لم تعد ثقافة الاستهلاك في عصرنا مجرد سلوك يرتبط بالحاجات اليومية، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى نمط حياة يحدد للإنسان ما يريد، وكيف يعيش، وما الذي يمنحه الشعور بالنجاح والرضا.
ومع اتساع دائرة المظاهر وكثرة المعروضات، أصبح الإنفاق أحيانًا غايةً بحد ذاته، وتراجعت قيمة القناعة أمام الرغبة المستمرة في الامتلاك والتجديد.
والإسلام لا ينظر إلى المال بوصفه غاية، وإنما أمانة ومسؤولية، يُسأل الإنسان عن طريقة تحصيله وإنفاقه وموقفه من حاجات الآخرين.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من عقلية الاستهلاك المنفلت إلى ثقافة واعية تقوم على القناعة والاعتدال وحفظ النعمة.
حيث قال الله تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذألك قَوَامًا ﴾[الفرقان: 67]
فلم يضع القرآن الكريم المال في موضع العدو الذي ينبغي للإنسان أن يبتعد عنه، ولم يجعله في الوقت نفسه غاية تستحق أن يعيش الإنسان من أجلها. وإنما وضع له موضعه الصحيح في حياة الإنسان، وجعل طريقة التعامل معه جزءاً من شخصية المؤمن وسلوكه. ولهذا جاءت الآية لتصف عباد الرحمن من خلال موقفهم من الإنفاق، فقالت:﴿ لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يُقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذألك قَوَامًا ﴾.
فالإنسان أمام المال يقف بين ثلاثة طرق: أن يستهلكه بلا حساب، أو يمنعه عن نفسه وعن مستحقيه، أو يسلك طريقاً وسطاً يعرف فيه كيف ينفق ومتى ينفق وأين ينفق. والطريق الثالث هو الذي اختاره القرآن، لأنه لا يقوم على حرمان الإنسان من النعمة، ولا على إطلاق رغباته بلا حدود، وإنما على ميزان يجعل المال في خدمة الحياة، لا الحياة في خدمة المال.
وهذا المعنى أصبح أكثر أهمية في زماننا، لأن الإنسان يعيش وسط ثقافة تدفعه باستمرار إلى الاستهلاك. فكل شيء من حوله يقول له: اشترِ، بدّل، جرّب، اقتنِ الجديد، لا تتأخر عن الآخرين. وأصبح بعض الناس يقيسون مستوى معيشتهم بما يملكونه من أجهزة وسيارات وملابس وأثاث، حتى صار الإنسان يشعر أحياناً أنه مطالب بأن يثبت مكانته الاجتماعية من خلال ما ينفقه.
وهنا تبدأ المشكلة. فالإنفاق في ذاته ليس المشكلة، وإنما المشكلة أن يفقد الإنسان القدرة على ضبطه. أن يشتري ما لا يحتاج إليه، وأن ينفق فوق قدرته، وأن يستدين من أجل المظهر، وأن يهدر الطعام والمال والموارد، ثم يظن أن ذلك دليل على الرفاه والنجاح.
وهنا نفهم كلمة﴿ قَوَامًا ﴾. فالقوام هو الاعتدال الذي تستقيم به الحياة. ألا يكون الإنسان عبداً لشهوة الشراء، ولا أسيراً للخوف من الإنفاق، وإنما يعرف قدر حاجته وقدر قدرته.
وهذا الميزان القرآني مهم جداً لأن بعض الناس عندما يسمعون الحديث عن القناعة يظنون أن المطلوب هو التخلي عن الراحة والجمال وتحسين مستوى الحياة. وهذا غير صحيح. فالإسلام لا يريد للإنسان أن يحرم نفسه مما أحل الله، وإنما يريد منه ألا يجعل متع الحياة تسيطر على قراراته.
القناعة ليست أن يعيش الإنسان فقيراً وهو قادر على العيش بصورة أفضل، وليست أن يرفض كل جديد، وليست أن يعتبر الإنفاق على نفسه خطأ. القناعة هي أن يعرف الإنسان حدود الكفاية، وألا تتحول الرغبة إلى حاجة وهمية، وألا يصبح ما عند الآخرين مقياساً لما يجب أن يمتلكه.
وقد ورد عن أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام:
«القناعة مالٌ لا ينفد». نهج البلاغة [ج2. ص 156]
فالإنسان الذي يمتلك القناعة يمتلك ثروة من نوع آخر. لأنه لا يعيش في سباق دائم مع الآخرين، ولا يشعر أن حياته ناقصة كلما رأى شيئاً جديداً عند غيره. أما الذي يفقد القناعة فإنه يستطيع أن يملك الكثير ويبقى يشعر بالحاجة إلى المزيد.
وهذا أحد الأسباب التي جعلت ثقافة الاستهلاك تنتشر بسرعة. فهي لا تعتمد دائماً على وجود الحاجة، وإنما تعمل على صناعة رغبات جديدة باستمرار. ما كان بالأمس كمالياً يصبح اليوم ضرورياً، وما كان الإنسان يراه مناسباً بالأمس يبدأ بالنظر إليه على أنه قديم لمجرد ظهور منتج جديد.
والمشكلة أن الإنسان قد يدخل في هذا السباق دون أن ينتبه إلى الثمن الحقيقي الذي يدفعه. فقد لا يدفع ثمن السلعة وحدها، وإنما يدفع من راحته، ومن استقرار أسرته، ومن مستقبله المالي، وربما من علاقاته الاجتماعية عندما تتراكم عليه الالتزامات.
كيف تتحول ثقافة الاستهلاك إلى مشكلة اجتماعية
فالأسرة التي تنفق أكثر من دخلها ستعيش تحت ضغط مستمر. والأب الذي يستهلك جزءاً كبيراً من راتبه في الكماليات قد يجد نفسه عاجزاً عن مواجهة ظرف طارئ. والشاب الذي يبدأ حياته بالديون من أجل المظاهر قد يدخل الزواج وهو يحمل أعباء كان يمكن الاستغناء عنها.
لذلك فإن القوام الذي تحدثت عنه الآية ليس مجرد مسألة مالية، وإنما هو طريق إلى الاستقرار.
والإنسان الذي يوازن في إنفاقه يستطيع أن يخطط لمستقبله. يستطيع أن يدخر، وأن يواجه الظروف الطارئة، وأن ينفق على تعليم أبنائه، وأن يساعد والديه وأقاربه، وأن يقدم شيئاً للمحتاجين. أما الذي ينفق كل ما يحصل عليه لمجرد إشباع رغباته، فإنه يحرم نفسه من كثير من أبواب الخير.
وهنا يظهر الجانب الآخر من الآية:﴿ وَلَمْ يُقْتِرُوا ﴾.
فالقرآن لم يقل فقط: لا تسرفوا، وإنما أضاف: لا تقتروا. وهذا مهم جداً، لأن المسؤولية في المال لا تعني أن يمسك الإنسان يده عن كل إنفاق. البخل يمكن أن يكون مشكلة مثل الإسراف تماماً. فقد يبخل الإنسان على أسرته في حاجاتها الأساسية، أو يمنع المال عن نفسه رغم قدرته، أو يمتنع عن مساعدة المحتاجين وهو قادر على ذلك.
الإسلام يريد مالاً يتحرك في الاتجاه الصحيح، لا مالاً يضيع في الإسراف ولا مالاً يتجمد بسبب البخل.
وهذه نقطة مهمة في فهم الاقتصاد الإسلامي للحياة: القوام ليس تقليلاً للإنفاق، وإنما تصحيح لمساره.
فالإنسان ينفق على صحته، وعلى أسرته، وعلى أبنائه، وعلى حاجاته، وعلى من تجب عليه إعالتهم، وعلى ما ينفعه في دينه ودنياه، ثم يجعل من ماله باباً للخير. لكنه في الوقت نفسه لا يسمح للكماليات بأن تبتلع الضروريات، ولا يسمح للمظاهر بأن تتحكم في ميزانيته.
ومن أكثر المجالات التي تحتاج إلى هذه المراجعة المناسبات الاجتماعية.
فقد تحولت بعض المناسبات إلى منافسة في حجم الإنفاق. من يقيم حفلاً أكبر، ومن يقدم طعاماً أكثر، ومن يشتري أثاثاً أغلى، ومن يظهر بصورة أكثر رفاهية. وأحياناً تكون الأسرة غير قادرة على تحمل هذه المصاريف، لكنها تنفق خوفاً من كلام الناس.
وهذا النوع من الإنفاق يحتاج إلى شجاعة اجتماعية. أن يقول الإنسان: سأقيم مناسبتي بحسب قدرتي، لا بحسب ما يفرضه الآخرون. سأكرم ضيوفي بما أستطيع، لا بما يثقلني بالدين. سأفرح من غير أن أحول فرحي إلى عبء يستمر معي بعد انتهاء المناسبة.
إن المجتمع الذي يحترم الإنسان البسيط ويقبل المناسبة المتواضعة هو مجتمع يساعد أفراده على الاستقرار. أما المجتمع الذي يجعل المظاهر معياراً للكرامة فإنه يدفع الناس تدريجياً إلى الاستهلاك حتى لو لم يكونوا قادرين عليه.
مسؤولية الآباء والأمهات في تربية الأبناء
الطفل يتعلم قيمة المال قبل أن يتعلم الحديث عنها. يرى أباه كيف ينفق، ويرى أمه كيف تتعامل مع المشتريات، ويرى كيف يتحدث الوالدان عن الأشياء التي يملكها الآخرون. فإذا عاش في بيئة تقيس الناس بالمظاهر، فمن الطبيعي أن يتأثر بذلك.
أما إذا رأى في أسرته احتراماً للمال، وحفاظاً على الطعام، واعتدالاً في الشراء، ومساعدة للمحتاج، فسيتعلم أن النعمة ليست للاستهلاك فقط.
ومن الجميل أن نعلم أبناءنا أن الشيء لا يصبح مهماً لمجرد أن الآخرين يملكونه. وأن تأجيل الشراء ليس حرماناً. وأن المحافظة على الملابس والأجهزة والأثاث ليست دليلاً على الفقر. وأن إصلاح الشيء القابل للإصلاح يمكن أن يكون تصرفاً مسؤولاً لا علامة على العجز.
فالطفل الذي يتعلم معنى القوام في الإنفاق اليوم، سيكون أكثر قدرة على إدارة حياته غداً.
وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام:
«إن الله تبارك وتعالى يبغض كثرة الأكل». [المحاسن 446]
وهذا التوجيه، وإن تعلق بالأكل، لكنه يلفت النظر إلى أصل تربوي مهم: فالإنسان ينبغي ألا يجعل إشباع الرغبة هدفاً مستقلاً عن الحاجة. فكما أن الإفراط في الطعام يخرج الإنسان عن الاعتدال، فإن الإفراط في الاستهلاك يمكن أن يخرجه عن الاعتدال أيضاً.
ليس كل ما نستطيع الحصول عليه ينبغي أن نحصل عليه
وهذه الجملة لو أصبحت جزءاً من ثقافتنا لتغيرت أشياء كثيرة. لأن الإنسان في عصر الوفرة يحتاج إلى القدرة على الامتناع أكثر مما يحتاج إلى القدرة على الشراء. الأسواق تستطيع أن تعرض آلاف الخيارات، لكن القرار يبقى عند الإنسان: ماذا أختار؟ وماذا أترك؟
ومن هنا تبدأ المسؤولية:
المسؤولية ليست أن يملك الإنسان المال فقط، وإنما أن يعرف كيف يستخدمه. وليست أن يستطيع شراء الأشياء، وإنما أن يستطيع ترتيب أولوياته. فقد يملك شخص دخلاً جيداً، لكنه لا يعرف أين يذهب ماله. وقد يكون دخل شخص آخر أقل، لكنه يعيش باستقرار لأنه يعرف كيف ينفق.
ولهذا ورد عن الامام الصادق عليه السلام:
«من اقتصد في معيشته رزقه الله ومن بذر حرمه الله». [الكافي ج2.ص 122]
فالاقتصاد يمنح الإنسان مساحة من الأمان. وكلما استطاع الإنسان أن يضبط مصروفاته، أصبح أكثر قدرة على مواجهة المستقبل. والاقتصاد هنا لا يعني البخل، وإنما يعني أن تكون هناك علاقة واعية بين الدخل والإنفاق.
ومن المسؤولية أيضاً أن يدرك الإنسان أن النعمة ليست ملكاً شخصياً بمعنى الانفصال عن المجتمع. فإذا أنعم الله على الإنسان بمال زائد عن حاجته، فإن أجمل ما يمكن أن يفعله هو أن يحول جزءاً من هذه النعمة إلى منفعة تصل إلى الآخرين.
كيف تنتقل المسألة من القناعة الفردية إلى الأمانة الاجتماعية
فالإنسان الذي لا يسرف في طعامه يستطيع أن يطعم محتاجاً. والذي لا ينفق كل ماله على الكماليات يستطيع أن يساعد عائلة متعففة. والذي لا يجعل المناسبات مجالاً للمبالغة يستطيع أن يوجه جزءاً من ماله إلى طالب يحتاج إلى الدراسة، أو مريض يحتاج إلى العلاج، أو مشروع يخدم الناس.
وهكذا يصبح الاقتصاد طريقاً إلى التكافل:
إن المجتمع لا يحتاج فقط إلى أفراد يملكون المال، بل يحتاج إلى أفراد يعرفون كيف يوجهون المال. لأن الثروة إذا بقيت محصورة في الاستهلاك الشخصي قد تزيد المظاهر، لكنها لا تبني بالضرورة مجتمعاً أقوى. أما عندما يتحول جزء من المال إلى تعليم وعلاج وإغاثة ومساعدة وإنتاج، فإن أثره يتجاوز صاحبه.
وهذا هو المعنى الأعمق للمسؤولية الاجتماعية:
فالمال الذي أنفقه على نفسي قد ينتهي أثره بانتهاء حاجتي، أما المال الذي أوجهه إلى منفعة إنسان آخر فقد يبقى أثره طويلاً.
ومن هنا لا ينبغي أن ننظر إلى القناعة باعتبارها موقفاً سلبياً من الحياة. القناعة الحقيقية تجعل الإنسان أكثر قدرة على العطاء؛ لأنه لا يستهلك كل ما عنده في إشباع رغباته. وكلما استطاع الإنسان أن يميز بين الحاجة والرغبة، أصبح أكثر قدرة على أن يرى حاجات الآخرين أيضاً.
إن ثقافة الاستهلاك تقول للإنسان: اجعل نفسك أولاً دائماً.
أما ثقافة المسؤولية فتقول له: نعم، اهتم بنفسك وأسرتك، لكن لا تنس أن حولك إنساناً قد يحتاج إلى ما تستطيع تقديمه.
وهذا لا يعني أن يتخلى الإنسان عن حقه في الراحة والرفاه، وإنما يعني أن تكون الراحة في حدود المعقول، وأن يبقى في قلب الإنسان مكان للآخرين.

اترك تعليق