الخصال التي يجب ان تكون في المؤمنين

حين نتأمل في بناء الإنسان المؤمن في المنظور الإسلامي، ندرك أن الإيمان ليس مجرد حالة شعورية عابرة، ولا ادعاءً لفظياً يردده اللسان، بل هو منظومة متكاملة من القيم والخصال التي تنعكس على الفكر والسلوك والموقف. فالمؤمن الحقيقي هو الذي يجسّد إيمانه واقعاً معاشاً، يظهر في صدقه، وأمانته، وتواضعه، وثباته أمام التحديات، كما يظهر في علاقته مع الله تعالى ومع الناس من حوله.

ومن هنا، فإن الحديث عن الخصال التي ينبغي أن تتوافر في المؤمنين ليست ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة تربوية وأخلاقية، تمسّ حقيقة الشخصية الإسلامية، وتسهم في بناء مجتمع متماسك تسوده الرحمة والعدل والإحسان. فكلما ترسّخت هذه الخصال في الأفراد، ازداد المجتمع قوةً ونقاءً، واقترب من تحقيق الغاية التي خُلق الإنسان لأجلها.

وفي هذا المقال، نسلّط الضوء على أبرز هذه الخصال، مستنيرين بهدي العترة الطاهرة، لنرسم ملامح الشخصية المؤمنة التي أرادها الله تعالى أن تكون قدوةً في السلوك، ومناراً في القيم، ومصدراً للإصلاح في الأرض.

(عن عَلِیُّ بْنُ إِبْرَاهِیمَ عَنْ أَبِیهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ جَمِیلِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَالِبٍ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ:

یَنْبَغِی لِلْمُؤْمِنِ أَنْ یَکُونَ فِیهِ ثَمَانُ خِصَالٍ؛

·      وَقُورٌ عِنْدَ الْهَزَاهِزِ

·      صَبُورٌ عِنْدَ الْبَلَاءِ

·      شَکُورٌ عِنْدَ الرَّخَاءِ

·      قَانِعٌ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ

·      لَا یَظْلِمُ الْأَعْدَاءَ

·      وَ لَا یَتَحَامَلُ لِلْأَصْدِقَاءِ

·      بَدَنُهُ مِنْهُ فِی تَعَبٍ

·      وَ النَّاسُ مِنْهُ فِی رَاحَةٍ

إِنَّ الْعِلْمَ خَلِیلُ الْمُؤْمِنِ وَ الْحِلْمَ وَزِیرُهُ وَ الصَّبْرَ أَمِیرُ جُنُودِهِ وَ الرِّفْقَ أَخُوهُ وَ اللِّینَ وَالِدُهُ[1]).

ويُعدّ هذا الحديث الشريف الوارد عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) من النصوص التربوية العميقة التي ترسم ملامح الشخصية الإيمانية المتكاملة، حيث يضع الإمام (عليه السلام) منهجًا دقيقًا لبناء الإنسان المؤمن في أبعاده النفسية، والأخلاقية، والاجتماعية، بل وحتى المعرفية. والحديث لا يقتصر على عرض صفاتٍ مثالية، بل يقدّم نظامًا متكاملاً يُمكن أن يُتَّخذ دستورًا عمليًا للحياة.

 

أولًا: مدخل عام إلى مضمون الحديث

يبدأ الإمام (عليه السلام) بقوله: "ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال"، وهذه العبارة تحمل دلالة إلزامية أدبية، أي أن هذه الصفات ليست من الكماليات الثانوية، بل هي من لوازم الإيمان الحقيقي. فالإيمان في منطق أهل البيت (عليهم السلام) ليس مجرد اعتقاد قلبي أو أداء شعائري، بل هو منظومة متكاملة من السلوكيات التي تنعكس على واقع الإنسان.

ثانيًا: الوقار عند الهزاهز

قوله (عليه السلام): "وقور عند الهزاهز" يشير إلى الثبات النفسي عند الأزمات والاضطرابات. فـ"الهزاهز" تعني الشدائد التي تهزّ كيان الإنسان. والمؤمن الحق لا ينهار أمام الأزمات، بل يتسم بالوقار، أي الاتزان والرزانة.

وهذه الصفة تُظهر عمق الإيمان؛ لأن الإنسان إذا كان مرتبطًا بالله تعالى، فإنه يدرك أن كل ما يجري هو ضمن حكمة إلهية، فلا يضطرب اضطراب الجاهل، بل يثبت ثبات العارف.

ثالثًا: الصبر عند البلاء

الصبر هنا ليس مجرد تحمّل سلبي، بل هو صبر إيجابي قائم على الوعي. فالمؤمن يدرك أن البلاء وسيلة للتمحيص والتكامل. ولذلك، فإن الصبر عند البلاء يُعدّ من أعظم مظاهر القوة النفسية.

والصبر في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ليس فقط تحمّل الألم، بل هو ضبط النفس ومنعها من الجزع والسخط، مع الاستمرار في أداء الواجبات.

رابعًا: الشكر عند الرخاء

من طبيعة الإنسان أنه إذا أصابته النعمة قد ينسى المنعم، لكن المؤمن الحقيقي يكون "شكورًا عند الرخاء". والشكر ليس مجرد قول "الحمد لله"، بل هو استخدام النعمة في طاعة الله.

فمن شكر المال أن يُنفق في الخير، ومن شكر الصحة أن تُستثمر في الطاعة، ومن شكر العلم أن يُنشر ويُعمل به.

 

خامسًا: القناعة بما رزقه الله

القناعة تُعبّر عن حالة رضا داخلي، وهي من أعظم أسباب الطمأنينة النفسية. فالمؤمن القانع لا يعيش حالة الطمع أو الحسد، بل يرضى بما قسم الله له، مع السعي المشروع لتحسين وضعه.

وهذه الصفة تحرر الإنسان من عبودية المادة، وتجعله يعيش حالة من الاستقرار النفسي.

سادسًا: العدل حتى مع الأعداء

يقول الإمام (عليه السلام): "لا يظلم الأعداء". وهذه قمة في الأخلاق؛ لأن كثيرًا من الناس يبرر الظلم إذا كان موجّهًا ضد خصومه. لكن المؤمن الحقيقي يلتزم بالعدل حتى مع من يعاديه.

وهذا يعكس أن الأخلاق في الإسلام ليست انتقائية، بل هي مبادئ ثابتة لا تتغير بتغير الأشخاص.

سابعًا: الاعتدال في العلاقة مع الأصدقاء

قوله (عليه السلام): "ولا يتحامل للأصدقاء" يعني أن المؤمن لا يُحمّل نفسه أو غيره فوق طاقتهم من أجل الأصدقاء، ولا يجاملهم على حساب الحق. فهو متوازن، لا إفراط ولا تفريط.

وهذا يرسّخ مبدأ أن العلاقات الاجتماعية يجب أن تكون قائمة على الحق، لا على العاطفة المنفلتة.

ثامنًا: التضحية وخدمة الآخرين

يقول الإمام (عليه السلام): "بدنه منه في تعب والناس منه في راحة". وهذه من أسمى صفات المؤمن، حيث يجعل نفسه في خدمة الآخرين، فيتعب ليُريح غيره.

وهذه الصفة تُجسّد روح الإيثار، وهي من أعظم القيم التي دعا إليها الإسلام.

تاسعًا: المنظومة القيادية للصفات الداخلية

ينتقل الإمام (عليه السلام) بعد ذلك إلى بيان منظومة داخلية تُدير شخصية المؤمن:

"العلم خليل المؤمن": أي أن العلم هو الصديق الدائم الذي يلازمه. فالمؤمن لا يعيش في جهل، بل يسعى دائمًا إلى المعرفة.

"الحلم وزيره": الحلم (أي ضبط النفس) هو المستشار الذي يوجّه سلوك الإنسان، فيمنعه من التسرع والانفعال.

"الصبر أمير جنوده": الصبر هو القائد الذي يضبط بقية الصفات، وبدونه تنهار المنظومة.

"الرفق أخوه": الرفق في التعامل مع الآخرين يعكس رحمة المؤمن وإنسانيته.

"اللين والده": اللين هو الأصل الذي تنبثق منه هذه الأخلاق، فهو الأساس في التعامل الإنساني.

عاشرًا: البعد التكاملي في الحديث

من خلال هذا الحديث، نلاحظ أن الإمام (عليه السلام) لا يطرح صفات متفرقة، بل يقدم نظامًا متكاملاً:

بعد نفسي: الوقار، الصبر، القناعة.

بعد أخلاقي: العدل، عدم الظلم، الرفق.

بعد اجتماعي: خدمة الآخرين، الاعتدال في العلاقات.

بعد معرفي: العلم.

وهذا التكامل هو ما يجعل الشخصية المؤمنة شخصية متوازنة قادرة على التعامل مع مختلف ظروف الحياة.

الحادي عشر: تطبيقات معاصرة

في واقعنا المعاصر، حيث تكثر الضغوط النفسية والاجتماعية، يصبح هذا الحديث أكثر أهمية. فالمؤمن اليوم بحاجة إلى:

·       الوقار أمام الأزمات الاقتصادية والسياسية.

·      الصبر أمام الابتلاءات الصحية أو الاجتماعية المتنوعة التي تؤثر على سلوك الفرد والمجتمع

·      القناعة في زمن الاستهلاك المفرط.

·      العدل في زمن الاستقطاب والصراعات.

·      خدمة الآخرين في مجتمع يميل إلى الفردية.

 

 

الخاتمة

إن هذا الحديث الشريف يمثل مدرسة تربوية متكاملة، تضع أمام الإنسان المؤمن خارطة طريق لبناء ذاته. وهو دعوة إلى إعادة النظر في مفهوم الإيمان، بحيث لا يقتصر على الشعائر، بل يمتد ليشمل كل جوانب الحياة.

فالمؤمن، كما يصوره الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، هو إنسان متوازن، عادل، صبور، عالم، رحيم، يعيش لنفسه ولغيره، ويجعل من حياته تجسيدًا عمليًا للقيم الإلهية.

وهكذا، فإن الالتزام بهذه الخصال الثمان، وتلك المنظومة القيمية، كفيل بأن يصنع إنسانًا راقيًا، ومجتمعًا فاضلًا، وحياةً يسودها العدل والرحمة والاستقرار.

الهامش:

[1] ـ الكافي الشريف, ج2, ص230.

: الشيخ ميثم الصريفي