يا زائرَ السبطِ لا تَقصِدْ حِماهُ كما
يُؤتى الملوكُ بأثوابٍ من الزَّهْوِ
وامشِ إليهِ كما أوصى الأئمةُ
في ذُلِّ العبوديةِ لا في هيئةِ الكِبْرِ
وامشِ حَفِيَّ القدمينِ الشوقُ يحملُها
نحوَ الضريحِ بدمعِ العينِ والفكرِ
والزَمْ خضوعًا، فدربُ السبطِ ما سُلِكَتْ
آثارُهُ بقلوبِ اللهوِ والبَطَرِ
وأكثرِ الذكرَ، والتكبيرَ متصلًا
والتهليلَ، والصَّلواتِ على الغُرَرِ
واذكرْ محمّدَ والآلَ الكرامَ فما
يُرجى القبولُ بغيرِ الحبِّ والأثرِ
واغضُضْ لحاظَكَ، لا تنظرْ إلى طمعٍ
فالعينُ تُسألُ يومَ الحشرِ والحَشَرِ
وكنْ لأهلِ الحوائجِ عونَ مُقتدرٍ
فخيرُ زادِ الفتى الإحسانُ للبشرِ
وواسِ أخاكَ إذا ما ضاقَ من سفرٍ
فالسيرُ للحسينِ ميدانُ التآزرِ
والزَمْ وَرَعًا، ودَعْ جدلًا وخصومةً
فذاكَ أبعدُ للزائرِ من الكَدَرِ
واحفظْ لسانَكَ، لا تُكثرْ من اللَّغَطِ الـ
ممقوتِ، فالصمتُ أزكى موضعَ الذِّكَرِ
واغتسلِ الفراتَ، فلعلَّ الماءَ يشهدُ ما
جرى عليهِ من الآلامِ والقهرِ
لا تُكثرِ الضحكَ، فالزهراءُ باكيةٌ
ولا تُضِعْ ذِكرَهُ باللهوِ والطَّرَبِ
أما سمعتَ نداءَ الصادقِ احتجَّ إذ
أجرى الكلامَ على الوجدانِ والفكرِ
إنَّ امرأً منكمُ يمضي إلى قبرِ أبٍ
كئيبَ قلبٍ، كثيرِ الدمعِ والسَّهَرِ
فكيفَ تمضي إلى قبرِ الحسينِ وقد
أضحى شهيدًا على الرمضاءِ والحَجَرِ؟
هذا أبوكَ إذا وارتهُ حفرتهُ
تبكيه حزنًا بطبعِ النفسِ والبشرِ
فكيفَ بالسبطِ؟ سبطِ المصطفى ولِمَن
بكتْ لمصرعهِ الأملاكُ في الأثرِ
فأتهِ أشعثَ مهمومًا كما وردتْ
آثارُ آلِ النبيِّ السادةِ الغُرَرِ
أتاهُ قومٌ بأمتاعِ المسيرِ، فصاحَ بهم
صادقُ الآلِ بالتوبيخِ والزجرِ
أتأتونَ سبطَ رسولِ اللهِ مبتهجينَ
وجدُّكمُ فوقَ حرِّ التربِ والحجرِ؟
أتأتونَهُ وزادُ الترفِ يحملُكمُ
وقد قضى ظامئًا في أعظمِ الكُرَبِ؟
أتأتونهُ بسفرِ المتنعِّمينَ وقد
أمسى طريحَ الثرى بالجوعِ والضُّرِّ؟
وجدُّكم تركوهُ فوقَ تربتهِ
بلا غطاءٍ، بلا ماءٍ، بلا كفنِ
حسينٌ على الرمضاءِ منطرحٌ
يشكو الظماءَ وسيفَ الحقدِ والغدرِ
حسينٌ ينادي القومَ مستصرخًا
هل من مغيثٍ؟ فلا صوتٌ سوى الهجرِ
هذا حسينٌ قضى ظمآنَ مكتئباً
تحتَ السيوفِ بلا ناصرٍ ولا وَزَرِ
فازرعْ على الدربِ أحزاناً تُشابهُ ما
جرى عليهِ، وكنْ بالدمعِ كالمطرِ
وامشِ إليهِ مشيَ عبدٍ لا يرى شرفًا
إلا الخضوعَ ببابِ السبطِ في صَغَرِ
وأتهِ أشعثَ مهمومًا كما وردتْ
آثارُهمْ في صفاتِ الزائرِ الحَذِرِ
واذكرْ إذا لامستْ كفّاكَ شبّاكَهُ
أنَّ السيوفَ جرتْ يومًا على النَّحرِ
واذكرْ إذا قبّلتَ الأعتابَ من ولهٍ
خدًّا عفيرًا على الرمضاءِ والحجرِ
واذكرْ يتاماهُ لمّا أُحرقتْ خِيَمٌ
تدعو أباها بصوتِ الخوفِ والذُّعْرِ
وشارِكِ الزهراءَ دمعًا في مصابِ فتىً
ما زالَ يقطرُ من جرحٍ إلى الحشرِ
فإن أتيتَ بهذا القلبِ منكسراً
عدتَ المغفَّرَ، المرضيَّ، ذا الأجرِ

اترك تعليق