لِكُلِّ سِرٍّ ثَوَابٌ إِلَّا الدَّمْعَةَ فِينَا!

مَعْنَى قَوْلِ الإِمَامِ الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): «لِكُلِّ سِرٍّ ثَوَابٌ إِلَّا الدَّمْعَةَ فِينَا».

بسم الله الرحمن الرحيم

وردت في فضل البكاء على أهل البيت (عليهم السلام)، ولا سيّما على مصيبة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، روايات كثيرة بيّنت عظيم منزلته، وكثرة ثوابه، وآثاره الأخروية، حتى ورد في بعضها ما يدلّ على أنّ هذه الدمعة ليست كسائر أعمال الطاعات التي جعل الشارع المقدّس لها أجوراً محدّدة ومقادير معلومة.

ومن جملة ما ورد في هذا الباب ما روي عن الصادق أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام): «لِكُلِّ شَيْءٍ ثَوَابٌ إِلَّا الدَّمْعَةَ فِينَا» وقد وردت الرواية في بعض المصادر بلفظ آخر، وهو: «لِكُلِّ سِرٍّ ثَوَابٌ إِلَّا الدَّمْعَةَ فِينَا».

فما المراد من هذه العبارة؟ وهل المقصود بـ «السِّرّ» أي لكل سر من الطاعة ثواب مقدر الا الدمعة فيهم، فإنَّ إظهارها وعدم كتمانها لا تقدير لثوابه، أم أنّ اللفظ الصحيح هو «شيء» اي لكل شئ من الطاعة ثواب مقدر الا الدمعة فيهم، فإنه لا تقدير لثوابها.  وللإجابة على هذا التساؤلات لابد من الوقوف على أمور عدة:

 

الأمر الأول: في اختلاف ألفاظ الرواية:

روى شيخ المحدثين ابن قولويه القمي (قدس سره) في «كامل الزيارات» بالإسناد إلى الصادق أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال: «لِكُلِّ شَيْءٍ ثَوَابٌ إِلَّا الدَّمْعَةَ فِينَا» (1).

وقد نقلها عنه الشيخ الحر العاملي (قدس سره) في «وسائل الشيعة» باللفظ نفسه.

وأمّا العلامة المجلسي (قدس سره) فقد نقل الرواية في بحار الأنوار بلفظ: «لِكُلِّ سِرٍّ ثَوَابٌ إِلَّا الدَّمْعَةَ فِينَا»(2).

وذلك أنّها وردت كذلك في النسخة الخطّيّة التي اعتمد عليها والمحفوظة في خزانة مجلس الشورى الإسلاميّ بطهران بالرقم (12430). ثـمّ إنّه احتمل أن تكون كلمة «سرّ» مصحّفة عن «شيء»، فقال: (ويحتمل أن يكون تصحيف «شيء»..). ثم نبّه (قدس سره) إلى احتمال وقوع التصحيف في لفظ «سرّ»، وأن يكون الأصل «شيء»، فقال ما حاصله: (إنّ سرّ يحتمل أن يكون مصحَّفاً عن شيء) [انتهى].

وعليه، فالقدر المتيقّن في مقام تفسير الرواية هو اللفظ الوارد في «كامل الزيارات»: «لِكُلِّ شَيْءٍ ثَوَابٌ إِلَّا الدَّمْعَةَ فِينَا». ومع ذلك، لا مانع من دراسة الرواية على لفظ «سرّ» أيضاً؛ لما يترتب عليه من معنى لطيف ومناسب لمقام الرواية.

 

الأمر الثاني: معنى «لِكُلِّ شَيْءٍ ثَوَابٌ إِلَّا الدَّمْعَةَ فِينَا».

إذا أخذنا بلفظ «شيء»، فليس المراد من قوله (عليه السلام): «إلّا الدمعة فينا» أنّ الدمعة على أهل البيت (عليهم السلام) لا ثواب لها، فإنّ هذا المعنى مخالفٌ لجملة كبيرة من الروايات الصريحة في إثبات الأجر العظيم عليها. بل المراد ـ كما يظهر من بيانات العلامة المجلسي (قدس سره) ـ أنّ لكل عمل من أعمال الطاعة ثواباً مقدّراً ومحدوداً في النصوص، أمّا الدمعة في مصاب أهل البيت (عليهم السلام) فلم يجعل لها حدّ معيّن من الثواب والأجر.

فالمعنى إذن: «لكل عمل صالح ثواب معلوم المقدار بحسب ما ورد في النصوص، إلا الدمعة في أهل البيت (عليهم السلام)، فإنّ ثوابها أعظم من أن يُحَدَّ بمقدار معيّن»

وهذا من أساليب المبالغة في بيان عِظَم الأجر؛ فإنّ نفي التحديد لا يعني نفي أصل الثواب، بل يعني عِظَم الثواب وكثرته بحيث لم يجعل له في البيان الشرعي حدّاً محصوراً.

وهذا نظير ما يقال في مقام بيان عظمة شيء: إنّ فضله لا يُحَدّ، أو إنّ أجره لا يُحصى؛ فإنّ المقصود ليس نفي الفضل، بل الإشارة إلى سعته وعظمته.

وعليه، فالرواية من هذه الجهة تحمل معنىً بالغ الدلالة، وهو أنّ الدمعة التي تخرج حزناً وولاءً ومودّةً لأهل البيت (عليهم السلام)، ولا سيّما على مصائبهم، ليست عملاً عبادياً عادياً يمكن تحديد أجره برقم أو مقدار معيّن، بل إنّ الله تعالى أعدّ لصاحبها من الثواب ما يتناسب مع منزلة هذه الشعيرة وموقعها في إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام).

 

الأمر الثالث: الروايات المبيّنة لعظيم ثواب الدمعة على أهل البيت (عليهم السلام)

إنّ هذا الفهم تؤيده طائفة واسعة من الروايات التي بيّنت عظم الأجر المترتب على البكاء على مصائب أهل البيت (عليهم السلام). فقد روى المجلسي بالإسناد إلى الإمام الشهيد أبي عبد الله الحسين بن علي (عليهما السلام): «ما من عبد قطرت عيناه فينا قطرة، أو دمعت عيناه فينا دمعة، إلّا بوّأه الله بها في الجنة حقباً» (3).

ومفاد الرواية أنّ مجرد قطرة الدمعة التي تخرج حزناً على أهل البيت (عليهم السلام) تكون سبباً في نيل مقام في الجنة، وهو ما يكشف عن عظيم شأن هذه الدمعة عند الله تعالى.

كما روى المجلسي أيضا بالإسناد إلى الإمام الباقر أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) أنّه قال: «كان علي بن الحسين (عليه السلام) يقول: أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن علي حتى تسيل على خدّه، بوّأه الله بها في الجنة غرفاً يسكنها أحقاباً» (4).

وهنا نجد أنّ الرواية لم تكتف ببيان أصل الثواب، بل عبّرت عن إسكان المؤمن غرفاً في الجنة أحقاباً، وهو تعبير يكشف عن عظيم الجزاء المعدّ للبكاء على سيد الشهداء (عليه السلام).

 

الأمر الرابع: البكاء على الحسين (عليه السلام) وإحياء أمر أهل البيت:

ومن المهم الالتفات إلى أنّ الروايات الواردة في فضل البكاء لا تتعامل مع الدمعة بوصفها مجرد حالة وجدانية عابرة، وإنما تجعلها جزءاً من منظومة الولاء والإحياء لأمر أهل البيت (عليهم السلام)‘ فالبكاء على أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) يستبطن جملة من المعاني نذكر بعضا منها:

أولا: إظهار المحبة والولاء لأهل البيت (عليهم السلام).

وثانيا: إظهار البراءة من قتلة الحسين (عليه السلام).

وثالثا: إبقاء مظلومية أهل البيت (عليهم السلام) حيّة في وجدان الأمة.

ورابعا: نقل قضية عاشوراء من جيل إلى جيل.

وخامسا: تربية النفوس على رفض الظلم والانحراف عن خط أهل البيت (عليهم السلام).

ولهذا جاءت الروايات في الحث على إقامة مجالس العزاء، والإنشاد في مصاب الحسين (عليه السلام)، والتذكير بمصيبته، والبكاء عليه. ومن ذلك ما رواه المجلسي بالإسناد إلى الإمام الصادق أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنّه كان يستدعي أبا عمارة المنشد وينشده في الحسين (عليه السلام)، ثم يبكي، حتى سمع البكاء من داخل الدار، ثم بيّن له مراتب الثواب المترتب على إنشاد الشعر في الحسين (عليه السلام) وإبكاء الآخرين، حتى جعل لمن أنشد شعراً فتباكى ثواب الجنة (5). هذا النص يكشف بوضوح عن أنّ المقصود ليس مجرد الانفعال النفسي، وإنما إحياء ذكر الحسين (عليه السلام) وإبقاء مظلوميته حاضرةً في المجتمع المؤمن.

وما رواه الشيخ الصدوق بالإسناد إلى الإمام الرضا علي بن موسى (عليهما السلام)، أنه قال: «مَن تذكّر مصابنا وبكى لما ارتكب منّا، كان معنا في درجتنا يوم القيامة، ومَن ذكّر بمصابنا فبكى وأبكى لم تبكِ عينه يوم تبكي العيون، ومَن جلس مجلساً يحيي فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب» (6).

وهذا النص يكشف عن ارتباط البكاء بمفهوم إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام). فليس البكاء مجرد دمعة تنزل من العين وتنتهي آثارها بانتهاء المأتم، بل هو وسيلة لإحياء القضية، واستحضار المظلومية، وترسيخ الولاء، وإبقاء خط أهل البيت (عليهم السلام) حاضراً في النفوس. ولهذا ختم الإمام (عليه السلام) كلامه ببيان فضل من يجلس في مجلس يُحيى فيه أمرهم، فقال: «لم يمت قلبه يوم تموت القلوب». فالمأتم الحسيني، وفق هذه الروايات، ليس مجرد تجمع عاطفي، بل له وظيفة تربوية وعقدية في حفظ هوية التشيع وإحياء منهج أهل البيت (عليهم السلام).

ومن أشهر النصوص في هذا الباب حديث ما رواه الصدوق بالإسناد إلى الريّان بن شبيب أنه دخل على الإمام الرضا (عليه السلام) في أول يوم من المحرم، فذكّره الإمام بمصيبة الحسين (عليه السلام)، وبيّن له عظم فاجعته، ثم قال له: «يا ابن شبيب، إن كنت باكياً لشيء فابكِ للحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)»(7).

 

ثم بيّن الإمام (عليه السلام) عظيم ما جرى على الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه، وذكر أنّ السماء والأرض بكتا لمقتله، ثم قال: «يا ابن شبيب، إن بكيت على الحسين حتى تصير دموعك على خدّيك، غفر الله لك كل ذنب أذنبته، صغيراً كان أو كبيراً، قليلاً كان أو كثيراً».

وهذه الرواية تؤكد بوضوح أنّ الدمعة في مصاب الحسين (عليه السلام) لها منزلة استثنائية، وأنّ الشارع المقدس رتّب عليها من الآثار ما لم يرتبه على مجرد الحزن العادي.

ثم انتقل الإمام (عليه السلام) إلى بيان مراتب أخرى من الارتباط بالحسين (عليه السلام)، كزيارته، واللعن على قتلته، واستحضار التمني الصادق لنصرته، والحزن لحزن أهل البيت (عليهم السلام)، والفرح لفرحهم، والتمسك بولايتهم.

ومن مجموع ذلك يظهر أنّ البكاء ليس غاية منفصلة عن منظومة الولاء، بل هو أحد مظاهرها وآثارها.

 

الأمر الخامس: ماذا لو أخذنا بلفظ «سِرّ»؟

أما إذا أخذنا بالرواية على لفظ: «لِكُلِّ سِرٍّ ثَوَابٌ إِلَّا الدَّمْعَةَ فِينَا»، فيمكن حملها على معنى آخر لطيف، ذكره العلامة المجلسي (قدس سره). وبيانه: أنّ الإنسان قد يصاب بمصيبة في نفسه، فيكتم حزنه ويصبر عليها، ولا يظهر ما في قلبه للناس، فيكون لهذا الكتمان والصبر ثواب عند الله تعالى؛ لأنّ الصبر على المصائب من الأعمال الممدوحة شرعاً.

ولكن مصائب أهل البيت (عليهم السلام) لها خصوصية؛ إذ إنّ المطلوب فيها ليس مجرد كتمان الحزن، بل إظهاره وإبرازه وإقامة الشعائر المرتبطة به، لما يترتب على ذلك من إحياء أمرهم (عليهم السلام).

وعلى هذا، يكون معنى الرواية: «إنّ المصيبة التي يكتمها الإنسان ويصبر عليها قد يكون له في كتمانها أجر، أما المصيبة الواردة على أهل البيت (عليهم السلام)، فإنّ كمال الأجر فيها يكون بإظهار الحزن والبكاء؛ لأنّ إظهار الحزن عليهم من شعائر الولاء ومن مصاديق إحياء أمرهم» (8).

وهذا معنى دقيق؛ لأنّ الشريعة قد تحث الإنسان في بعض الموارد على ضبط عاطفته وكتمان حزنه، لكن قضية أهل البيت (عليهم السلام) لها بعدٌ اجتماعي وتاريخي وعقدي يتجاوز الحالة الشخصية.

فلو بقيت مصيبة الحسين (عليه السلام) حبيسة القلوب ولم تُظهر، لاندثرت معالمها بمرور الزمن، ولما بقيت واقعة كربلاء حاضرة في ذاكرة الأجيال. ومن هنا كانت الدمعة الحسينية ذات وظيفة رسالية، لا مجرد وظيفة وجدانية.

والحمد لله رب العالمين

أبو الحسن علي الموسوي

ــــــــــــــــــ

1ـ كامل الزيارات ص211.

2ـ بحار الأنوار ج44 ص287.

3ـ بحار الأنوار ج44 ص279.

4ـ بحار الأنوار ج44 ص281.

5ـ بحار الأنوار ج44 ص282.

6ـ الأماليّ ص131، عيون أخبار الرضا (ع) ج1 ص294.

7ـ الأماليّ ص192، عيون أخبار الرضا (ع) ج1 ص299.

8ـ ينظر: بحار الأنوار ج44 ص287.

: السيد علي رحيم الموسوي