دلالة حديث الثقلين على استمرارية الحُجّة من العترة

تبرز دلالة الحديث على استمراريّة الحُجّة؛ إذ إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم يقرن العترة بالكتاب في أصل الفضيلة فقط، بل قرنهما في مقام الهداية والتمسّك، ونفى عنهما الافتراق إلى غاية متأخّرة هي الورود على الحوض.

بسم الله الرحمن الرحيم

أنَّ حديثُ الثقلين يُعَدُّ من أجلِّ النصوص النبويّة وأقواها دلالةً في إثبات مرجعيّة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) واستمرار الحجّة الإلهيّة بعد النبي (صلّى الله عليه وآله)، لما اشتمل عليه من خصائص دلاليّة متضافرة؛ فقد جمع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بين كتاب الله عز وجل وعترته أهل بيته، وأمر الأمّة بالتمسّك بهما، وجعل ذلك موجباً للعصمة عن الضلال، ثمّ قرّر بينهما ملازمةً مستمرّة بقوله: «وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض». وهذه الخصائص مجتمعةً تكشف عن أنّ الحديث ليس بصدد بيان فضل العترة ومحبّتهم فحسب، ولا مجرّد الدلالة على علوّ مقامهم وشرف منزلتهم، وإنّما هو في مقام تعيين المرجعيّة الدينيّة للأمّة، وبيان الطريق المأمون للهداية بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله).

ومن هنا تبرز دلالة الحديث على استمراريّة الحُجّة؛ إذ إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم يقرن العترة بالكتاب في أصل الفضيلة فقط، بل قرنهما في مقام الهداية والتمسّك، ونفى عنهما الافتراق إلى غاية متأخّرة هي الورود على الحوض. وإذا كان الكتاب العزيز باقياً إلى انقضاء الحياة الدنيويّة، لزم ـ بمقتضى هذه الملازمة النبويّة ـ بقاء العترة التي جعلها النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عدلاً للكتاب وحجّةً في مقام الهداية ولبيان تلك الملازمة لابد لنا من تقرير البرهان من وجوه:

 

أولها: دلالة الجمع بين الكتاب والعترة على المرجعيّة:

أن حديث الثقلين المتواتر ورد بصِيَغٍ متعدِّدةٍ، وأشهرُها: «إنِّي تاركٌ – أو مُخلِّفٌ – فيكمُ الثَّقلين أو الخليفتين – ما إن تمسَّكتم – أو اعتصمتم بهما لن تضلُّوا كتابَ اللهِ وعترتي أهلَ بيتي، – لن يفترقا – أو يتفرَّقا -حتَّى يردا عليَّ الحوضَ»، وحيث إنَّ لكل صيغةٍ من هذه الصيغ ميزةً دلاليةً ترفدُ المتن بخصوصيةٍ معينة، والتأمّل في سياق الحديث يكشف عن أنّ الجمع بين الكتاب والعترة ليس جمعاً تشريفياً محضاً؛ إذ لم يكتفِ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بذكر العترة مقرونةً بالكتاب، بل رتّب على التمسّك بهما معاً الأمن من الضلال. ومن المعلوم أنّ التعليق في مقام البيان ليس لغواً، فقول النبيّ (صلّى الله عليه وآله): «ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا» يدلّ على أنّ كلاً من الكتاب والعترة داخل في منظومة الهداية التي أرادها للأمّة، وأنّ النجاة من الضلال مرتبطة بالرجوع إليهما معاً.

وعليه، فالعترة في حديث الثقلين ليست مجرّد جماعةٍ فاضلةٍ يُطلب حبّها وتعظيمها، بل هي مرجعيّة دينيّة قائمة إلى جانب الكتاب في مقام الهداية والبيان.

وهذا هو القدر الذي ينبغي أن يُلتفت إليه في مقام الاستدلال؛ فإنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لو كان مراده مجرّد الوصيّة بمحبّة أهل البيت (عليهم السلام)، لم يكن لذكر الكتاب في هذا السياق، ولا للأمر بالتمسّك بهما، ولا لنفي الافتراق بينهما، ذلك الموقع الدلالي الذي يقتضيه ظاهر الحديث.

 

ثانياً: دلالة الأمر بالتمسّك بالعترة على حجّيّتها:

إنّ قوله (صلّى الله عليه وآله): «ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا» يتضمّن إنشاءً عملياً للأمّة، وهو الأمر بالرجوع إلى الكتاب والعترة والاعتصام بهما. والتمسّك بشيء في مقام دفع الضلال لا يعقل أن يكون المقصود منه مجرّد التعلّق العاطفي أو التبرّك، بل ظاهره الأخذ به في مقام الهداية والامتثال والبيان.

وعليه، فالعترة ـ بمقتضى الحديث ـ ليست مجرّد ناقلٍ تاريخيٍّ للتراث، وإنّما هي طرفٌ في الحجّة الإلهيّة التي جعلها النبيّ (صلّى الله عليه وآله) طريقاً مأموناً للأمّة.

ومن هنا يثبت أصل حجّيّة العترة، ويبقى البحث في أنّ هذه الحجّيّة هل هي منقطعة بزمانٍ مخصوص، أم ممتدّة إلى نهاية عصر التكليف؟ وهنا يأتي قوله (صلّى الله عليه وآله): «وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض» بوصفه القرينة الحاسمة في استمرار هذه المرجعيّة.

 

ثالثاً: دلالة «لن يفترقا» على الملازمة في مقام الهداية:

إنّ قوله (صلّى الله عليه وآله): «لن يفترقا» نفيٌ مؤبّد للانفكاك بين الكتاب والعترة إلى الغاية المذكورة في الحديث. والافتراق هنا لا ينبغي حمله ابتداءً على مجرّد الاجتماع الحسّي، بل الظاهر من سياق الحديث أنّ المراد نفي الانفصال في مقام الهداية والحجّيّة والبيان؛ لأنّ الحديث وارد في سياق بيان ما أوجب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) للأمّة التمسّك به.

 

وتجدر الإشارة إلى ما يقتضيه الفنُّ اللغوي في التمييز بين فقرتي «لَنْ يَفْتَرِقَا» و«لَنْ يَتَفَرَّقَا»؛ فقد نُقل عن ثعلب ـ حكايةً عن ابن الأعرابي عن المفضل ـ التفرقةُ بينهما بكون الافتراق مختصاً بالقول والكلام، والتفرق بالأجسام؛ وهو ما يُعزز شمولية مِلاك عدم البينونة بين الكتاب والعترة في سائر النشآت والمراتب، قولاً وفعلاً ووجوداً. قد سئُلَ ثعلباً عن الفرق بين (يتفرّقان) و (يفترقان)؟ فقال: أخبرنا ابن الأعرابي عن المفضّل قال: يقال: (افترقا) بالكلام و(تفرَّقا) بالأجسام (1).

فعلى المعنى الأول «لَنْ يَفْتَرِقَا» أنّ الافتراق المنفي بين العترة والقرآن هو الإفتراق في جميع أقوال العترة وأفعالها- لا تفترق عن القرآن، فلا يصدر عنها إلّا ما يوافق كتاب الله تعالى، ولأنّ القرآن كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالعترة تكون كذلك، فيلزم منه الدلالة على العصمة؛ لأنّ من لازم القرآن ولازمه القرآن لا يأتي معصية؛ إذْ لو أتاها لفارقه القرآن، كما يشهد متن الحديث بأنّه لا فراق بينهما؛ فإنّه لا يلازم إلّا من عَرف معانيه، وقد ثبت أنّ ابن عبّاس أكثر الصحابة علماً بالتأويل وقد قال: ما أخذتُ في تفسيره – أي القرآن – فعن عليّ، ويشهد له ما أخرجه الدارقطنيّ أنّ عمر سأل عليّاً عن مسألة فأجاب، فقال: «أعوذ بالله أن أعيش في قوم ليس فيهم أبو الحسن». ونظائر هذا كثيرة جداً (2).

وأمّا على المعنى الثاني (لَنْ يَتَفَرَّقَا)، فإنّ المفارقة المنفية بين العترة والقرآن من حيث الوجود الخارجيّ، وهذا معناه أنّه لا بدّ من وجود إمام من العترة لا يفترق عن القرآن ولا يفترق القرآن عنه في كلّ زمان وفيه الحثّ على التمسّك بأهل البيت إشارةً إلى عدم انقطاع متأهّلٍ منهم للتمسّك به إلى يوم القيامة، كما أنّ الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض (3).

وعلى تقدير ذلك، يكون مفاد الحديث أنّ العترة لا تنفكّ عن الكتاب في هدايتها، ولا تأتي بما يوجب مخالفة حكمه أو الانحراف عن هداه؛ لأنّ ذلك يستلزم ـ بحسب ظاهر النفي النبوي ـ تحقق الافتراق الذي نفاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

ومن هنا تظهر للحديث دلالةٌ مهمّة في باب العصمة؛ فإنّ من جعله النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قريناً للكتاب في مقام الهداية، ونفى عنه الافتراق معه، وأمر الأمّة بالتمسّك به، لا يمكن أن يكون معرّضاً للخطأ والضلال في مقام ما جعل حجّةً فيه على الناس؛ وإلا لم يكن التمسّك به موجباً للأمن من الضلال.

 

رابعاً: دلالة «لن يتفرّقا» على بقاء المصداق:

وقد ورد الحديث في بعض طرقه بلفظ: «لن يتفرّقا حتّى يردا عليَّ الحوض». فإنّها تشتمل على ظهورٍ زائد من جهة استعمال «التفرّق» في الانفصال والتباعد، ولا سيّما مع ملاحظة ما نُقل في التفريق اللغوي بين الافتراق والتفرّق. غير أنّ العمدة في الاستدلال لا تتوقّف على هذه اللفظة وحدها؛ فإنّ أصل البرهان يمكن تقريره بلفظ «لن يفترقا» أيضاً، من خلال ضمّ نفي الافتراق إلى الأمر بالتمسّك وإلى الغاية المذكورة في الحديث. وأمّا على تقدير الأخذ بلفظ «لن يتفرّقا»، فإنّ الدلالة على الملازمة الخارجية تزداد ظهوراً؛ إذ لا يعقل نفي التفرّق بين الكتاب والعترة إلى غايةٍ متأخّرة، مع فرض خلوّ بعض الأزمنة من المصداق الذي تصدق عليه العترة الحجة. فإذا كان القرآن الكريم باقياً محفوظاً، وكانت العترة مأموراً بالتمسّك بها، وكان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قد نفى التفرّق بينهما إلى الحوض، فلا بدّ من وجود مصداقٍ حيٍّ للعترة يكون قائماً بوظيفة الحجّة والهداية في كلّ عصر.

 

خامساً: الغاية في قوله «حتّى يردا عليَّ الحوض» وأثرها في إثبات الاستمرار:

وهذه من أقوى جهات الدلالة في الحديث. فإنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم يقل إنّ الكتاب والعترة لا يفترقان إلى زمانه، ولا إلى عصر الصحابة، ولا إلى مدةٍ محدودةٍ بعد وفاته، بل قال: «حتّى يردا عليَّ الحوض». والحوض غايةٌ متأخّرة عن حياة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، بل هي مرتبطة بنهاية المرحلة الدنيويّة وانتهاء مقام التكليف. ومقتضى ذلك أنّ الملازمة التي أخبر عنها النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ليست ملازمةً تاريخيّةً مؤقتة، بل هي ملازمة ممتدّة إلى نهاية الأمد الذي عيّنه بنفسه.

ومن هنا يقال: إنّ القرآن باقٍ إلى قيام الساعة، وقد نصّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) على عدم افتراقه عن العترة إلى الورود على الحوض، فلو خلا زمانٌ من حُجّةٍ من أهل البيت (عليهم السلام)، لتحقّق الافتراق في ذلك الزمان، ولصار النصّ ـ والعياذ بالله ـ منقطع الدلالة قبل بلوغ الغاية التي جعلها النبيّ (صلّى الله عليه وآله) للملازمة. وهذا خلاف ظاهر الحديث؛ لأنّ الغاية لا تكون صحيحةً في مقام البيان مع فرض انقطاع الحكم المغيّى قبل الوصول إليها، ما لم تقم قرينةٌ على تخصيص بعض الأزمنة، ولا قرينة على ذلك في المقام.

 

سادساً: استمرار الكتاب يستلزم استمرار قرينه في مقام الحجّيّة:

قد يقال: إنّ حديث الثقلين يثبت حجّيّة العترة، ولا يلزم من ذلك وجود إمامٍ حيٍّ من أهل البيت (عليهم السلام) في كل عصر؛ إذ يمكن أن تكون حجّيّتهم ثابتةً من خلال تراثهم وأقوالهم الموروثة.

والجواب: أنّ هذا الاحتمال لا ينسجم مع مجموع مفاد الحديث؛ فإنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم يقل: «كتاب الله وما رُوي عن عترتي»، وإنما جعل العترة نفسها عدلاً للكتاب، وأمر بالتمسّك بهما، ثمّ أخبر عن عدم افتراقهما إلى الحوض. فالكلام في الحديث عن الكتاب والعترة بوصفهما طرفين حاضرين في مقام الهداية، لا عن الكتاب ومجموع الآثار التاريخيّة المنقولة عن العترة.

ثمّ إنّ الحجّيّة أمرٌ إضافيٌّ متقوّم بموضوعها؛ فإذا ثبت أنّ العترة حجّةٌ على الأمة في مقام الهداية، فإنّ استمرار هذه الحجّيّة يستلزم بقاء المصداق الذي تتعلّق به هذه الحجّيّة.

وبعبارةٍ أدقّ: إنّ الحكم بالحجّيّة ما دام ثابتاً في موضوعٍ معيّن، وكان الدليل دالّاً على استمراره إلى غايةٍ محدّدة، فلا يصحّ افتراض ارتفاع الموضوع في بعض الأزمنة من دون دليلٍ مخصّص أو مقيّد.

ومن ثمّ، فإنّ وجود الحجّة العترية في كل عصر ليس أمراً أجنبياً عن مدلول حديث الثقلين، بل هو مقتضى استمرار الحكم الذي أسّسه الحديث واستمرار الملازمة التي صرّح بها.

 

سابعاً: الثقلان والحجّة الحيّة في كل زمان:

وعلى ضوء ما تقدّم يتّضح أنّ المراد من استمرار العترة ليس مجرّد استمرار انتسابٍ نسبيٍّ إلى أهل البيت (عليهم السلام)، فإنّ الانتساب النسبي وحده لا يحقّق الغرض الذي لأجله قرن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) العترة بالكتاب. وإنّما المراد استمرار العترة الحجّة؛ أي استمرار المصداق الذي تتوافر فيه جهة المرجعيّة والهداية التي جعلها النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قرينةً للكتاب.

 

وعليه، فليس كلّ من صدق عليه عنوان العترة مراداً بالحديث من حيث الحجّيّة، بل المراد تلك العترة التي جعلها النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عدلاً للكتاب في مقام الهداية، وأثبت ملازمتها له إلى الحوض.

وهذا هو عين ما ينسجم مع القول بالإمامة؛ فإنّ الإمام في التصوّر الإمامي ليس مجرّد فردٍ صالحٍ من أهل البيت، بل هو الحجّة المنصوبة لله تعالى، القائم بوظيفة الهداية والبيان وحفظ الشريعة.

ومن ثمّ يكون حديث الثقلين مؤيّداً بوضوح لأصل استمرار الإمامة، إذ إنّ ملازمة الكتاب للعترة إلى الحوض لا تستقيم مع افتراض انقطاع الحجة العترية في بعض الأزمنة.

 

وبناءً على مجموع ما تقدّم، يتبيّن أنّ حديث الثقلين يشتمل على منظومةٍ دلاليّةٍ متكاملة:

الأمر بالتمسّك بالعترة يدلّ على مرجعيّتها في الهداية، وجعلها عدلاً للكتاب يدلّ على علوّ موقعها في منظومة الحجّة الإلهيّة، ونفي الافتراق بينهما يدلّ على ملازمتهما في مقام الهداية والبيان، وجعل الغاية الورود على الحوض يدلّ على استمرار هذه الملازمة إلى نهاية الأمد الدنيوي، وبقاء القرآن الكريم يستلزم ـ مع نفي افتراقه عن العترة ـ بقاء المصداق الحيّ للعترة الحجّة.

وعليه، فإنّ افتراض خلوّ عصرٍ من حُجّةٍ من أهل البيت (عليهم السلام) يفضي إلى لازمٍ فاسد، وهو تحقّق الافتراق بين الكتاب والعترة قبل الغاية التي حدّدها النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، مع أنّه نفى هذا الافتراق بنحو الاستمرار إلى الورود على الحوض.

والحمد لله ربّ العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. بدائع الفوائد، ج 2، ص 982.

2. التنوير شرح الجامع الصغير، ج 7، ص 335.

3. فيض القدير شرح الجامع الصغير، ج 3، ص 14، الصواعق المحرقة، ج 2، ص 442.

: السيد علي رحيم الموسوي