حُكمُ إطلاقِ «إنّا للحسين وإنّا إليه راجعون»

دراسةٌ كلاميّةٌ في الدلالة العقديّة وحدود التعبير عن الولاء لأهل البيت (عليهم السلام)

بسم الله الرحمن الرحيم

من العبارات التي شاع استعمالها في بعض الأوساط عند ذكر مصائب أهل البيت (عليهم السلام)، ولا سيّما في مواسم العزاء الحسيني، قول بعضهم: «إنّا للحسين وإنّا إليه راجعون»، قياسًا على قوله سبحانه: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156].

ولا ريب في أنّ الدافع إلى إطلاق هذه العبارة عند قائليها هو إظهار شدّة الارتباط بالإمام أبي عبد الله الحسين بن علي (عليهما السلام)، والتعبير عن الولاء له، واستحضار مصيبته العظمى، غير أنّ حسن المقصد لا يكفي وحده في تصحيح كل تعبير، بل لا بدّ من ملاحظة دلالة اللفظ، ومدى انطباقه على المعاني الشرعية والعقدية، ولا سيّما إذا كان التعبير مقتبسًا من نصٍّ قرآنيٍّ ذي دلالة توحيدية عميقة.

وعليه، فالبحث في هذه العبارة ينبغي أن يقوم على تحليل مفرداتها، والوقوف على المراد من قوله تعالى: {إِنَّا لِلَّهِ} و{وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}، ثم النظر في مدى صحة نقل هذا التركيب إلى غير الله سبحانه من وجوه:

 

الوجه الأول: الدلالة العقدية لقوله تعالى: {إِنَّا لِلَّهِ}:

إنّ قول المؤمن الإمامي عند نزول المصيبة: {إِنَّا لِلَّهِ} فهو يتضمن إقراره بأنّه مملوك لله سبحانه، وأنّ وجوده وما يملكه وما يتصرف فيه داخل تحت ملك الله سبحانه وسلطانه وتدبيره. فالإنسان ليس مالكًا استقلاليًا لنفسه ولا لوجوده ولا لما تحت يده، وإنما هو عبدٌ مملوكٌ لله سبحانه، يجري عليه حكمه وتقديره.

وقد ورد تفسير ذلك عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، فيما رواه الكليني بالإسناد إلى صالح بن أبي حماد، أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) جاء إلى الأشعث بن قيس يعزّيه بأخ له، فقال له الأشعث: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون»، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): «أتدري ما تأويلها؟». فقال الأشعث: لا، أنت غاية العلم ومنتهاه. فقال (عليه السلام): «أما قولك: إنّا لله، فإقرار منك بالملك، وأما قولك: وإنّا إليه راجعون، فإقرار منك بالهلاك» (1).

وهذا البيان يكشف بوضوح عن أنّ الجملة الأولى ليست مجرد إضافة لغوية عابرة، وإنما تتضمن معنى الإقرار بالملك، أي الاعتراف بأنّ الملك الحقيقي لله سبحانه وتعالى.

وقد نقل الشريف الرضي في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال في تفسيرها: «إنّ قولنا: إنّا لله إقرار على أنفسنا بالملك، وقولنا: وإنّا إليه راجعون إقرار على أنفسنا بالهلاك» (2).

 

الوجه الثاني: دلالة {وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}:

وقول المؤمن: {وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}، فهو إقرار بحتمية الرجوع إلى الله سبحانه، وأنّ الإنسان لا ينتهي وجوده بالموت، وإنما ينتقل إلى مرحلة أخرى من مراحل الوجود، حيث البعث والنشور والحساب والجزاء.

فالجملة القرآنية إذن تجمع بين أصلين عظيمين: إثبات ملك الله سبحانه على الإنسان، وإثبات الرجوع إليه سبحانه. ولهذا جاء تفسير أمير المؤمنين (عليه السلام) لها مقرونًا بالإقرار بالهلاك، أي بفناء الحياة الدنيا والانتقال منها إلى الله سبحانه. ومن هنا يظهر أنّ تركيب «إنّا لله وإنّا إليه راجعون» ذو معنى عقدي خاص، وليس تركيبًا إنشائيًا مطلقًا يجوز تبديل أحد طرفيه بغيره من دون ملاحظة الفارق في الدلالة.

 

الوجه الثالث: عدم جواز استعمال عبارة: «إنّا للحسين وإنّا إليه راجعون»:

إنّ استعمال هذه العبارة بهذا النحو ليس استعمالًا سليمًا، والأولى بل المتعين اجتنابه؛ لما يشتمل عليه من إيهام معنى الملك الذي اختص الله سبحانه به، ولعدم ورود مثل هذا التعبير عن أئمة الهدى (عليهم السلام)، مع ورود النصوص عنهم في النهي عن تجاوز حدود ما عبّروا به عن أنفسهم.

ولا يعني ذلك بحالٍ إنكار حق أهل البيت (عليهم السلام) في الولاء والطاعة والمحبة، فإنّ ذلك ثابت بالأدلة القطعية، وإنما الكلام في خصوص هذا التركيب اللفظي، وما قد يفيده من معنى إذا أُطلق على غير الله سبحانه.

فليس كل تعبير يُراد به التعظيم أو المحبة يكون صحيحًا شرعًا لمجرد حسن النية؛ إذ إنّ الألفاظ قد تحمل دلالات عقدية تتجاوز مراد المتكلم، خصوصًا في أبواب التوحيد والإمامة والغلو.

 

الوجه الرابع: ضرورة الالتزام بما ورد عن أئمة الهدى (عليهم السلام)

أكدت بيانات العترة الطاهرة ضرورة التزام شيعتهم بما صدر عنهم، وعدم اختراع تعابير ونسبتها إلى مقامهم من غير مستند. فقد روى الصفار والكليني بالإسناد إلى أبي إسحاق النحوي أنّه دخل على الصادق أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) فسمعه يقول: «فو الله لنحبكم أن تقولوا إذا قلنا، وأن تصمتوا إذا صمتنا، ونحن فيما بينكم وبين الله عز وجل، ما جعل الله لأحد خيرًا في خلاف أمرنا» (3).

وهذه الرواية تؤسس لأصل مهم للغاية، وهو أنّ محبة العترة الطاهرة (عليهم السلام) لا تعني أن يتقدم الإنسان بين أيديهم، فينسب إليهم أو فيهم ما لم يقولوه، بل المحبة الحقيقية تقتضي الاتباع والانقياد.

كما روى الحميري بالإسناد إلى فضيل بن عثمان الأعور قال: سمعت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول: «أحبّوا أهل بيت نبيكم حبًّا مقتصدًا، ولا تغلوا، ولا تفرّقوا، ولا تقولوا ما لا نقول» (4).

وهذه الرواية أوضح في المقام؛ إذ تضمنت النهي عن الغلو، مقرونًا بالنهي عن قول ما لم يقله أئمة الهدى (عليهم السلام). ومن ثمّ، فإنّ الطريق الأسلم في التعبير عن الولاء لهم هو الالتزام بالألفاظ التي تنسجم مع مقامهم وتثبتها النصوص، دون التوسع في العبارات المشتبهة.

 

الوجه الخامس: وجه الإشكال في عبارة «إنّا للحسين»:

قد يُقال: إنّ المراد من «إنّا للحسين» ليس الملك الحقيقي، وإنما المقصود أنّنا من أتباعه والمحبين له، أو أنّنا ننتسب إلى نهجه ومدرسته. وهذا المعنى قد يكون هو المقصود في نفس المتكلم، ولا يُحكم عليه بمجرد قصده بالغلو أو الشرك، لكن المشكلة في نفس التعبير من جهة دلالته وإيهامه؛ لأنّ العبارة مقتبسة من تركيب قرآني خاص بالله سبحانه وتعالى، وقد فسّرت الروايات «إنّا لله» بأنّها إقرار بالملك.

ومن هنا، فإنّ استبدال لفظ الجلالة باسم الإمام الحسين (عليه السلام) قد يوهم معنى لا ينبغي نسبته إلى الإمام، فضلًا عن أنّه لا حاجة إليه مع وجود عبارات واضحة وصحيحة تؤدي المقصود، كقولنا: «نحن من شيعة الحسين»، أو «نحن على نهج الحسين»، أو «نحن من الموالين للحسين»، أو «الحسين إمامنا وقدوتنا»، ونحو ذلك من التعابير التي تؤدي معنى الولاء دون إيهام. وهذا الحكم يجري كذلك في قول بعضهم: «إنّا لعلي وإنّا إليه راجعون»، إذ لا موجب لاستبدال التعبير القرآني الذي جعل الملك والرجوع إلى الله تعالى بتعبير قد يُفهم منه معنى آخر.

 

الوجه السادس: سدّ باب الغلو والتهمة:

إنّ صيانة مقام أهل البيت (عليهم السلام) لا تكون بكثرة الألفاظ المبالغ فيها، وإنما تكون بإثبات ما أثبته الله ورسوله والأئمة (عليهم السلام) لهم، والوقوف عند حدود النص.

فأهل البيت (عليهم السلام) لا يحتاجون إلى عبارات موهمة لإثبات عظمتهم، فقد ثبتت لهم من الفضائل والمناقب والمقامات ما يغني عن كل تعبير مشتبه. وكلما كان اللفظ أوضح وأبعد عن الإيهام كان أولى بالاستعمال، خصوصًا في المسائل العقدية التي يكثر فيها التربص والجدل.

وعليه، فإنّ استعمال «إنّا للحسين وإنّا إليه راجعون» قد يُفهم عند بعض الناس على غير المراد منه، وقد يتخذه آخرون ذريعة للطعن في أتباع أهل البيت (عليهم السلام) ونسبتهم إلى الغلو، مع أنّ مدرسة أهل البيت نفسها شددت على رفض الغلو والتحذير من نسبة ما لم يقولوه إلى مقامهم.

 

الخلاصة:

يتحصّل مما تقدّم أنّ عبارة «إنّا لله وإنّا إليه راجعون» شعار قرآني ذو مضمون توحيدي، يتضمن الإقرار بملك الله تعالى على عباده، والإيمان بحتمية الرجوع إليه سبحانه.

 

وقد بيّن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ «إنّا لله» إقرار بالملك، وأنّ «إنّا إليه راجعون» إقرار بالهلاك والرجوع. ومن ثمّ، فإنّ نقل هذا التركيب إلى غير الله تعالى، كقول: «إنّا للحسين وإنّا إليه راجعون»، لا يخلو من إيهامٍ عقدي، ولا سيّما مع عدم ثبوت استعماله عن أهل البيت (عليهم السلام).

وعليه، بمقتضى الإحتياط والأليق بمقام الولاء لأهل البيت (عليهم السلام) ترك هذه العبارة وعدم إطلاقها، واستبدالها بتعابير صريحة لا تحتمل الإيهام، مثل: «إنّا من شيعة الحسين»، و«إنّا من الموالين للحسين»، و«على نهج الحسين نسير»، ونحو ذلك.

فمحبة الحسين (عليه السلام) لا تحتاج إلى لفظٍ مشتبه، والولاء له لا يثبت بالتوسع في العبارات، وإنما يثبت بالاتباع والاقتداء والتمسك بما جاء به النبي وأهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين). وبذلك يُصان مقام التوحيد من جهة، ومقام أهل البيت (عليهم السلام) من جهة أخرى، ويُغلق الباب أمام الغلو والإيهام والتوظيف الجدلي الخاطئ.

والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــ

1ـ الكافي، ج3، ص314.

2ـ  نهج البلاغة، ج4، ص22.

3ـ الكافي، ج1، ص391، بصائر الدرجات، ص405.

4ـ قرب الإسناد، ص129.

: السيد علي رحيم الموسوي