـيـنـيـهِ نـجـمـــــتـانْ وعـــلــــى صــدرهِ قـمـرْ

كـيـف يـبـكـي لـه الـدخـــانْ أو يـغــــنّـي لـهُ الـحـجـرْ؟

***

وعـلـى وجـهِـهِ رمــــتْ لـونَــــــــــهـا ألـفُ عـاصـفَـة

يـا تـرى أيـن هـوّمــــتْ؟  فـالـعـصـــــافـيـرُ خـائـفَـة!

***

عُـنْـقـهُ حـاصـرَ الـسـيـــــوفْ فـــتهـاوتْ،  مـهـشَّـمَـة

هـيَ فـي عُـريِـهـا تـطـوفْ وهــوَ مــلـيـونُ مـلـحـمَـة!

***

حـائـراً هَـمْـهـمَ الـمـســــــــــــاءْ لـخـيـول..  مـقـنّـعـة

كـيـف لا تـحـمـلُ الـضـيـاءْ غــيـرُ كـفٍّ.. مـقـطّـعَـة؟

***

قـد تـوكَّـأْتَ يـا جـبــــــــــــلْ فـوقَ رمـــح.. مـحـطَّـمِ

هـكـذا يُـصـلـبُ الأمـلْ  بـمـســــــــــامــيـرَ  مـن دمِ!

 

جواد جميل 

المرفقات