لم يعد الشباب في عصرنا يعيشون على هامش الأحداث، كما كان الأمر في أزمنةٍ سابقة؛ فقد أصبحوا في قلب المشهد، يتابعون الوقائع لحظةً بلحظة، ويرصدون التحوّلات المتسارعة، ويتفاعلون مع القضايا الفكرية والاجتماعية والثقافية التي تدور من حولهم. غير أنّ الإحاطة بالأحداث ومتابعتها لا تستلزم بالضرورة القدرة على التأثير فيها؛ فقد يتحوّل الإنسان، من حيث لا يشعر، إلى مجرّد متلقٍّ دائم: يشاهد، ويعلّق، وينتقد، ويشارك المنشورات، ثم ينتقل إلى حدثٍ آخر، في حين تبقى حياته وواقعه ومجتمعه على حالها.
ومن هنا تكمن المشكلة؛ فإنّ الإشكال ليس في متابعة الأحداث، إذ إنّ الوعي بما يجري من حول الإنسان ضرورةٌ لا غنى عنها، وإنما الإشكال حين تتحوّل المتابعة إلى بديلٍ عن الفعل، والمعرفة إلى عوضٍ عن المسؤولية، والتعليق على الواقع إلى ذريعةٍ لعدم المشاركة في إصلاحه.
إنّ الشاب الذي يُراد له أن يكون عنصراً فاعلاً في بناء مجتمعه لا بدّ أن ينتقل من موقع المتفرّج إلى موقع المبادِر، ومن استهلاك الأفكار إلى إنتاجها، ومن تشخيص المشكلات إلى المساهمة في حلّها. وهذا الانتقال لا يتحقق بالاندفاع العاطفي وحده، وإنما يحتاج إلى وعيٍ راسخ، وعلمٍ نافع، ومهارةٍ عملية، ورؤيةٍ واضحة، وروحٍ جماعية، واستعدادٍ لتحمّل المسؤولية، ولن يتم ذلك إلا من خلال التركيز على مجموعة نقاط أساسية.
أولاً: بناء الوعي قبل إطلاق المواقف
إنّ أولى خطوات صناعة المستقبل أن يتعلّم الشاب كيف يفكّر قبل أن يقرّر ماذا يقول أو كيف يتخذ موقفه. فالواقع المعاصر زاخرٌ بالأخبار والمعلومات، وممتلئٌ بالدعايات والتحليلات والتفسيرات المتعارضة، بحيث أصبح من السهل على الإنسان أن يتبنّى موقفاً لمجرّد شيوعه، أو أن يصدّق خبراً لمجرّد كثرة تداوله، أو أن يحكم على قضيةٍ معقّدة من خلال مقطعٍ مختصر أو تعليقٍ عابر.
أما الشاب الواعي، فلا يسمح لضجيج المشهد أن يصوغ قناعته نيابةً عنه، بل يتأنّى في النظر، ويمحّص المعطيات، ويفرّق بين الخبر والتحليل، وبين الحقيقة والانطباع، ويسأل: ما حقيقة المشكلة؟ وما أسبابها؟ وما خلفياتها؟ ومن المستفيد من تضخيمها أو توجيهها؟ وما النتائج المترتبة على الموقف الذي أتخذه؟
فالوعي ليس مجرّد امتلاك كمٍّ هائل من المعلومات، وإنما هو القدرة على فهمها وترتيبها وربط بعضها ببعض، ثم تحويلها إلى موقفٍ مسؤول. وكلما ارتفع مستوى الوعي لدى الشباب، أصبح المجتمع أكثر تحصيناً من الشائعات والانفعالات والاستقطابات العمياء.
ولهذا كانت القراءة، والبحث، والحوار، ومراجعة المصادر، والاستماع إلى أهل الاختصاص والخبرة، من أهم الأدوات التي ينبغي للشاب أن يمتلكها؛ لأنّ بناء العقل الواعي مقدّمٌ على إطلاق المواقف، وصناعة الإنسان المفكّر أسبق من صناعة الإنسان المتكلّم.
وقد ورد التأكيد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) على ضرورة اغتنام مرحلة الشباب بالعلم والتعلّم، وعدم إضاعتها في اللهو والغفلة؛ فقد روى الشيخ الطوسي في «الأمالي» بإسناده عن أبي قتادة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: «لستُ أُحبُّ أن أرى الشابَّ منكم إلا غادياً في حالين: إمّا عالماً أو متعلّماً، فإن لم يفعل فرّط، فإن فرّط ضيّع، فإن ضيّع أثم، وإن أثم سكن النار، والذي بعث محمداً بالحق» (1).
والرواية، مع ما تشتمل عليه من شدة التحذير، تكشف عن أنّ مرحلة الشباب ليست زمناً فائضاً يُستهلك في الترف والانتظار، بل هي من أثمن مراحل العمر لبناء الشخصية العلمية والفكرية، وتحصيل القدرة التي تمكّن الإنسان من أداء مسؤوليته تجاه نفسه ومجتمعه.
ثانياً: تحويل المعرفة إلى مهارةٍ وعمل:
قد يمتلك الشاب ثقافةً واسعة، ويقرأ عشرات الكتب، ويتابع المحاضرات والدورات، ويخوض النقاشات الفكرية، ولكنه مع ذلك لا يمتلك القدرة على تحويل ما تعلّمه إلى أثرٍ ملموس في حياته أو مجتمعه.
وهنا تظهر ضرورة الانتقال من المعرفة المجرّدة إلى الكفاءة العملية؛ فإنّ قيمة العلم لا تنحصر في مقدار ما يختزنه الإنسان في ذاكرته، وإنما تظهر آثاره حين يتحول إلى قدرةٍ نافعة وعملٍ صالح.
فالمستقبل لا تصنعه كثرة العارفين فحسب، بل تصنعه طاقاتٌ تعرف كيف تستثمر معرفتها. ولذلك ينبغي للشاب أن يسعى إلى اكتساب مهارةٍ حقيقية يحتاج إليها المجتمع، سواء أكانت في مجال التعليم، أم التقنية، أم الإدارة، أم الإعلام، أم الاقتصاد، أم البحث العلمي، أم الصناعة، أم العمل التطوعي، أم غير ذلك من مجالات النفع العام.
إنّ المهارة النافعة ليست أمراً هامشياً في حياة الإنسان، بل هي وسيلةٌ لتحويل طاقته إلى إنتاج، وفكرته إلى مشروع، ورغبته في الإصلاح إلى أثرٍ واقعي.
وقد روى الكليني في «الكافي» والصدوق في «الفقيه» بسندهما عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ما يدل على فضل الاحتراف وإتقان العمل، ففي الرواية عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ الله عز وجل يحبّ المحترف الأمين» (2)، قال الكليني وفي روايةٍ أخرى: «إنّ الله تعالى يحبّ المؤمن المحترف» (3). فالمؤمن الفاعل ليس من يكتفي بحسن النية، وإنما هو من يسعى إلى امتلاك القدرة التي تمكّنه من تحويل نيته الصالحة إلى منفعةٍ حقيقية.
ثالثاً: اختيار مشكلةٍ حقيقية والعمل على معالجتها:
كثيرٌ من الشباب يحملون رغبةً صادقة في تغيير المجتمع، لكنّهم يقفون أمام سؤال: من أين نبدأ؟
والجواب: ابدأ من مشكلةٍ تراها أمامك.
ليس مطلوباً من الشاب أن يحمل على عاتقه إصلاح المجتمع بأسره، وإنما المطلوب أن يختار دائرةً يستطيع التأثير فيها. فقد تكون المشكلة ضعفاً تعليمياً لدى مجموعة من الطلبة، أو حاجةً ثقافية لدى فئةٍ معينة، أو عزوفاً عن القراءة، أو قصوراً في الوعي، أو حاجةً لدى كبار السن، أو مشكلةً بيئية، أو غير ذلك من المشكلات التي يمكن معالجتها بجهدٍ منظم.
إنّ الإصلاح الحقيقي يبدأ حين تتحول الفكرة من مجرّد حديثٍ إلى مبادرة، والمبادرة إلى مشروع، والمشروع إلى تجربة، والتجربة إلى نتيجة قابلة للتقويم والتطوير.
ومن هنا يكتشف الشاب قدرته الحقيقية؛ إذ إنّ الإنسان قد يظن نفسه عاجزاً ما دام يعيش في دائرة التفكير، ولكنه حين يدخل ميدان العمل يكتشف من الطاقات والقدرات الكامنة فيه ما لم يكن يعرفه عن نفسه.
ولذلك فإنّ المبادرات الصغيرة لا ينبغي أن تُستهان بها؛ فقد يبدأ الأثر بفردٍ واحد، ثم يتحول إلى مجموعة، ثم إلى مؤسسة، ثم يصبح ثقافةً اجتماعية راسخة.
رابعاً: المشاركة في الحياة العامة:
إنّ المجتمع ليس مؤسسةً بعيدةً عن الإنسان، وإنما هو مجموع الأفراد الذين يعيشون فيه ويتفاعلون داخله. ومن ثمّ فإنّ انسحاب الشاب من الحياة العامة لا يعني حياده عن الواقع دائماً، بل قد يعني ترك مساحةٍ فارغة لغيره لكي يقرر عنه وعن مجتمعه.
ولا تعني المشاركة في الحياة العامة بالضرورة الانخراط في العمل السياسي، بل إنّ مفهومها أوسع من ذلك بكثير؛ فهي تشمل كل نشاطٍ مشروع يسهم في خدمة الناس، وتقوية الروابط الاجتماعية، ونشر المعرفة، ومعالجة المشكلات، وتنمية روح التعاون.
فيمكن للشاب أن يشارك في مؤسسةٍ ثقافية، أو فريقٍ تطوعي، أو مشروعٍ تعليمي، أو مبادرةٍ اجتماعية، أو نشاطٍ بيئي، أو نادٍ للقراءة، أو مشروعٍ شبابي، أو غير ذلك من مجالات العمل النافع.
وفي هذه التجارب يتعلم الشاب ما لا تمنحه القراءة وحدها؛ فيتعلّم الحوار، وتحمل المسؤولية، وإدارة الاختلاف، واحترام الرأي الآخر، وتنظيم الوقت، والعمل ضمن فريق، وتحمل نتائج القرار.
وهذه ليست مهاراتٍ ثانوية، بل هي من المقومات الأساسية لبناء مجتمعٍ يمتلك القدرة على النهوض وتحويل طاقاته البشرية إلى قوةٍ منتجة.
خامساً: صناعة الثقافة لا استهلاكها:
من أخطر مظاهر العصر الرقمي أن يتحول الشاب إلى مستهلكٍ دائم للمحتوى؛ يشاهد، ويستمع، ويتصفح، وينتقل من مادةٍ إلى أخرى، حتى تمتلئ ذاكرته بالمعلومات دون أن يتكون لديه إنتاجٌ فكري أو ثقافي خاص.
ومن هنا ينبغي أن ينتقل السؤال من: ماذا شاهدت اليوم؟ إلى سؤالٍ أكثر أهمية: ماذا أضفت اليوم؟
إنّ الثقافة الحقيقية لا تكتفي بتغذية العقل، وإنما تدفع الإنسان إلى الإنتاج. ولذلك ينبغي للشاب أن يكتب فكرة، أو يؤلف بحثاً، أو ينتج محتوىً معرفياً رصيناً، أو يوثق تجربةً نافعة، أو يؤسس نادياً للقراءة، أو يناقش قضيةً اجتماعية بموضوعية، أو ينقل معرفةً يحتاج إليها الآخرون.
فليس المطلوب أن يكون كل شاب مؤلفاً أو باحثاً محترفاً، وإنما المطلوب ألا يبقى مستهلكاً محضاً لما ينتجه الآخرون.
والمجتمع الذي ينتج شبابه الأفكار والمعرفة والمبادرات، لا يبقى تابعاً بصورةٍ دائمة لما ينتجه غيره، بل يبدأ بالمساهمة في صناعة المشهد الثقافي والفكري من حوله.
سادساً: بناء روح الفريق:
لا يُبنى المستقبل بالجهود الفردية وحدها؛ فقد يبدأ التغيير بفرد، ولكنّه لا يتحول إلى ظاهرةٍ مؤثرة إلا حين يجد حوله مجموعةً من الأشخاص القادرين على التعاون وتكامل الأدوار.
ومن الأخطاء التي تعيق العمل الشبابي أن يتوهم الإنسان أنّ النجاح لا يتحقق إلا إذا قام بكل شيءٍ بنفسه، أو أن يرى في نجاح الآخرين منافسةً لنجاحه. والصحيح أنّ المشاريع الكبرى تقوم على تكامل الطاقات لا على تشابهها.
فقد يمتلك أحد الشباب فكرةً متميزة، ويمتلك آخر الخبرة، وثالث القدرة على التنظيم، ورابع مهارة التواصل والإعلام؛ فإذا اجتمعت هذه الطاقات في إطارٍ منظم، أصبح المشروع أكبر من قدرة كل فردٍ بمفرده.
ومن هنا يحتاج الشاب إلى أن يتعلم اختيار الفريق المناسب، وتوزيع المسؤوليات، وقبول النقد، والاعتراف بالخطأ، واحترام التخصص، وإعطاء كل ذي قدرةٍ مجاله، والفرح بنجاح الآخرين كما يفرح بنجاحه.
إنّ روح الفريق تنقل الشباب من حالة الأفراد المتفرقين إلى حالة القوة الاجتماعية المنظمة، وتحوّل الطاقات المتناثرة إلى مشروعٍ قادر على صناعة أثرٍ مستدام.
سابعاً: امتلاك رؤيةٍ للمستقبل:
لا يستطيع الإنسان أن يصنع مستقبله إذا كان يعيش يومه منقطعاً عن سؤال الغد. والرؤية المستقبلية لا تعني أن يمتلك الإنسان قدرةً على معرفة تفاصيل السنوات القادمة، فهذا أمرٌ خارج عن طاقة البشر، وإنما تعني أن يمتلك تصوراً واضحاً عن الاتجاه الذي يريد أن يسير فيه.
على الشاب أن يسأل نفسه: أيّ إنسان أريد أن أكون بعد سنوات؟ وما المجال الذي أستطيع أن أخدم فيه؟ وما المعارف والمهارات التي أحتاج إلى اكتسابها؟ وما المشروع الذي يمكن أن أضيف من خلاله شيئاً إلى مجتمعي؟ وما الأثر الذي أرجو أن يبقى بعدي؟
إنّ هذه الأسئلة تنقل الطموح من مجرّد رغبةٍ شخصية إلى مشروعٍ ذي معنى، وتجعل الإنسان أكثر قدرةً على ترتيب أولوياته واستثمار وقته وطاقاته.
ومن لا يمتلك رؤيةً واضحة، قد ينفق سنوات عمره في الانتقال من هدفٍ إلى آخر، متأثراً بما يفرضه عليه المحيط أو ما تفرزه الظروف اليومية، بينما الإنسان صاحب الرؤية يعرف إلى أين يريد أن يصل، وإن لم يعرف جميع تفاصيل الطريق. من متلقٍّ للأحداث إلى صانعٍ لها
إنّ صناعة المستقبل ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، ولا عبارةً جميلة تُتداول في البرامج الشبابية، وإنما هي موقفٌ يومي يتخذه الإنسان حين يقرر ألا يكون رقماً إضافياً في طابور المتفرجين.
أن يقرأ حين يسود الجهل، ويتعلم حين يتوقف الآخرون، ويتثبت حين تنتشر الشائعة، ويبادر حين يكتفي الناس بالشكوى، ويعمل حين يكثر الكلام، ويتحمل المسؤولية حين يبحث الجميع عن شخصٍ يلقون عليه اللوم؛ تلك هي المعاني الحقيقية لصناعة المستقبل.
والشباب ليسوا مرحلةً انتظارٍ حتى يأتي دورهم، ولا طاقةً مؤجلةً إلى المستقبل؛ بل هم جزءٌ من الحاضر الذي يُصنع فيه المستقبل. ولذلك ليس من الدقة أن يقال للشباب دائماً: «أنتم قادة المستقبل»، وكأنّ الحاضر لا يحتاج إلى حضورهم ومشاركتهم؛ بل الأصح أن يقال: أنتم شركاء في صناعة الحاضر، ومن طبيعة مشاركتكم فيه يتشكل المستقبل.
ومن هنا فإنّ السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يواجهه كل شاب ليس: ماذا سيفعل المجتمع من أجلي؟ وإنما: ماذا أستطيع أن أفعل أنا من أجل مجتمعي؟
وحين يتغير هذا السؤال في داخل الإنسان، يتغير موقعه من الحياة؛ فيصبح أقل انتظاراً وأكثر مبادرة، وأقل شكوى وأكثر عملاً، وأقل انشغالاً بمراقبة نجاح الآخرين وأكثر رغبةً في صناعة نجاحه، وأشد إحساساً بأنّ وجوده في المجتمع تكليفٌ ومسؤولية، لا مجرّد حضورٍ واستهلاك.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية: شابٌ يرى الخلل فلا يكتفي بوصفه، ويرى الحاجة فيبحث عن سبيلٍ إلى تلبيتها، ويرى الفرصة فيمتلك شجاعة الدخول إليها، ويرى التقصير فيبدأ بإصلاح ما يستطيع إصلاحه.
وحين تتكرر هذه الروح في آلاف الشباب، لا يعود المجتمع منتظراً مستقبله، ولا مستسلماً لما تفرضه عليه الظروف، بل يبدأ بامتلاك زمام المبادرة، وتحويل طاقاته البشرية إلى مشاريع، ومشاريعه إلى إنجازات، وإنجازاته إلى أثرٍ باقٍ.
فالمستقبل لا يأتي إلينا جاهزاً، وإنما يُصنع اليوم بأيدي الذين رفضوا أن يكونوا مجرّد متلقّين للأحداث، واختاروا أن يكونوا جزءاً من صناعتها وتوجيهها نحو الخير والصلاح.
ـــــــــــــــــــــ
1ـ أمالي الطوسي ص342.
2ـ الكافي ج5 ص169، من لا يحضره الفقيه ج3 ص158.
3ـ الكافي ج5 ص169.

اترك تعليق