القيمة المعرفية لشعر أبي طالب (عليه السلام)

دراسةٌ في دلالاته العقدية وشواهده الإيمانية

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ البحث في شخصية أبي طالب بن عبد المطّلب (عليه السلام) لا يستقيم بمعزلٍ عن دراسة مواقفه التاريخية، واستقراء نصوصه الشعرية، وتأمّل ما انطوت عليه من مضامين عقدية تكشف عن حقيقة موقفه من النبوّة المحمدية والرسالة الإلهية. فإنّ شعره ليس مجرّد أثرٍ أدبيٍّ يُستأنس به في دراسة لغة العرب وبلاغتهم، ولا وثيقةً تاريخيةً هامشيةً تُستحضر في سياق الحوادث فحسب، بل هو موروثٌ معرفيٌّ ذو دلالات توحيدية ونبوية وإيمانية، يمثّل أحد الشواهد المهمة في الكشف عن عقيدته، وفهم طبيعة دفاعه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، واستجلاء البواعث التي جعلته يثبت على نصرته في أحلك الظروف وأشدّها وطأةً على الدعوة الإسلامية الناشئة. وإذا كان الشعر العربي في عصر البعثة من أهمّ الوسائل التي عبّر بها العرب عن معتقداتهم ومواقفهم وانتماءاتهم، فإنّ شعر أبي طالب (عليه السلام) يكتسب خصوصيةً استثنائيةً؛ لاجتماع ثلاثة عناصر فيه: معرفةٌ بمقام النبي (صلى الله عليه وآله)، وتصريحٌ بصدقه ونبوّته، وموقفٌ عمليٌّ متصلٌ بنصرته وحمايته. ومن هنا، فإنّ مقاربته مقاربةً علميةً تقتضي تجاوز القراءة الأدبية المحضة إلى استنطاق مضامينه العقدية، والنظر إليه في ضوء الشواهد الروائية والتاريخية ذات الصلة.

 

أولاً: عناية الأئمة بشعر أبي طالب وأساسها المعرفي:

لم تكن عناية أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بشعر أبي طالب (عليه السلام) عنايةً عارضةً أو مقتصرةً على الإشادة بفصاحته وبلاغته، بل ورد عنهم الحثّ على روايته وتدوينه وتعليمه، مقروناً بالتنصيص على إيمانه وبيان ما يشتمل عليه من العلم والمعرفة. فقد روى السيد الجليل أبو علي فخار بن معد الموسوي، في كتاب «الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب» بالإسناد إلى علي بن أحمد بن مسعدة بن صدقة، عن عمه، عن الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يعجبه أن يروى شعر أبي طالب وأن يدون، وقال: تعلموه وعلموه أولادكم فإنه كان على دين الله، وفيه علم كثير» (1).

وهذا النصّ الشريف يمثّل مفتاحاً منهجياً لفهم القيمة المعرفية لهذا الشعر؛ إذ إنّ الأمر بتعلّمه وتعليمه لا ينفكّ عن التعليل الوارد فيه، وهو أنّ أبا طالب (عليه السلام) كان على دين الله، وأنّ شعره يشتمل على علمٍ كثير. فلو كان المقصود مجرّد الاستمتاع بجزالة ألفاظه، أو الانتفاع به في تقويم اللسان، لما كان لاقتران الأمر بالتعليم بالتنصيص على دينه ومضامين شعره هذه الخصوصية. وإنّما تتجلّى الدلالة في أنّ هذا الشعر يحمل مضامين تستحقّ أن تُتلقّى بوصفها مادةً معرفيةً، وأن تُحفظ بوصفها شاهداً على عقيدة قائله، وأن تُنقل إلى الأجيال لما تنطوي عليه من معارف تتصل بالتوحيد والنبوّة والرسالة والنصرة.

ومن هنا، فإنّ وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) شعر أبي طالب بأنّ فيه «علماً كثيراً» ليس وصفاً أدبياً محضاً، بل هو تنبيهٌ إلى ما يختزنه من مضامين جديرةٍ بالدرس والاستنباط، ولا سيّما أنّ قائله كان في موقعٍ تاريخيٍّ فريد، أتاح له أن يشهد بدايات الدعوة المحمدية، وأن يعبّر عن موقفه منها في نصوصٍ شعريةٍ بقيت شاهداً على وعيه بمقام النبي (صلى الله عليه وآله) وإيمانه برسالته.

 

ثانياً: شعر أبي طالب في ميزان الاحتجاج العقدي:

إنّ من أبرز الشواهد على القيمة الاستدلالية لشعر أبي طالب (عليه السلام) أنّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لم يقتصروا على الحثّ على روايته، بل استحضروا مضامينه في مقام الاحتجاج على من ادّعى كفره، فجعلوا تصريحاته الشعرية جزءاً من الجواب عن هذه الدعوى.

فقد روى الكليني في الكافي، عن إسحاق بن جعفر، عن أبيه الإمام الصادق (عليه السلام)، أنّه قيل له: إنّهم يزعمون أنّ أبا طالب كان كافراً، فقال (عليه السلام): «كذبوا، كيف يكون كافراً وهو يقول:

«ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّداً ** نبيّاً كموسى خُطَّ في أوّل الكتب»؟

وفي روايةٍ أخرى احتجّ الإمام (عليه السلام) بقوله:

«لقد علموا أنّ ابننا لا مكذَّبٌ ** لدينا ولا يُعبأ بقول الأباطلِ»

 

وقوله:

«وأبيضُ يُستسقى الغمامُ بوجهه ** ثِمالُ اليتامى عصمةٌ للأراملِ» (2).

وموضع الشاهد هنا أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) واجه الدعوى المنافية لإيمان أبي طالب (عليه السلام) بالاحتجاج بما صدر عنه من شعرٍ يتضمّن الإقرار بنبوّة محمد (صلى الله عليه وآله)، والشهادة بصدق دعوته، وإظهار منزلته في قومه. وهذا يكشف عن أنّ هذه النصوص لم تكن عند أهل البيت (عليهم السلام) مجرّد شواهد أدبية، بل كانت ذات صلة مباشرة بتقويم الموقف العقدي لأبي طالب (عليه السلام) والردّ على ما نُسب إليه.

على أنّ المنهج العلمي في الاستدلال يقتضي ألّا تُنتزع الأبيات من سياقاتها، ولا أن يُكتفى ببيتٍ منفردٍ مع إغفال سائر الشواهد؛ بل ينبغي ضمّ النصوص الشعرية بعضها إلى بعض، وقراءتها في ضوء الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام)، والمواقف التاريخية التي ثبتت عنه في حماية النبي (صلى الله عليه وآله) والدفاع عنه. فالدلالة هنا تتقوّى بتضافر الشواهد وتساند القرائن، لا بمجرد إطلاق دعوى لا يعضدها تحليلٌ للنصوص.

 

ثالثاً: المعارف التوحيدية في شعر أبي طالب:

إنّ استقراء شعر أبي طالب (عليه السلام) يكشف عن اشتماله على مضامين توحيدية تتصل بإثبات وحدانية الله تعالى، وانفراده بالملك والتدبير، وكونه المبدأ والمعيد، والواهب الذي لا شريك له في ربوبيته وسلطانه.

ومن ذلك قوله:

«مليكُ الناسِ ليس له شريكٌ ** هو الوهّابُ والمُبدي المعيدُ

ومن فوق السماءِ له مَلاكٌ ** ومن تحت السماءِ له عبيدُ».

فهذه الأبيات تتضمّن تقريراً لوحدانية الله تعالى ونفي الشريك عنه، مع الإقرار بعموم سلطانه وشمول عبوديته لجميع الخلق. وهي مضامين لا تنسجم مع تصوير صاحبها على أنّه كان غافلاً عن أصول الاعتقاد الإلهي أو مجرّداً من المعرفة الدينية؛ بل تكشف عن حضور التصوّر التوحيدي في خطابه الشعري، واتخاذه لغةً للتعبير عن معتقده.

ولا ريب أنّ الاستشهاد بهذه الأبيات لا يغني عن دراسة سائر النصوص ذات الصلة، إلا أنّها تظلّ شاهداً مهماً على أنّ شعر أبي طالب (عليه السلام) لم يكن محصوراً في أغراض الفخر والمدح والحماسة، بل اشتمل كذلك على تقرير معارف تتصل بأصل الدين وأساس الاعتقاد.

 

رابعاً: التصريح بنبوّة محمد (صلى الله عليه وآله) والشهادة بصدق رسالته:

تتجلّى إحدى أهمّ الخصائص العقدية لشعر أبي طالب (عليه السلام) في إعلانه نبوّة ابن أخيه، والدفاع عن صدقه في مواجهة المكذّبين، ورفضه ما أُثير حول دعوته من أباطيل. ومن ذلك قوله:

وقالوا لأحمدَ أنت امرؤٌ ** خلوفُ الحديثِ ضعيفُ النسبِ

ألا إنّ أحمدَ قد جاءهم ** بحقٍّ ولم يأتهم بالكذبِ

ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّداً ** نبيّاً كموسى خُطَّ في أوّل الكتبِ

 

إنّ هذه الأبيات تتجاوز حدود العاطفة الأسرية؛ لأنّها تتضمّن حكماً صريحاً على حقيقة الدعوة المحمدية، يتمثّل في إثبات النبوّة، والشهادة بالحقّ، ونفي الكذب عن الرسول (صلى الله عليه وآله). كما أنّ تشبيه نبوّته بنبوّة موسى (عليه السلام) يحمل دلالةً على إدراك أبي طالب (عليه السلام) أنّ البعثة المحمدية ليست حادثةً منفصلةً عن سنن الوحي الإلهي، بل هي امتدادٌ لمسار النبوّات الذي عرفته البشرية في تاريخها الديني.

وهنا تبرز نكتةٌ جديرةٌ بالتأمّل: إنّ أبا طالب (عليه السلام) لم يكن يعبّر عن موقفه في محيطٍ خالٍ من المعارضة، بل كان يخاطب مجتمعاً شهد صراعاً حادّاً حول دعوة النبي (صلى الله عليه وآله)، وتعرّض فيه الرسول وأتباعه للأذى والتكذيب. ومن ثمّ، فإنّ إعلانه نبوّته والدفاع عن صدقه في مثل ذلك الظرف لا يُقرأ بوصفه مجرّد مدحٍ شعريٍّ، بل بوصفه موقفاً ذا مضمونٍ دينيٍّ واضح، تتعاضد دلالته مع سائر شواهد سيرته.

 

خامساً: نصرة النبي (صلى الله عليه وآله) بوصفها تجسيداً عملياً للإيمان:

لم يقف موقف أبي طالب (عليه السلام) عند حدود الإقرار اللفظي بنبوّة محمد (صلى الله عليه وآله)، بل اقترن ذلك بمسارٍ عمليٍّ من الحماية والدفاع وتحمل أعباء المواجهة. وقد انعكس هذا البعد في شعره الذي تضمّن الوصية بنصرة النبي، واستنهاض أهل بيته للقيام بمسؤولية الدفاع عنه.

ومن ذلك قوله:

أوصي بنصرِ النبيِّ الخيرِ مشهدهُ ** عليّاً ابني وشيخَ القومِ عبّاسا

وحمزةَ الأسدَ الحامي حقيقتَهُ ** وجعفراً ليذودوا دونه الباسا

 

إنّ هذه الأبيات تكشف عن وعي أبي طالب (عليه السلام) بخطورة المرحلة التي واجهت الرسالة، وعن حرصه على إحاطة النبي (صلى الله عليه وآله) بمن يتولّى حمايته والذبّ عنه. كما تكشف عن أنّ نصرته لم تكن موقفاً انفعالياً عابراً، بل كانت مسؤوليةً يتعامل معها بوعيٍ وتخطيط، ويسعى إلى ضمان استمرارها من خلال توجيه أقرب الناس إليه إلى القيام بها.

وهذا المعنى يزداد وضوحاً عند ضمّ الشعر إلى الوقائع التاريخية التي تبيّن ما تحمّله أبو طالب (عليه السلام) من أعباء الدفاع عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، في مرحلةٍ كانت فيها الدعوة تتعرّض للضغط والمقاطعة والأذى. فالموقف العملي هنا قرينةٌ مهمة في فهم الشعر، كما أنّ الشعر يكشف عن الخلفية الاعتقادية التي يمكن أن تُقرأ في ضوء ذلك الموقف.

ومن أشهر قصائده في هذا السياق لاميّته المعروفة التي يقول في مطلعها:

خليليَّ ما أُذني لأوّلِ عاذلٍ ** بصغواءَ في حقٍّ ولا عند باطلِ

وهي من الشواهد التي تُبرز ثباته أمام اللائمين، وعدم استعداده للتراجع عن موقفه حين يتعلّق الأمر بنصرة النبي (صلى الله عليه وآله). وبذلك يتجلّى في شعره اقتران الاعتقاد بالالتزام، والمعرفة بتحمّل المسؤولية، والإيمان بمقتضيات النصرة والدفاع.

 

سادساً: تعظيم النبي (صلى الله عليه وآله) وإثبات منزلته:

من المعاني البارزة في شعر أبي طالب (عليه السلام) إظهار عظيم منزلة النبي (صلى الله عليه وآله)، وتقديمه على سائر الخلق، والإشادة بفضله وشرفه. ومن ذلك قوله:

إنّ ابنَ آمنةَ النبيَّ محمّداً ** عندي فوقَ منازلِ الأولادِ

 

وقال أيضاً:

إذا قيلَ مَن خيرُ هذا الورى ** قبيلاً وأكرمُهم أُسرةَ

أنافَ لعبدِ منافٍ أبٌ ** وفضّلَه هاشمُ العزّةِ

وخيرُ بني هاشمٍ أحمدٌ ** رسولُ الإلهِ على فترةِ

 

إنّ دلالة هذه الأبيات لا تنحصر في بيان عاطفة أبي طالب (عليه السلام) تجاه ابن أخيه، وإن كانت رابطة القرابة حاضرةً في السياق؛ بل تتجاوزها إلى الإشادة بمقامه، والتصريح برسالته، وإبرازه بوصفه خير بني هاشم ورسول الله تعالى. والفارق بيّنٌ بين مجرّد الاعتزاز بقريبٍ ذي مكانةٍ اجتماعية، وبين التصريح بأنّه نبيٌّ ورسولٌ جاء في فترةٍ من انقطاع الرسل. فالأول يمكن تفسيره في إطار العصبية والنسب، أمّا الثاني فيحمل مضموناً دينياً لا يصحّ اختزاله في الرابطة الأسرية وحدها.

ومن هنا، فإنّ قراءة هذا اللون من شعر أبي طالب (عليه السلام) تقتضي مراعاة دلالاته اللفظية والسياقية، وعدم صرف تصريحاته النبوية عن ظاهرها من دون قرينةٍ معتبرة؛ ولا سيّما حين تنضمّ إليها نصوصٌ أخرى يعلن فيها انتسابه إلى دين النبي (صلى الله عليه وآله)، ويشهد بصدق دعوته، ويؤكد استعداده لنصرته.

 

سابعاً: الإعلان عن الانتماء إلى دين النبي (صلى الله عليه وآله):

لعلّ من أصرح الشواهد الشعرية في هذا الباب قول أبي طالب (عليه السلام):

يا شاهدَ اللهِ عليَّ فاشهدْ ** أنّي على دينِ النبيِّ أحمدِ

 

فهذا النصّ لا يقتصر على الإشادة بالنبي (صلى الله عليه وآله)، ولا يقف عند حدود الدفاع عنه في مواجهة خصومه، بل يتضمّن تصريحاً مباشراً بالانتماء إلى دينه، مع استشهاد الله تعالى على ذلك. وهو مضمونٌ ذو أهميةٍ خاصة في البحث العقدي؛ لأنّ محلّ النزاع ليس مجرّد محبّة أبي طالب للنبي أو حمايته له، بل حقيقة موقفه من الدين الذي جاء به.

 

ويقول أيضاً:

نصرتُ الرسولَ رسولَ المليكِ ** ببيضٍ تلالأُ مثلَ البروقِ

أذبُّ وأحمي رسولَ الإلهِ ** حمايةَ حامٍ عليه شفيقِ

 

فهو يجمع في هذين البيتين بين وصف النبي (صلى الله عليه وآله) بأنّه رسول الله، وبين الإخبار عن نصرته وحمايته. وهذا الجمع بين الإقرار بالرسالة والقيام بمقتضيات النصرة يقدّم صورةً متكاملةً عن موقفه، ويمنع من اختزال دوره في مجرّد الحماية القبلية أو الرعاية العائلية، من دون النظر في تصريحاته الدينية. وإذا ضُمّت هذه النصوص إلى ما تقدّم من إقراره بنبوّة محمد (صلى الله عليه وآله)، ونفي الكذب عن دعوته، وإعلان أنّه على دينه، أمكن الوقوف على مجموعةٍ متساندةٍ من الشواهد التي ينبغي أن تُدرس مجتمعةً، لا أن يُعزل بعضها عن بعض أو يُغفل ما بينها من ترابطٍ دلالي.

 

ثامناً: المنهج العلمي في توظيف شعر أبي طالب لإثبات إيمانه:

إنّ القيمة الاستدلالية لشعر أبي طالب (عليه السلام) تقتضي التعامل معه وفق منهجٍ علميٍّ يراعي طبيعة النصوص الشعرية، وطرق نقلها، وسياقاتها التاريخية، وصلتها بالروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام). فلا يصحّ أن يُجعل كلّ بيتٍ منسوبٍ إليه بمنزلة النصّ القطعي من حيث الصدور، كما لا يصحّ إهدار مجموع شعره وشواهده لمجرّد ورود البحث في بعض طرق النقل أو اختلاف الروايات في ألفاظ بعض الأبيات.

والتحقيق يقتضي التمييز بين جهاتٍ ثلاث:

الجهة الأولى: ثبوت النصّ ونسبته. وذلك بالرجوع إلى مصادره، ومقارنة طرق نقله، والتحقّق من اختلاف ألفاظه، وعدم التسوية بين الشواهد متفاوتة المرتبة من حيث التوثيق.

الجهة الثانية: دلالة النصّ على الموقف العقدي. فالتصريح بنبوّة محمد (صلى الله عليه وآله)، ووصفه برسول الله، والإعلان عن اتّباع دينه، معانٍ ينبغي تحليلها بحسب دلالاتها اللفظية والسياقية، لا إخضاعها لتأويلٍ مسبقٍ يصادر على المطلوب.

الجهة الثالثة: انضمام الشواهد بعضها إلى بعض. فإنّ الشعر لا يُدرس بمعزلٍ عن الأخبار المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، ولا عن المواقف التاريخية التي تكشف عن طبيعة علاقة أبي طالب بالنبي (صلى الله عليه وآله) ودوره في حمايته. وعندما تتضافر النصوص الشعرية مع الروايات والمواقف، تتكوّن صورةٌ استدلاليةٌ أوسع من دلالة الشاهد المنفرد.

وهذا المنهج أدعى إلى إحكام الاستدلال، وأبعد عن الانتقائية في التعامل مع التراث؛ إذ لا يُطلب من الباحث أن يكتفي بجمع الأبيات المؤيدة لرأيه، بل أن يدرسها دراسةً نقديةً، ويضع كلّ شاهدٍ في موضعه، ويبيّن مقدار ما ينهض به من دلالةٍ في ضوء سائر القرائن.

 

الخاتمة:

يتبيّن ممّا تقدّم أنّ شعر أبي طالب (عليه السلام) يمثّل موروثاً معرفياً ذا أهميةٍ خاصة في دراسة شخصيته وموقفه من الرسالة المحمدية؛ فقد اشتمل على مضامين توحيدية، وتصريحاتٍ بنبوّة محمد (صلى الله عليه وآله)، وشهادةٍ بصدق دعوته، وإشادةٍ بمقامه، وإعلانٍ عن الانتماء إلى دينه، وحثٍّ على نصرته والدفاع عنه. ولم تأتِ عناية أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بهذا الشعر من فراغ؛ فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) الأمر بتعلّمه وتعليمه وتدوينه، مع التصريح بأنّ أبا طالب كان على دين الله، وأنّ في شعره علماً كثيراً. كما احتجّ الإمام الصادق (عليه السلام) بأبياتٍ منه في مواجهة دعوى كفره، وهو ما يكشف عن موقع هذا الموروث في خطاب أهل البيت (عليهم السلام) عند بيان حقيقة إيمانه.

وعليه، فإنّ شعر أبي طالب (عليه السلام) ليس مجرّد شاهدٍ على فصاحته أو أثرٍ من آثار الأدب العربي، بل هو أحد الموارد المهمة في البحث العقدي والتاريخي المتعلق بإيمانه؛ على أن تُراعى في توظيفه أصول التحقيق في ثبوت النصوص ودلالاتها، وأن يُقرأ ضمن مجموع الشواهد الروائية والتاريخية ذات الصلة.

ومن هنا، فإنّ إنصاف أبي طالب (عليه السلام) علمياً يقتضي ألّا يُحاكم بمعزلٍ عن نصوصه ومواقفه، وألّا تُهدر الشواهد التي استحضرها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في بيان منزلته. بل الواجب أن يُدرس تراثه دراسةً موضوعيةً تجمع بين التحقيق النصّي، والتحليل العقدي، والاستقراء التاريخي؛ ليُعطى كلّ شاهدٍ حقّه من النظر، وتُفهم دلالات هذا الموروث في ضوء سياقه ومجموع قرائنه.

والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــ

1ـ الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ص25.

2ـ الكافي، ج 1، ص 448.

: السيد علي رحيم الموسوي