تعتبر ثقافة الجندر من أهم مصادر القوة الناعمة قديما وحديثاً، وفكرة الجندر لم تكن وليدة هذا العصر وإنما عمل عليها الغرب العلماني منذ عقد من الزمن حيث ظهر هذا المصطلح في ثمانينات القرن العشرين كمصطلح بارز استخدم في قاموس الحركات النسوية وأول ظهوره كان في امريكا الشمالية ومن ثم أوربا الغربية عام 1988 وقيل أنه ظهر في سبعينيات القرن الماضي وظهر هذا المصطلح مائتين وثلاث وثلاثين مرة في وثيقة مؤتمر بكين للمرأة في عام 1995 م[1] .
ماهي حقيقة مصطلح الجندر
عرف الجندر بتعريفات متعددة وذكرت له مفاهيم كثيرة منها حقيقية ومنها تبريرية لم تحدد المعنى الدقي لمصطلح الجندر والـ (جندر (Gender) كلمة إنجليزية تنحدر من أصل لاتيني، وتعني في الإطار اللغوي (جنس Genus).
والجندر والنوع الاجتماعي إسمان لأمر واحد يقصد منهما العلاقة بين الذكر والأنثى في المجتمع، والتي تحددها وتحكمها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وأن هذا العلاقة تؤثر في مكانة المرأة والرجل في المجتمع.
ويرى الجندريون أن العوامل البيولوجية والفسيولوجية بين الذكر والأنثى ليس لها أي علاقة في تحديد وظيفة كل واحد هذين الجنسين في المجتمع، فأنه وان كان هناك فوارق جسدية أنتجتها العوامل البيولوجية إلا أن هه الفوارق لا تحدد الوظيفة الاجتماعية لكل منهما، هي مرحلة ما بعد الفوارق البيولوجية، وهذا يفرضه الواقع الاجتماعي أو النفسي أو الثقافي أو السياسي بالنسبة للفرد.
لذلك تعرف الموسوعة البريطانية الهوية الجندرية: بأنها شعور الإنسان بنفسه كذكر أو أنثى وتقول إن الهوية الجندرية ليست ثابتة بالولادة، بل الولادة خاصة بإعطاء صفة للإنسان من ناحية بيولوجية أي تقول إن هناك فوراق بدينة بين ما يسمى بالذكر والأنثى.
أما ما بعد الولادة فأن الهوية الجندرية يختارها الإنسان بنفسه وذلك بحكم العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادي، فلا شيء ثابت لدى الجندريين، فقد هناك عوامل في نفس الذكر تؤهله أن يكون أنثى، أو هناك عوامل اجتماعية أو ثقافية تستدعي أن تكون الأنثى ذكر والذكر أثنى أو التحرر من هاتين الصفتين وإيجاد نوع ثالث تحت عنوان المخنث أو المثلي وما شاكل ذلك.
بل أن الجندري له الحق أن يمارس دور أي صنف من هذه الأصناف من دون أن يغير أي شيء في جسده، ومن دون أي عملية جراحية أو أدوية أي يمكن أن يتدلل كالأنثى ويضع المكياج ويرتدي الملابس الأنثوية، وكذلك الانثى يمكن له أن تمارس دورها الذكوري بحكم العوامل التي تواجهها وتعامل مع المجتمع كذكر وإن كانت ضمن العامل البيولوجية أنثى.
ففي التحول الجندري يحافظ كل من الذكر والانثى على الهيئة البيولوجية، ولا يقومان باي عملية تغيير غير أنه يمكن لكل منهما أن يمارس الدور المعاكس فالأنثى تمارس دور الذكر في المجتمع ولها حق الزواج والذكر له بان يمارس دور الانثى وله جميع الخصوصيات.
فعقيدة الجندر هي نوع من أنواع الحرية النفسية والاجتماعية والثقافية التي تعطي للإنسان حق الاختيار لتصنيف نوعه وفق ما يناسب ثقافته وعلاقته الاجتماعية ،و مراعاة للعوامل النفسية لذلك يقول الجندريون ان العوامل البايولوجية تنتج الذكر والأنثى، أما عقيدة الجندر فهي تحدد الذكورة والأنوثة لا على اساس بايولوجي وبناءً على هذه العقيدة فلو شعر الإنسان بالذكورة ، وأنه واقعا أنثى فأنه يستطيع أن يتزوج أنثى وبالعكس، وبهذا سيكون لدينا أربعة أنواع من البشر ذكر ، وانثى ، وشخص ذكر واصله أنثى وشخص أنثى وأصله ذكر وكل واحد من هذه الأصناف له حقوقه الخاصة .
ومن هنا ستتنوع الأنواع وتستمر قائمة التنوع وتصل إلى حدود لا يمكن للإنسان العاقل أن يتصورها في الواقع، فلا تستغرب أن تنقلب المعايير حينها القيمية والقانونية، وعليه يكون الصنف البايولوجي الحقيقي الناجم من الخلقة الإلهية هو الصنف الشاذ وباقي الأصناف هي المرغوبة في المجتمعات كما هو ظاهر في الغرب.
ومما يلفت الانتباه أن هناك اليوم بالغرب وفق عقيدة الجندر نشأت تصانيف أكثر تعقيداً مما ذكرنها وهي مثيرة حقيقة للعقل والفطرة، كالكلاب البشرية، أو الخيول البشرية، أو القطة البشرية هؤلاء لهم إعلامهم والعابهم وملابسهم وطعامهم وحتى بيت خلائهم.
ومن هنا لك أن تتصور إلى أين يريد ان يصل العدو بالنفس البشرية وصل إلى قلب المعايير وصل إلى قلب الخلقة، وصل إلى مرحلة أن يفقد الإنسان هويته الحقيقة، وطبيعته الفطرية التي فطر الله تعالى الناس عليها.
ماهي أهم أفكار وركائز عقيدة الجندر
تقوم العقيدة الجندرية على أسس عدة أهمها:
الأول: النوع الاجتماعي:
أي عدم النظر إلى الرجل والمرأة من الناحية البيولوجية التي خلق اللذة تعالى النوعين عليها (الذكر والأنثى)، وهذه الفكرة قائمة على أن الفروق التي نراها بين الرجل والمرأة فروق مصطنعة صنعها الدين والثقافة والمجتمع، فأن الله خلق الإنسان بطريقتين ولم يلاحظ هذه الفروق فهي من صنع البشر لأنها خطا بحسب الرؤية الجندرية.
ولكن هذا ضرب للفطرة ولإسلام وللقران الكريم وللمشروع الإلهي في الأرض فأن الفطرة تدعوا إلى ان هناك فوراق حقيقية بين الرجل والمرأة وأن القران الكريم أوضح الفوارق قال تعالى: (ليس الذكر كالأنثى)[2]، فبين القرآن الكريم أن هناك فوارق لكن هذه الفوارق لأجل كمال الرجل وكمال المرأة فان المرأة اليوم لها طبيعتها الخاصة لا يمكن أن تكون كالرجل في المجتمع من جميع النواحي قال تعالى:(نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُون )[3]، فهذه الآية الكريمة توضح أن العلاقة بين الذكر والأنثى علاقة تكاملية يخدم بعضهم البعض وكل بحاجة إلى الآخر .
الثاني: الوظيفة الاجتماعية:
ان من وجهة نظر الجندري أنه يجب إلغاء ما يسمى بقوامية الرجل على المرأة أو وصاية الرجل على المرأة ، وأن تلك الهيمنة الذكورية يجب إلغائها ، مع أن الإسلام لم يطرح الرجل بأسلوب الهيمنة ، وإنما قال تعالى : (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ)[4] ، فرؤية الإسلام أن إدارة الشؤون الأسرية بيد الرجل فهو الذي تجب عليه النفقة لا المرأة، فالقوامية تعطي حيثية الإدارة وتحمل المسؤولية بيد الرجل ولا تعطي حق الهيمنة والتجبر والتسلط المزعوم .
فقيمومة الرجل تعني مسؤوليته اتجاه تحقيق مصالح المرأة وهو مسؤول عنها وعن إدارة شؤونها وعدم تحميلها فوق طاقتها ، فليس من واجبات المرأة أن تكد ليل ونهار وتعمل وتبذل جهداً وإن كان هذا الأمر مباحاً إلا أن الإسلام لا يريد أن يوجب ذلك على المرأة ويكلفها فوق طاقتها، بينما أوجب الإنفاق على الرجل وتحمل المسؤولية، وهذا هو احد أدوار القوامية، فقوامية الرجل ليس الهيمنة وانما عملية تكاملية من لصالح المرأة لا غير بينما في عقيدة الجندري يريد أن تكون المرأة عاملة ليلا ونهاراً أنظروا إلى كل امرأة بالغرب فأنها كالسلعة أن لم تعمل لا تعيش، وليس لها ي قيمة ، فلذلك تجدهم منهمكون بالعمل من دون أن ينظر الذكر والأنثى إلى الجوانب التكاملية للسعادة .
الثالث: ملكية المرأة لبدنها:
يدعو الجندرية إلى هذه الفكرة أن المرأة مالكة لبدنها فليس من حق أحد أن يفرض عليها أو يقيدها بالتصرف ببدنها فلها أن تخرج عارية ، ولها أن تمارس اي فعل شنيع فهي المالكة لبدنها، وهذه الحقيقة مخالفة للفطرة وللعقل وللشرع أيضا، لأنها تؤدي إلى مفاسد كبيرة في المجتمع وتمثل خطراً يهدد المرأة في المجتمعات ويجعلها سلعة بيد الآخرين كما نراه اليوم في المجتمعات الغربية ،حيث أن ظاهرت التعري والانحلال والإباحة المطلقة خلفت أمهات بلا زواج وأغلبهن بأعمار المراهقة ، وخلفت أطفال بلا أمهات ، وتصور حجم المفاسد التي تقع من وراء ذلك لذلك جاء الإسلام واعتبر المرأة كالجوهرة الثمينة التي لها مكانها المصون والمحفوظ ، وحذر من عدم التعدي على شخصيتها بمستوى أنه منع من النظر إليها بطريقة تهدد أنوثتها وكيانها ، فأيهما تراه موافقاً للعقل الانحلال والتعري الي يهدد كيان المرأة ، أنم العفة التي تضفي للمرأة الأمان النفسي والبدني لها ؟.
من هنا حث الإسلام على أهمية العفة وعدم التبرج والتعري من قبل المرأة: قال تعالى :( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)[5] وقد أوضح الإسلام جميع ما يحق للمرأة إبدائه أمام الناظرين وأضح المحارم عن غيرهم قال تعالى : ( وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا على عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [6].
الرابع: خرافة الأمومة:
تأخذ مسالة الأمومة حيزاً كبيرا عند الجندريين وهذا ما صرحت به عالمة الاجتماع ( أوكلي) فهي تقول أن الأمومة خرافة ، ولا يوجد هناك غريزة للأمومة ، وانما ثقافة المجتمع والبيئة هي التي تصنع هذه الغريزة ، والأمومة عند الجندري وظيفة اجتماعية تنتهي بالإنجاب ، لان الجندري يقول أن الأمومة بشكلها المستمر والدائم وأن المرأة الأم تبقى بدور الأمومة طيلة حياتها هذا ظلم للمرأة ، لأنه بالنتيجة لا يمكن لها ان تمارس دورها الجندري كالذكر ، فلو بعد مدة من إنجابها أرادت بعوامل نفسية أو ثقافية أن تكون ذكر كيف ستمارس دورها الجندري ؟
وعليه فالمرأة لا يشترط أن تكون أماً، وهذا الشيء مخالف تماما للفطرة والعقل والدين، فالأمومة ليست عيب بل هي أساس الحياة، واساس العطاء واساس التكامل البشري. لذلك الإسلام قال عن النبي’: أمك ثم أمك ثم أمك ثم اباك، فهؤلاء أعمدة البناء الاجتماعي بين كل بني البشر.
فالجندريون يعملون على أنهاء الفطرة الإنسانية وقتلها من نفوس البشرية، وإلا فأن الأمومة ليس أمراً وضعياً، إنما شعور فطري يوجد في كل امراة، وكل أنثى أودعت من قبل الخالق، فالجندري قتل الفطرة وقتل الضمير الإنساني تماماً، وإلا أن مسألة الأمومة توجد حتى لدى الحيوانات، فأنثى الحيوان نجدها لا تنفصل عن مولودها وإنما تبقى تراعيه وتدافع عنه، وتطعمه، وتقيه من الأشرار وما إلى ذلك، فالجندري اخس وأضل من الحيوان لأنه عمل على إلغاء فطرته.
وقد بين القرآن الكريم هذا الدور الفطري لدى الأم وانه لا يمكن الفصل بينهما فقال تعالى في قصة موسى × بعدما رمته أمه في اليم وظل قلبها متعلق به ومتشوق له ولا يتحمل ذلك الفراق قال تعالى:(وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين)[7]، فهذه الآية الكريمة واضحة وجلية ان العلاقة بين الأم وولدها علاقة الفطرة وليس وليدة البيئية كما يدعي أعوان الشيطان من الجندريين ، حيث بين الله تعالى كيف ان قلب الام يخفق على ولدها من كل سوء قد يلقاه.
ومن هنا اعطى الله تعالى كرامة للأم ولموقفها وادوارها وأمر الولد برد الجميل لها حيث قال عز وجل: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا)[8]، فأي تكريم عظم يعطى للأم في المجتمع أعظم من هذا الاحترام والتبجيل الذي أمر به الإسلام.
الخامس: الصحة الإنجابية:
يقول الجندريون ان الحمل يمنع المرأة من ممارسة الجندرة وحقوقها الاجتماعية والنفسية فالمرأة ضمن ثقافتها أو ضمن عامل نفسي تكون ذكرا كيف لها أن تمارس حياتها الجندرية، فالمرأة بدل من أن تمارس الحمل والأنجاب ينبغي عليها ممارسة وظيفتها النفسية والاجتماعي ن هذا ما يدعيه الجندري.
وهذه الرؤية خطيرة جداً لأنها تدعوا إلى انهيار جسد المجتمع، وعدم حفظ النسل البشري، فالإنجاب بالزواج من أهم مقاصد الشريعة لأنه الطريق الوحيد لحفظ النسل البشري قال: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ)[9]، فقد حث الإسلام على الزواج والإنجاب ونعمة الأولاد والذرية وذلك لحفظ النسل والسير وفق الفطرة البشرية.
السادس حقوق الشواذ:
ومن أهم مرتكزات النظرية الجندرية إباحة الشذوذ والانحراف الجنسي والدعوة إلى الزنا، وعدم نفوره أو الاستياء منه، ولا مانع من الحديث عنه جهراً عند الجندريين بل اصبحت في بعض البلدان مدعاة للتفاخر ومحل اهتمام من بعض الدول والحكومات وقد أعدت لجنة المرأة في الأمم المتحدة عام ٢٠٠٤، تقريرا ينص على اعتراف رسمي حول الشذوذ وحماية لحقوقهم، بل قد اصبحت في واقعنا مطلباً عالميا، لا يلتزم بحدود دولة معينة ، ولم يكتف الغرب بتبني فكرة الشذوذ وإنما عمدوا إلى تصديرها عبر قوتهم الناعمة إلى مجتمعاتنا، وهذه الفكرة خطيرة وتدم أسس البناء الاجتماعي ومخالفة للقوانين الإلهية قال اللّه تعالى:( وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا)[10] ، فأنها ممارسة تقتل الغيرة، والرجولة والنخوة والمرؤة ، ولا يخوض فيها إلا أراذل الناس وشواذهم، ولا تجلب إلا العار والهوان ، والحرج على أطرافها ، وانها محل للعقاب الإلهي.
السابع: شكل الأسرة:
وهذا من أهم ما يترتب على عقيدة الجندر، فعلى وفق مفهوم الجندر وكتاب الاسرة وتحديات المستقبل من مطبوعات الامم المتحدة فقد صنفوا الاسرة الى 12 نمط، ومنها أسر الجنس الواحد الشواذ ومنها: نظام المساكنة، اي أن يعيش الرجل والمرأة في مكان واحد بلا زواج، والنساء اللواتي ينجبن من الزنا والسفاح ويحتفظن بهم وينفقن عليهم وبهذا الأسرة التي يدعو إليها الله تعالى صارت غريبة في المجتمعات الجندرية.
فلذلك ظهرت أشكال كثيرة في المجمعات الغربية وعلاقات متنوعة بين الذكور والإناث لا تقوم على أساس النظام الأسري الذي يتقوم بالزواج والأسرة والأولاد والحقوق والواجبات فعن النبي صلى الله عليه واله قال: ( ما بني بناء في الإسلام أحب إلى الله تعالى من التزويج)[11]، وعنه’ :(ما يمنع المؤمن أن يتخذ أهلاً لعل الله يرزقه نسمة تثقل الأرض بلا إله إلا اللًّه)[12]، فأن الإسلام لا يحث على العلاقات الغير مشروعة والتي توجب المفسدة وإنما يحث على الزواج والذرية الصالحة التي تساهم في بث معالم التوحيد الإلهي في الأرض وهذا كله بخلاف ما يروج لها أعوان الشيطان من الجندريين .
أساليب وطرق المواجهة لثقافة الجندر
من المهم جدا ان يعرف الفرد والمجتمع الأساليب والطرق التي من خلالها يتم مواجهة هذه الثقافة الدخيلة على مجتمعاتنا الإسلامية فقد ذكرت لذلك طرق عدة اهما :
أولاً: المواجهة الفكرية والعلمية
إن المواجهة الفكرية تمثل خط الدفاع الأول، لأن ثقافة الجندر لم تنتشر بالقوة الصلبة بل عبر التأصيل النظري وإعادة تعريف المفاهيم، ومن هنا تبرز ضرورة إنتاج بحوث علمية رصينة تكشف التناقضات الداخلية لهذا الطرح، كالتناقض بين ادعاء الحرية المطلقة وبين فرض نماذج ثقافية محددة على المجتمعات، كما ينبغي التفريق بين الفطرة بوصفها معطىً تكوينياً ثابتاً، وبين النوع الاجتماعي كمنتج ثقافي متغير، حيث يقول تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [13]، وهو نص يؤكد ثبات الأصل الإنساني وعدم قابليته للتبديل وفق الأهواء الثقافية.
وتتجلى المواجهة أيضاً في تفكيك المصطلحات، مثل (الهوية الجندرية) و“السيولة الجندرية”، عبر تحليلها فلسفياً وإبراز جذورها في الفلسفات ما بعد الحداثة التي تنكر الثوابت.
كما أن الخطاب الأكاديمي يجب أن ينتقل من مرحلة الرد إلى مرحلة إنتاج النظرية البديلة، عبر بناء رؤية معرفية متكاملة تنطلق من الوحي والعقل، لا من ردود الفعل المؤقتة.
ثانياً: بناء الوعي المجتمعي
لا يمكن لأي مشروع فكري أن ينجح دون حاضنة اجتماعية واعية، لذلك فإن بناء الوعي يمثل المعركة الحقيقية. فالجمهور إذا لم يمتلك أدوات الفهم، سيتحول إلى متلقٍ سلبي لأي خطاب إعلامي.
إن نشر ثقافة الفطرة السليمة يبدأ من تبسيط المفاهيم، وربطها بحياة الناس اليومية، وتوضيح أن الاختلاف بين الرجل والمرأة ليس صراعاً بل تكامل، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى﴾ [14]، وهو بيان قرآني يؤسس لفكرة التمايز الوظيفي لا التنافي القيمي ، كما أن إقامة الندوات والمحاضرات لا ينبغي أن تكون تقليدية، بل تفاعلية، تستهدف الشباب بلغة معاصرة، وتناقش الإشكالات الحقيقية التي يتعرضون لها ، وبطرق ووسائل حديثة وبلغة إعلامية مؤثرة وبإنتاج فني فاعل في المجتمع وهنا يبرز دور المؤسسات الدينية والثقافية فينبغي عليها تطوير نشاطاتها بما يلائم الواقع المعاصر والتطور التكنلوجي فنحن اليوم ليس في عصر الجرائد وانما في عصر انتقال المعلومة بضغطة زر واحدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتصل الى جميع العالم بمختلف اديانهم وطوائفهم ومستوياتهم .
فيجب توجيه الخطاب الإعلامي بصورة صحيحة رصينة دقيقة مؤثرة ومنتجة مواكبة لعصر التطور الرقمي والحرب الناعمة التي يشنها العدو على الإسلام فلابد من وجود خطاب بهذا المستوى من التأثير ليكون خطاباً وقائياً لا دفاعياً فقط، بحيث يبني مناعة فكرية لدى المجتمع قبل وصول الشبهات إليه، ويصدر الفكر الإسلامي الصحيح الى جميع الاطياف ويخلق تحصينا ذاتيا واجتماعيا من الأفكار الدخيلة فبدل من ان نكون شعب مستورد للثقافات علينا ان نكون امة مصدرة للقيم والمبادئ والعقائد والمشاريع الإلهية التي جاء وطبقها الأنبياء والاوصياء والعلماء العالمين على طوال الخط والمسيرة .
فالوعي المجتمعي لا يبنى بالتنظير وانما بالفعل والعمل وصناعة جيل فاعل مؤثر منتج مبدع يعمل بعقيدة راسخة في الإسلام المحمدي الأصيل وبآليات متطورة قادرة على الابداع والتأثير.
وهذا ما نفتقر اليه في الواقع فهناك ضعف واضح في التفكير والتخطيط على وفق هذا المستوى من الإنتاج المواكب للمرحلة التي نعيشها نحن كتجمع إسلامي مهدد من قبل أعوان الشيطان ومعسكر الغواية.
ثالثاً: تعزيز المؤسسة الأسرية
الأسرة هي الحصن الأول للهوية، وإذا سقطت الأسرة سقطت كل منظومات الحماية. ولذلك فإن استهداف الأسرة هو من أخطر أدوات القوة الناعمة إن دعم دور الأسرة لا يكون بالشعارات، بل عبر برامج عملية تعزز العلاقة بين الآباء والأبناء، وتعيد للأب والأم دورهما التربوي قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [15]،وهذا تكليف مباشر بحماية الأسرة فكرياً وسلوكياً من جميع الأفكار الدخيلة وهذا واجب الابوين من جهة وواجب المؤسسات التعليمية فهي أيضا التي تبني هذه الأجيال وتؤثر في الأبناء تأثيرا مباشرا فنحتاج في عملية التحصين من الأفكار الدخيلة الى ابوين صالحين ، والى مؤسسة تعليمية مؤمنة ومنتجة ومربية في حقيقة الامر والواقع ، وهذا أيضا مما نفتقر اليه في واقعنا المعاصر خصوصا بعد انتشار مظاهر الافساد ووسائل التواصل الاجتماعي فقد سلبت حُرمة الاسرة وموقعها الإسلامي ، واخترقت المؤسسات التعلمية وصارت مملوءة بالأفكار الدخيلة والمنحرفة واصبح هناك عائقا كبيرا في عملية التربية الصالحة في هذه المؤسسات والسبب في ذلك يرجع الى عدم وجود خطة لوضع مناهج تربوية تعليمية حقيقية مؤثرة تحافظ على مبادئ الأبناء واخلاقهم وتحصنهم من الانحرافات .
نعم قد يوجد ذلك لمكن بشكل ضئيل جدا لا يتناسب مع الواقع والهجمة التي يشنها الأعداء واعوان الشيطان.
ولذا فان الحفاظ على الاسرة من هذه الأفكار مهمة جماعية بين الابوين والمؤسسات التربوية والتعليمية والدولية التي ينبغي ان تساهم في توعية الأبناء وتربيتهم وتنبيههم بمخاطر هذه الثقافات.
رابعاً: المواجهة الإعلامية (القوة الناعمة المضادة)
ان ثقافة الجندر قد انتشرت عبر الإعلام والقوة الناعمة المؤثرة لدى العدو، ومواجهتها لا يمكن أن تتم إلا بأدوات إعلامية موازية، فالإعلام اليوم هو أخطر أدوات تشكيل الوعي ، وهذا أيضا امر مهم ينبغي الاهتمام به في واقعنا المعاصر فهناك فجوة في الاعلام المرئي والانتاجي ، فهناك عشرات البرامج المرئية التي يبثها العدو عن طريق وكلائه المحللين في بلداننا ولا يوجد اعلام موازي لهذه الحملات الإعلامية الناعمة التي يشنها العدو لتغيير ثقافة المجتمعات الإسلامية بل هناك من يعمل لصالح أعوان الشيطان من أبناء بلداننا ومن المحسوبين على الإسلام .
وهذا يحتم على المؤسسات ذات التأثير الاجتماعي ان تهتم بالإعلام اهتماما بالغا على مستوى عالي من التفكير فلابد من انتاج أفلام موازية ومسلسلات هادفة تحصن المجتمع الإسلامي من الأفكار الدخيلة فان العدو يعمل على الأطفال والصبيان والشباب وينتج مئات من البرامج والألعاب وافلام الكارتون ويبث عبرها الأفكار المنحرفة والفاسدة ، بينما لا يوجد اعلام موازي لهذه الهجمات فنحتاج الى إنتاج محتوى احترافي هادف يشمل الفيديوهات القصيرة، والأفلام الوثائقية، والمقالات الرقمية وافلام الكارتون والألعاب ، بحيث يقدم الفكرة بأسلوب جذاب ، ويساهم في عملية البناء والتحصين .
وان بناء منصات رقمية هادفة ليس امرا سهلا ويسيرا على العدو بل هو مواجهة ناعمة ضمن حرب واقعية نعيشها في عالمنا المعاصر وهذا الاعلام الموازي بمثابة الجهاد الذي يضمن الاستمرارية وعدم الارتهان للمنصات العالمية التي قد تفرض أجنداتها ومبادئها بطرقها الإعلامية الخاصة ، ويعد الفن والدراما من أقوى أدوات التأثير، حيث يمكن من خلال قصة أو مشهد أن تُرسَّخ قيم عميقة دون خطاب مباشر ، ومن هنا اكد النبي والائمة عليهم السلام على احياء امر اهل البيت والشعائر لان لها وجهة إعلامية مؤثرة في المجتمعات والاجيال عبر العصور فينبغي الاستفادة من هذه الطقوس وتعميقها وترسيخها في عقول ونفوس الأجيال عبر برامج هادفة متنوعة مضافا للطريقة المتعارفة التي يسير عليها مذهب اهل البيت عليهم السلام .
خامساً: التحصين التربوي
التحصين التربوي هو بناء الإنسان من الداخل، بحيث يصبح قادراً على التمييز بين الحق والباطل فالمعركة ليست في المعلومات فقط، بل في بناء الشخصية، وهذا يعتمد على ادخال القيم والمبادئ الإسلامية والإنسانية الرصينة في المناهج الدراسية فينبغي على مؤسسات التعلم ان تربط بين العلم والدين، وتقدم الإنسان بوصفه كياناً متكاملاً ، وليس من الصواب الاهتمام ببناء شخصيات علمية فاقدة للعقيدة والأخلاق والمبادئ والقيم والعادات الاصيلة النابعة من الوحي والفطرة والعقل قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وقد خاب من دساها﴾[16] وهو تأكيد على أن تزكية النفس هي أساس الفلاح ، في الدنيا وفي الاخرة ، وفي جميع مفاصل الحياة لان تزكية النفس تعني ابتعادها عن مخاطر الفساد الفردي والاجتماعي والذي به يكون المجتمع محصنا وسليما ومنتجا .
سادساً: المواجهة القانونية والمؤسساتية
المعركة لم تعد فكرية فقط، بل أصبحت قانونية حيث تسعى بعض الجهات إلى فرض مفاهيم الجندر ضمن التشريعات قانونية يراد سنها في ضمن القوانين الدولية وفي أجواء وبلدان المسلمين، ومن هنا يجب العمل على رفض أي تشريع يتعارض مع الهوية الدينية والاسلامية والثقافية عبر أدوات قانونية ومؤسساتية وينبغي على أصحاب الشأن والمسؤولين ان يضعوا ذلك من اولوياتهم وان يعلموا لأجل الإسلام لا من اجل مصالحهم الشخصية والحزبية والمذهبية فان دعم السياسات التي تحمي الأسرة والهوية يعد ضرورة استراتيجية، وليس مجرد موقف أخلاقي قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ولا تتبع اهوائهم﴾ [17]، وهو توجيه واضح بضرورة أن تكون التشريعات منسجمة مع القيم الإلهية.
كما ينبغي مراقبة المنظمات التي تروّج لهذه الأفكار، ليس بدافع الصراع، بل لحماية المجتمع من الاختراق الثقافي، فهناك الكثير من المنظمات المحلية التي تعمل لصالح أعداء الإسلام واعوان الشيطان وهؤلاء هم أخطر من أعداء الخارج فينبغي تنبيه المجتمع بدورهم، ومواجهتهم مواجهة فكرية وقانونية وايقافهم عن دعم هذه الأفكار الدخيلة على الإسلام.
الخاتمة
إن ثقافة الجندر ليست فكرة وانما مشروع معد من قبل أعوان الشيطان ودول الاستكبار العالمي ليكون قانونا جديدا يؤسس الى جنس ثالث في المجتمع فهو صراع على تعريف الإنسان ذاته، وعلى مرجعية القيم والمعايير ، ومشروع مخالف للفطرة ، والعقل والاديان السماوية ، ومن هنا فإن المواجهة، لهذا المشروع تتطلب مشروعاً متكاملاً يجمع بين الفكر والتربية والإعلام والقانون وإن الأمة التي تدرك طبيعة هذا التحدي، وتتحرك وفق رؤية واعية، قادرة لا على الدفاع فقط، بل على صناعة نموذج بديل يعيد للإنسان توازنه يعمل ضمن عقيدته ومبادئه وفطرته ، قائم على اساس الفطرة، والعقل والوحي .
الهوامش:----
[1] تحديدات جديدة لمفاهيم الذكورة والأنوثة، دار الحياة على موقع واي باك مشين.
[2] آل عمران 36
[3] الزخرف 32
[4] النساء34
[5] سورة الأحزاب الآية 33.
[6] سورة النور 31
[7] الاعراف 177
[8] الإسراء 23
[9] النحل 72
[10] الاسراء32
[11] من لا يحضره الفقيه ج3ص383
[12] الوسائل ج20 ص 14
[13] (الروم: 30)،
[14] (آل عمران: 36)،
[15] (التحريم: 6).
[16] (الشمس: 9- 10).
[17] (المائدة: 49)

اترك تعليق