خطر الإعلام في خلق الأزمات الافتراضية

    في زمن تتدفق فيه البيانات كالسيل، وتتلاطم فيه الأخبار كأمواج بحر هائج، لم يعد الإعلام مجرد ناقل للحدث، بل أصبح صانعاً للحدث أحياناً، ومُضخِّماً للأزمة في أحيان كثيرة، والذي يثير القلق هو تحول وسائل الإعلام إلى أداة لصنع أزمات لا وجود لها في الواقع، ثم تضخيمها حتى تبلغ مبلغ الكوارث الحقيقية. هذه الظاهرة التي اصطلح على تسميتها بـ “الأزمات الافتراضية" حيث لم تعد مجرد إشاعات عابرة، بل تحولت إلى استراتيجية منهجية تستهدف استقرار المجتمعات وتهدد تماسكها. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى قراءة نقدية واعية لهذا الخطر المتصاعد، مستنيرة بمنابع الحكمة الثلاثة: الوحي القرآني، والسنة النبوية الشريفة، وتراث أئمة أهل البيت عليهم السلام، إلى جانب شواهد من الشعر العربي الأصيل التي تصدح بحقائق لا تزول بذهاب الأزمنة.

مفهوم الأزمة الافتراضية

الأزمة الافتراضية هي تلك الحالة من التوتّر الجماعي التي ينشئها الإعلام عبر تضخيم أحداث بسيطة، أو ابتكار وقائع مغلوطة، أو إعادة تأطير موضوع عادي ليتحول إلى قضية كبرى. يختلف هذا النوع من الأزمات عن الأزمات الحقيقية في أنه لا ينبع من خلل موضوعي، بل من تشويه متعمَّد للمنظور. ووسائل الإعلام الحديثة، خاصة منصات التواصل الاجتماعي، باتت تمتلك القدرة على تحويل شائعة عابرة إلى عاصفة إعلامية في دقائق، بفضل خوارزميات الانتشار السريع التي تفضل الصادم على الصادق.

شواهد من القرآن الكريم

لقد سبق القرآن الكريم إلى التحذير من آفة نقل الأخبار دون تمحيص، وتلك هي القاعدة الأولى في مواجهة خلق الأزمات الافتراضية:

الآية الأولى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (سورة الحجرات، الآية 6).

فالأزمة الافتراضية تنشأ غالباً من نبأ يحمله (فاسق) أي من لا يتورع عن الكذب فيُسارع الناس إلى تصديقه ونشره قبل التبيُّن، فتكون العاقبة الندم. فالآية تؤسس لمبدأ حاسم في الإعلام الوقائي: التثبت قبل النشر. فكلمة "فاسق" تشير إلى أي مصدر غير موثوق، سواء كان فرداً أو قناة إعلامية أو منصة تفتقر إلى المهنية. والأزمة الافتراضية غالباً ما تبدأ بنبأ من "فاسق" في الدقة والأمانة، ثم يُسارع الناس إلى نشره دون "تبيين"، فتصيبهم "جهالة" تجعلهم يندمون. ولو طُبقت هذه الآية في كل غرفة أخبار، لانخفضت الأزمات المصطنعة بنسبة هائلة.

الآية الثانية:

(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)

(سورة النور، الآية 19)

لقد حرم الله عَزَّ وجَلَّ فعل الفاحشة وإلى جانب ذلك حرم أيضاً إشاعة الفاحشة، والمقصود بإشاعة الفاحشة هو إذاعة ونشر أخبار الفاحشة والتحدث عنها لما فيها من المفاسد الفردية والاجتماعية، فتوعَّد الذين يقومون بنشر الفاحشة بالعذاب الاليم في الدنيا والآخرة.

رَوى الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله قال: (مَنْ‏ أَذَاعَ‏ الْفَاحِشَةَ كَانَ كَمُبْتَدِئِهَا، ومَنْ عَيَّرَ مُؤْمِناً بِشَيْ‏ءٍ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَرْكَبَهُ). (وسائل الشيعة /الحُر العاملي/12ج /ص 294).

فإشاعة الفاحشة صفة ذميمة، ومن أحبها استحق العذاب، وهذا ينطبق تماماً على وسائل الإعلام التي تبث الفضائح والأخبار المدمّرة من أجل جذب المشاهدات.

هدي النبي المصطفى صلى الله عليه واله واهل بيته عليهم السلام في مواجهة الإشاعات

جاءت أحاديث النبي واهل بيته صلوات الله عليهم لتطبق هذه المبادئ القرآنية بشكل عملي، وتقدم نماذج سلوكية للمسلم في زمن الفتن الإعلامية:

·      عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وآله في وصيته له قال: (يا أبا ذر كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع، يا أبا ذر إنه ما من شي أحق بطول السجن من اللسان، يا أبا ذر إن لله عند لسان كل قائل، فليتق الله امرأ وليعلم ما يقول). (الوسائل/ الحر العاملي/ ج/8 ص531).

وهذا الحديث صارم جداً في قضية نقل الأخبار. فمن يسمع خبراً ويعيد نشره دون تمحيص، فهو كاذب في نظر الشرع، ولو كان الخبر نفسه قد يكون صحيحاً في الواقع.

·       عن قيس أبي إسماعيل رفعه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله أوصني، فقال احفظ لسانك، قال يا رسول الله صلى الله عليه وآله أوصني. قال: احفظ لسانك، قال: يا رسول الله أوصني، قال: احفظ لسانك، ويحك وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم). (الوسائل الحر العاملي/ ج/8 ص534).

·      قال امير المؤمنين عليه السلام: (لِسَانُ الْعَاقِلِ وَرَاءَ قَلْبِهِ، وَقَلْبُ الْأَحْمَقِ وَرَاءَ لِسَانِهِ).(نهج البلاغة، الحكمة رقم 39 – ص 482).

العاقل يتثبت ويفكر ثم يتكلم، والأحمق يتكلم ثم يفكر (أو لا يفكر). الأزمة الافتراضية هي وسيلة الحمق الأحمق الذي يسبق لسانه قلبه.

شواهد شعرية من تراثنا العربي

الإمام الشافعي (في شعره المشهور):

يقول:

 إِذَا شِئْتَ أَنْ تَحْيَا سَلِيماً مِنَ الْأَذَى

                            وَدِينُكَ مَوْفُورٌ وَعِرْضُكَ سَالِمُ

فَلَا يَنْطِقَنَّ فِيكَ اللِّسَانُ بِسَوْأَةٍ

                           فَكُلُّكَ مِنْ تِلْكَ السَّوْأَةِ مُتَّهَمُ

(المصدر: ديوان الإمام الشافعي، تحقيق الدكتور عاكف نصر، دار الكتب العلمية، ص 67).

 

ابن الرومي (علي بن العباس):

يقول في قصيدة له:

 

يَا مَنْ يُشِيعُ الْحَدِيثَ بِغَيْرِ عِلْمٍ**

                        أَتَظُنُّهُ يَخْفَى عَلَى الْأَيَّامِ؟

كَمْ أَزْمَةٍ خُلِقَتْ مِنَ الْإِشَاعَةِ**

                وَالْفِتْنَةِ الْكُبْرَى بِغَيْرِ سِهَامِ

 

(المصدر: ديوان ابن الرومي، تحقيق حسين نصار، ج3، ص 211).

 

كيف خلق الإعلام "هول القوة الوهمية" لداعش؟

في صيف 2014، بعد السيطرة على الموصل، أطلق تنظيم داعش حملة إعلامية منظمة لم تكن مجرد تهديد، بل هندسة نفسية متقنة:

1. مقاطع "الأسود": بثوا فيديوهات بجودة احترافية لعناصر مقنعين بزي أسود، وهم يطلقون النار من سيارات همر، ويذبحون أسرى على الكاميرا. الموسيقى التصويرية والمؤثرات جعلت مجموعة صغيرة تبدو كـ "جيش لا يقهر".

2. تضخيم الانتصارات: كل هجوم صغير كان يُصوَّر وكأنه "فتح مدينتين". استخدموا عبارات مثل "الجيش الخليفة" و"الدولة الباقية" لخلق وهم القوة المطلقة.

3. الحرب النفسية: نشروا صورًا لجنود نظاميين يخلعون زيهم العسكري هربًا، وعناوين مثل: "جيش أمريكا ينهار أمام مجاهدي داعش". هذا زرع الرعب في قلوب المدنيين قبل الجنود.

4. إلغاء الخصم: وصفوا أي مقاومة بأنها "ميليشيات عاجزة"، وتجاهلوا تمامًا ذكر الحشد الشعبي في البداية، كأنهم لا وجود لهم، لخلق شعور بأن لا أحد يقف في وجههم.

 

النتيجة الأولى: هول وهمي

 

· سقطت مدن بأكملها ليس لأن داعش كان يملك جيوشًا، بل لأن الخوف الذي نشره عبر إعلامه جعل الناس تظن أن المواجهة مستحيلة.

· كثير من الجنود والشرطة فروا بعد مشاهدة تلك الفيديوهات، معتقدين أنهم يواجهون "قوة خارقة".

انكشاف الوهم وتصدي أبناء العراق

هنا جاء دور القوات الأمنية والحشد الشعبي ليكشفوا الحقيقة:

1. المواجهة الميدانية: عندما التقى الحشد مع داعش في معارك مثل تحرير تكريت والرمادي والفلوجة، تبين أن "أسود الخلافة" هم بشر عاديون، يخافون من القناصة، ويفرون أمام الهجوم البري المنظم.

2. إعلام مضاد واقعي: بدأ الإعلام الرسمي وقنوات الحشد بنشر مشاهد حقيقية لداعش وهو ينهار: عناصر يخلعون ملابسهم السوداء ويهربون متنكرين بملابس نساء، مقاتلون يبكون بعد أسرهم، أوكار مليئة بالجثث.

3. كشف الخدعة: تبين أن فيديوهاتهم الترويجية كانت تمثل نفس الـ 20-30 عنصرًا يعاد تصويرهم في عدة مواقع. سيارات الهمر كانت مسروقة وليس لديهم طيران أو مدفعية ثقيلة.

4. التحرير الفعلي: في كل مدينة محررة، كان المشهد معاكسًا تمامًا لدعايتهم. الناس يهللون للقوات الأمنية والحشد، ويُكشف أن "دولة الخلافة" لم تكن سوى عصابات إجرامية ترتدي عباءة دينية.

الدرس المستفاد من النموذج

· القوة الإعلامية لتنظيم داعش كانت مثل "فقاعة الصابون" – كبيرة وملونة لكنها فارغة.

· التصدي الحقيقي جاء من أبناء الشعب أنفسهم (قوات أمنية، حشد شعبي) الذين لم يخافوا من الوهم، بل واجهوه بالواقع.

· الإعلام يمكن أن يخلق أزمات من لا شيء، لكن المواجهة الميدانية فقط هي التي تكشف الحقيقة وتعيد الأمور إلى نصابها.

هذا نموذج حي على كيف أن "هول القوة الوهمية" ينهار بمجرد أن يقرر الناس مواجهته بإرادة حقيقية، وهو ما جسده أبناء القوات الأمنية والحشد الشعبي بكل فخر.

الخاتمة: نحو وعي إعلامي جديد

في نهاية هذا المطاف، نعود إلى السؤال الجوهري: هل نحن سادة الإعلام أم عبيده؟ هل نستخدم الشاشة لنضيء بها دروب الفهم، أم نتركها تستخدمنا لتظلم قلوبنا وتفرق جماعتنا؟ إن الأزمة الافتراضية ليست مجرد خطأ تقني أو تجاوز مهني عابر، بل هي انعكاس لأزمة أخلاقية عميقة: أزمة الصبر على التثبت، أزمة عدم الخوف من ترويج الباطل، أزمة تقديم الإثارة على الحقيقة. فلنعمل جميعاً على أن نكون من هؤلاء الذين يكظمون الغيظ ويحبسون اللسان ويردون الأمر إلى أهله، حتى نُخرج من فضاءاتنا الرقمية مجتمعاً يسوده الأمن والطمأنينة، لا الخوف والذعر المصطنع. عندها فقط سنكون قد حولنا الإعلام من سلاح فتاك إلى جسر للحقيقة، ومن أداة أزمة إلى وسيلة سلام.

: الشيخ علاء محسن السعيدي