معالم القوة الناعمة في زيارة الأربعين

تعد زيارة الأربعين من أضخم الظواهر البشرية في العصر الحديث، حيث يتوافد الملاين من الزوار سنويًا من جميع أنحاء العالم إلى مدينة كربلاء المقدسة إحياءً للذكرى الأربعينية لاستشهاد الإمام الحسين بن علي عليهما السلام. هذا التجمع الفريد الذي يتجاوز في حجمه أي حدث بشري آخر، لا يقتصر على كونه مناسبة دينية فحسب، بل تحول إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية وسياسية متعددة الأبعاد، جعلته محط اهتمام الباحثين والمحللين الاستراتيجيين وصناع السياسات على حد سواء.

في عالم تتسارع فيه وتيرة التحولات الدولية، وتزداد فيه أهمية التأثير الثقافي إلى جانب القوة العسكرية والاقتصادية، برز مفهوم "القوة الناعمة" كأحد المفاهيم المحورية في التحليل الاستراتيجي. وقد عرفت بأنها "القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلاً من الإرغام أو دفع الأموال ".

تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن زيارة الأربعين تمثل نموذجًا متكاملًا للقوة الناعمة بمعناها الأعمق، إذ تتوفر فيها جميع مقومات هذه القوة من جاذبية ثقافية، وقيم إنسانية، ورسائل سياسية، وتأثير اجتماعي، وقدرة على جذب الشعوب والأمم دون إكراه أو عنف. وتهدف الدراسة إلى رصد وتحليل معالم هذه القوة الناعمة في زيارة الأربعين، واستكشاف أبعادها المختلفة، والكشف عن آليات تأثيرها في المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

 

 جاذبية المودة والولاية (أصل الجذب الروحي)

إن سر الحشد المليوني في الأربعين ليس ناتجاً عن دعاية بشرية أو ترغيب مادي، بل هو مصداق للدعوة الإبراهيمية والوعد الإلهي بجعل أفئدة الناس تهوي إلى هذه البقاع الطاهرة، وجزاءً لأجر الرسالة المتمثل بمودة ذوي القربى.

يقول الله تعالى في محكم كتابه:﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: 37].

ويقول سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: 23].

وعن النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال:"إنَّ لِقَتْلِ الْحُسَيْنِ حَرَارَةً فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَبْرُدُ أَبَداً".

(المصدر: النوري، الميرزا حسين، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم، الطبعة الأولى، 1408 هـ، ج 10، ص 318).

 

 السمات التأسيسية لزيارة الأربعين كقوة ناعمة

تمتلك زيارة الأربعين مجموعة من السمات الفريدة التي تؤهلها لأن تكون قوة ناعمة بامتياز، وتجعلها مختلفة جذريًا عن أي حدث آخر يمكن للشرق الأوسط أو العالم أن يشهده. ومن أبرز هذه السمات:

المشيِّ على الأقدام: في زمن بلغت فيه وسائل النقل الحديثة ذروة التطور التكنولوجي، يصر الملايين من الزوار على قطع المسافات الطويلة سيرًا على الأقدام من مناطق سكناهم أو من لحظة نزولهم في المطارات العراقية وصولًا إلى كربلاء المقدسة. هذا التحدي الإرادي للحداثة التكنولوجية يحمل في طياته رسالة عميقة عن التضحية والإخلاص والانتماء، مما يثير الدهشة والإعجاب في آن واحد.

فإن المواكب في الزيارة الأربعينية المنتشرة على طول الطرق المؤدية إلى كربلاء ليست مجرد مراكز لتقديم الطعام والشراب، بل هي قاعات لتربية النفس على التواضع البشري. فالخادم يرى في الزائر تجسيداً لضيف الإمام الحسين (عليه السلام)، وبالتالي يقدم له أقصى درجات الإيثار والمواساة، طالباً للثواب الإلهي والشفاعة، ومصداقاً لآيات التكافل.

يقول الله تعالى في وصف عباده الأبرار:﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 8-9].

ويقول سبحانه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].

عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) في دعائه الطويل لزوار الإمام الحسين (عليه السلام):"...فَارْحَمْ تِلْكَ الْوُجُوهَ الَّتِي غَيَّرَتْهَا الشَّمْسُ، وَارْحَمْ تِلْكَ الْخُدُودَ الَّتِي تَقَلَّبَتْ عَلَى حُفْرَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، وَارْحَمْ تِلْكَ الْأَعْيُنَ الَّتِي جَرَتْ دُمُوعُهَا رَحْمَةً لَنَا، وَارْحَمْ تِلْكَ الْقُلُوبَ الَّتِي جَزِعَتْ وَاحْتَرَقَتْ لَنَا، وَارْحَمْ الصَّرْخَةَ الَّتِي كَانَتْ لَنَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَوْدِعُكَ تِلْكَ الْأَنْفُسَ وَتِلْكَ الْأَبْدَانَ حَتَّى تُوَافِيَهُمْ مِنَ الْحَوْضِ يَوْمَ الْعَطَشِ".

(المصدر: ابن قولوية، الشيخ جعفر بن محمد، كامل الزيارات، نشر مؤسسة نشر الفقاهة، النجف الأشرف، الطبعة الأولى, 1417 هـ، ص 228).

 

 معالم القوة الناعمة في زيارة الأربعين

1. البعد الثقافي والحضاري

تمثل زيارة الأربعين منصة ثقافية هائلة للقاء الحضارات والثقافات المختلفة على أرض العراق. فهي تتيح فرصة عظيمة للغات والثقافات المتعددة للتلاقي والتعارف، وللاختلاط بأهل العراق على طول مسالك المرور، مما يعطي العراقيين فرصة عظيمة لإظهار قوتهم القيمية والثقافية ومحوريتهم الحضارية.

علاوة على ذلك، تسهم الزيارة في إحياء الهوية الإسلامية ونشر معالم الإسلام الأصيل بطريقة سلمية جاذبة ومعبرة. فهي تؤسس لما يمكن تسميته "الأمة الحسينية" العالمية، التي تجمع المسلمين وغير المسلمين حول قيم العدل والحرية والإنسانية التي جسدها الإمام الحسين عليه السلام.فان المشي إلى الحسين (عليه السلام) يمثل سلوكاً عبادياً بليغاً ينطوي على ترويض الجسد وتزكية الروح، وإعلان البراءة من الظلم بالخطوات الممتدة. إنها حركة تعبدية نصت الروايات الشريفة على عظم أجرها، حيث يكتب الله للماشي بكل خطوة حسنة ويمحو عنه سيئة.

يقول الله جل وعلا:﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].

عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال للحسين بن علي بن ثوير:"يَا حُسَيْنُ، مَنْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يُرِيدُ زِيَارَةَ قَبْرِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليه السلام) إِنْ كَانَ مَاشِياً كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حَسَنَةً وَمَحَى عَنْهُ سَيِّئَةً، حَتَّى إِذَا صَارَ فِي الْحَائِرِ كَتَبَهُ اللَّهُ مِنَ الْمُصْلِحِينَ الْمُنْتَجَبِينَ...".

(المصدر: الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، الطبعة الرابعة، 1407 هـ، ج 4، ص 580).

2. البعد الاجتماعي والإنساني

تقدم زيارة الأربعين أنموذجًا فريدًا لما يمكن تسميته "المجتمع التراحمي"، وهو مجتمع يقوم على التكافل والتعاون ونبذ الأنانية والفردانية. فالملايين من المتطوعين يقدمون خدماتهم للزوار دون أي مقابل مادي، بل بدافع التقرب إلى الله من خلال خدمة زوار الحسين عليه السلام.

هذا النموذج الاجتماعي يتناقض بشكل صارخ مع المجتمعات الحديثة المعاصرة التي تتنامى فيها الفردانية والأنانية وسطوة المال وأولوية المنفعة. ومن هنا تكتسب الزيارة قوتها الناعمة من خلال تقديمها بديلاً حضاريًا قائمًا على التضامن والإيثار، مما يجذب الأنظار ويستثير الإعجاب حتى لدى غير المسلمين. حيث تعد زيارة الأربعين تجسيداً عملياً للأمة الوسط والوحدة الإيمانية التي تلغي الفوارق الطبقية، والعرقية، والقومية. ينصهر الزائرون من شتى بقاع الأرض (عرباً، وعجماً، وأفارقة، وأوروبيين) تحت راية واحدة وعنوان واحد، منبذين كل أشكال العصبية الجاهلية التي حذر منها الرسول الأكرم وأهل بيته.

الشاهد القرآني:

يقول سبحانه وتعالى في محكم كتابه:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].

3. البعد السياسي

ان زيارة الأربعين تتيح للمجتمعات الشيعية في العالم فرصة لتعزيز التواصل وبناء شبكات ثقافية، مما يعزز هويتها الجماعية ويزيد من قوتها الناعمة في مواجهة التهديدات الخارجية.

كما أن الزيارة تشكل رسالة سياسية واضحة في مواجهة الظلم والطغيان، إذ تحمل مضامين سياسية واجتماعية واسعة النطاق، وأصبحت رسالة متنقلة عبر الأجيال في مواجهة الظلم والاستبداد. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى زيارة الأربعين باعتبارها شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية السلمية التي لا تستخدم العنف، بل تعتمد على الجذب والإقناع.

4. البعد الاقتصادي والسياحي

رغم أن البعد الاقتصادي ليس الهدف الأساسي من الزيارة، إلا أنه يمثل أحد معالم قوتها الناعمة. فزيارة الأربعين تُعد أكبر تجمع للسياحة الدينية في العالم، وتوفر فرصة هائلة لتنمية الاقتصاد المحلي في المحافظات العراقية. مما يجعلها حدثًا سياحيًا دوليًا بالغ الأهمية.

 

الخاتمة

تقدم زيارة الأربعين نموذجًا فريدًا ومتكاملًا للقوة الناعمة في العالم المعاصر، حيث تتوفر فيها جميع مقومات الجاذبية والتأثير من أبعاد ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية وروحية. فهي ليست مجرد مناسبة دينية عابرة، بل هي ظاهرة حضارية شاملة تعبر عن أعمق معاني التضامن الإنساني والمقاومة الثقافية السلمية.

فإن زيارة الأربعين تقدم نموذجًا مختلفًا للقوة الناعمة المجتمعية المنبثقة من أعماق الإيمان والتاريخ، وهذا ما يمنحها مصداقية وجاذبية استثنائية، ويجعلها أداة فاعلة في نشر قيم العدل والحرية والكرامة الإنسانية في العالم.

في النهاية، تظل زيارة الأربعين واحدة من أعظم ظواهر القوة الناعمة في العصر الحديث، وقدرتها على التأثير في القلوب والعقول عبر الجذب لا الإكراه تجعلها نموذجًا يحتذى في عالم تتزايد فيه أهمية القيم والأفكار إلى جانب القوة المادية. وهي بذلك تمثل إرثًا إنسانيًا عالميًا يستحق الدراسة والتحليل والتقدير، وإحدى أهم الركائز التي يمكن للعراق والعالم الإسلامي الاعتماد عليها في تعزيز حضورهم الحضاري على الساحة الدولية.

: الشيخ علاء محسن السعيدي