من المسلَّمات الشرعية والعقلائية أنَّ نسبة الجريمة لا تختص بمن باشر تنفيذها، بل تشمل كلَّ من كان سبباً في وقوعها، أو أمر بها، أو هيَّأ مقدماتها؛ فإنَّ المباشر والآمر والممهِّد جميعاً شركاء في تحقق الفعل الإجرامي وإن اختلفت مراتب مسؤوليتهم. ومن هذا المنطلق، فإنَّ دراسة جريمة قتل الإمام الحسين (عليه السلام) لا تقتصر على تحديد الشخص الذي تولى مباشرة القتل، بل تمتد إلى الكشف عن جميع الجهات التي أسهمت في صناعة هذه الفاجعة.
وباستقراء النصوص الروائية والتاريخية، يتبين أنَّ جريمة قتل سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) ـ بحسب الرؤية الإمامية ـ ترجع إلى ثلاثة أطراف رئيسة: الممهِّد، والآمر، والمنفِّذ وبيانه كالتالي:
الطرف الأول: الممهِّد لقتاله والسبب في التمكين من قتله:
إنَّ الأحداث الكبرى لا تقع عادةً بمعزل عن مقدماتها، بل تسبقها أسباب وتمهيدات تؤسس لها، ومن هنا تؤكد النصوص الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) أنَّ الانحراف الذي وقع في أمر الخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان الأصل الذي ترتبت عليه المآسي اللاحقة، وفي مقدمتها فاجعة كربلاء. فقد روى أصحاب السير أن جماعة من قريش تعاهدوا في المسجد الحرام وكتبوا صحيفةً تقتضي ألا تعود الخلافة إلى بني هاشم ولا تُسلَّم إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فكان ذلك من أهم أسباب صرف الإمامة عن أهلها. [1].
وقد صرّح الإمام الصادق (عليه السلام) بهذه الحقيقة فيما رواه الكليني بسنده عنه قال: «إذا كُتب الكتاب قُتل الحسين» [2].
وبيَّن المولى المازندراني المراد من هذه الرواية بقوله: ( إنَّ الإمام (عليه السلام) شبَّه يوم كتابة الصحيفة بيوم قتل الحسين (عليه السلام)، لأن تلك الصحيفة كانت الأصل والسبب المؤدي إلى وقوع تلك الفاجعة، إذ لو بقيت الخلافة في بني هاشم ولم تُنقل إلى بني تيم ثم بني عدي ثم بني أمية، لما وقع قتل الإمام الحسين (عليه السلام) [3].
وعلى هذا الأساس، فإنَّ الرواية تكشف عن أنَّ الجريمة لم تبدأ في كربلاء، وإنما بدأت يوم أُقصي أهل البيت (عليهم السلام) عن مقامهم الإلهي، وهو المعنى الذي تشير إليه زيارة عاشوراء بقولها: «اللهم العن أول ظالم ظلم حق محمد وآل محمد... ولعن الله أمةً أسست أساس الظلم والجور عليكم أهل البيت»
فالمؤسسون لذلك الانحراف هم أول الممهدين لواقعة الطف، وإن لم يشهدوا أحداثها زماناً.
الطرف الثاني: الآمر بقتل الإمام (عليه السلام)
وأما الآمر المباشر بالجريمة فهو يزيد بن معاوية، إذ أجمعت المصادر التاريخية على أنه بعد خروج الإمام الحسين (عليه السلام) إلى العراق ولّى عبيد الله بن زياد على الكوفة، وأمره بأخذ البيعة من الإمام، فإن امتنع قتله، وإرسال رأسه إليه [4].
وعليه، فإنَّ المسؤولية الأولى عن إصدار قرار القتل تقع على يزيد، لأنه صاحب السلطة وصاحب الأمر المباشر بإراقة دم الإمام (عليه السلام).
الطرف الثالث: المنفذون للجريمة
وأما الطرف الثالث فهم الذين باشروا تنفيذ الجريمة، وهؤلاء لا يصح وصفهم بأنهم «شيعة الإمام الحسين (عليه السلام)»، كما يدعي بعض المخالفين، بل كانوا في حقيقتهم من شيعة آل أبي سفيان وأتباع السلطة الأموية.
وللوقوف على هذه الحقيقة لابد من ذكر عدة نقاط:
أولاً: التركيبة السكانية للكوفة
إنَّ الكوفة بعد الفتح الإسلامي لم تكن مدينةً ذات انتماء عقدي واحد، وإنما كانت تضم خليطاً واسعاً من القبائل والأعراق والاتجاهات الفكرية والسياسية.
وقد تبلورت في عصر معاوية عدة تيارات، من أبرزها:
1ـ الشيعة موالي أمير المؤمنين (عليه السلام).
2ـ العثمانية موالي عثمان بن عفان.
3ـ الخوارج أهل النهروان المارقين.
4ـ عامة الناس شيعة السلطان.
ومن هنا، فإنَّ مجرد كون الشخص كوفياً لا يلازم كونه شيعياً.
بل إنَّ التحقيق في أسماء من كتبوا إلى الإمام الحسين (عليه السلام) يدل على أنهم لم يكونوا جميعاً من شيعته، بل كانوا أصنافاً متعددة.
وقد أشار الإمام الحسين (عليه السلام) إلى ذلك بقوله: «وما كانت كتب من كتب إلي ـ فيما أظن ـ إلا مكيدةً لي وتقرباً إلى ابن معاوية بي» [5].
كما قرر السيد الميلاني أنَّ الذين كتبوا للإمام ينقسمون إلى قسمين:
الأول: شيعته الحقيقيون، كسليمان بن صرد الخزاعي وأصحابه، وفراس بن جعدة.
والثاني: غير الشيعة، وهم فريقان:
1ـ الخوارج، مثل شبث بن ربعي.
2ـ حزب بني أمية، مثل حجار بن أبجر.
وبذلك يسقط الادعاء القائل: إن الذين قتلوا الإمام الحسين كانوا شيعته [6].
فأما التيار الثاني وهم: العثمانية موالي عثمان بن عفان هم طائفتان:
الطائفة الأولى: موالي بني أمية (أهل الكوفة):
نظراً لمرور عشرين عاماً على حكم الأمويين، ظهرت فئات في الكوفة تُعرف بالعُثمانية، التي كانت تظهر عداءً لعلي (عليه السلام)، وقد سماهم الإمام الحسين (عليه السلام) شيعة آل أبي سفيان، كما روى في المصادر أنه قال لهم: «ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحرارا في دنياكم هذه وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عربا كما تزعمون» [7].
وقد قالوا للإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء: «نقاتلك بغضا منا لأبيك، ما فعل بأشياخنا يوم بدر وحنين [8].
وصرح غير واحد من جيش الكوفة بأنه عثماني الهوى، أي على دين آل أبي سفيان. فمثلاً، لما رجع كعب بن جابر -بعد قتله برير بن حضير القارئ – قالت له امرأته أو أخته النوار بنت جابر: أعنت على ابن فاطمة وقتلت سيد القراء لقد أتيت عظيما من الامر، والله لا أكلمك من رأسي كلمة أبدا.
وقال كعب بن جابر: سلي تخبري عني وأنت ذميمة * غداة حسين والرماح شوارع ألم آت أقصى ما كرهت ولم يخل * على غداة الروع ما أنا صانع معي يزنى لم تخنه كعوبه * وأبيض مخشوب الغرارين قاطع** فجردته في عصبة ليس دينهم * بديني وإني بابن حرب لقانع ولم تر عيني مثلهم في زمانهم * ولا قبلهم في الناس إذ أنا يافع أشد قراعا بالسيوف لدى الوغا ألا كل من يحمى الذمار مقارع وقد صبروا للطعن والضرب حسرا * وقد نازلوا لو أن ذلك نافع فأبلغ عبيد الله إما لقيته * بأني مطيع للخليفة سامع قتلت بريرا ثم حملت نعمة ** أبا منقذ لما دعا من يماصع [9].
وروى الطبري بالإسناد عن يحيى بن هانئ بن عروة أن نافع ابن هلال كان يقاتل يومئذ وهو يقول: (أنا الجملي أنا على دين علي) قال: فخرج إليه رجل يقال له مزاحم ابن حريث فقال: (أنا على دين عثمان). فقال له (أنت على دين شيطان) ثم حمل عليه فقتله» [10].
وأما الطائفة الثانية: من موالي بني أمية (أهل الشام):
فقد اتبّع معاوية سياسة منظمة لتغيير البنية السكانية للكوفة، فكان يُخرج الموالين لأمير المؤمنين (عليه السلام)، ويُسكن مكانهم الموالين للدولة الأموية من أهل الشام والبصرة والجزيرة. وقد ذكر الطبري: (وكان معاوية... يخرج من الكوفة المستغرب في أمر علي، وينزل داره أهل الشام وأهل البصرة وأهل الجزيرة) [11].
وهذا يفسر كثرة العنصر الشامي في الجيش الذي قاتل الإمام الحسين (عليه السلام). ولهذا عبّرت روايات أهل البيت (عليهم السلام) عن جيش كربلاء بأنه جيش أهل الشام نذكر طائفة من تلك الأخبار كالتالي:
1ـ ما رواه الشيخ الكليني بسنده: عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: تاسوعا يوم حوصر فيه الحسين (عليه السلام) وأصحابه رضي الله عنهم بكربلا واجتمع عليه خيل أهل الشام وأناخوا عليه وفرح ابن مرجانة وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرتها واستضعفوا فيه الحسين صلوات الله عليه وأصحابه رضي الله عنهم وأيقنوا أن لا يأتي الحسين (عليه السلام) ناصر ولا يمده أهل العراق – بابي المستضعف الغريب -..» [12].
2ـ وما رواه الصدوق بسنده عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) «.. وأقبل عدو الله سنان بن أنس الأيادي، وشمر ابن ذي الجوشن العامري (لعنهما الله) في رجال من أهل الشام حتى وقفوا على رأس الحسين (عليه السلام) ..» [13]
3ـ وما رواه الطوسي بسنده عن أبي عبد الله الصادق (علیه السلام) قال: إن لآل أمية لعنهم الله ومن أعانهم على قتل الحسين من أهل الشام نذرا إن قتل الحسين عليه السلام وسلِم من خرج إلى الحسين، وصارت الخلافة في آل أبي سفيان أن يتخذوا ذلك اليوم عيدا لهم يصومون فيه شكرا، فصارت في آل أبي سفيان سنة إلى اليوم في الناس، واقتدى بهم الناس جميعا لذلك، فلذلك يصومونه ويدخلون على عيالاتهم وأهاليهم الفرح في ذلك اليوم) [14].
وهذه النصوص تكشف بوضوح أنَّ قسماً كبيراً من جيش عمر بن سعد كان من الموالين للأمويين القادمين من الشام.
الخاتمة:
يتضح مما تقدم أنَّ الرؤية الإمامية تُحمِّل مسؤولية جريمة قتل الإمام الحسين (عليه السلام) لثلاثة أطراف مترابطة: الممهدون للانحراف عن الإمامة، والآمر المباشر بالجريمة وهو يزيد بن معاوية، والمنفذون الذين كانوا من شيعة آل أبي سفيان وأتباع الدولة الأموية، سواء كانوا من أهل الشام أو من العثمانية وأعوان السلطة في الكوفة.
وعليه، فإنَّ دعوى أنَّ «الذين قتلوا الإمام الحسين (عليه السلام) هم شيعته» دعوى باطلة تاريخياً وروائياً؛ إذ إنَّ شيعته الحقيقيين كانوا بين شهيدٍ استُشهد معه في كربلاء، أو محبوسٍ أو مطاردٍ أو عاجزٍ عن الوصول إليه، بينما كان الجيش الذي واجهه يدين بالولاء للدولة الأموية ويُعلن عداءه لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو ما تشهد به النصوص التاريخية والروايات المعتبرة.
والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــ
1ـ الأصول الستة عشر للعصفري، ص144.
2ـ الكافي، ج8، ص180.
3ـ شرح أصول الكافي، ج20، ص421.
4ـ مناقب آل أبي طالب، ج4، ص88؛ الفتوح لابن أعثم، ج5، ص10.
5ـ أنساب الأشراف ج3 ص185
6ـ من هم قتلة الحسين؟ ص327.
7ـ اللهوف ص71
8- الفتوح ج5 ص132
9- تاريخ الطبري ج4 ص329
10 - تاريخ الطبري ج4 ص331
11ـ تأريخ الطبري ج2 ص500
12- الكافي ج4 ص147
13ـ أمالي الصدوق ص226
14- أمالي الطوسي ص667

اترك تعليق