جدلية العهد والغدر في الكوفة عام 60 هـ
في تاريخ الصراعات، غالباً ما تقاس الانتصارات بالموازين العسكرية والسياسية، لكن في ميزان القيم والمبادئ، تقاس المواقف بنقاء الوسيلة وشرف الخصومة. وهنا تتجلى الكوفة عام 60 هـ كمسرح لأعظم جدلية بين "العهد" في أسمى صوره الهاشمية، و"الغدر" في أدنى دركاته الأموية، متمثلة في موقفين متناقضين تماماً:
الموقف الأول: سموّ المبدأ لمسلم بن عقيل علية السلام في بيت هانئ.
حينما سنحت الفرصة لمسلم بن عقيل (عليه السلام) لتغيير مجرى التاريخ واغتيال الطاغية عبيد الله بن زياد وهو متخفٍ في بيت هانئ بن عروة، كانت كل المقاييس السياسية والعسكرية تبيح له ذلك؛ فموت ابن زياد يعني انهيار جبهة العدو وحقن دماء آلاف المسلمين وتأمين وصول الإمام الحسين (عليه السلام).
الموقف الثاني: خسة الغدر (ابن زياد وسلطة البطش)
في المقابل، يظهر عبيد الله بن زياد كممثل حقيقي لسياسة النفعية الخالية من أي رادع أخلاقي أو إنساني. فبينما عفا عنه مسلم وهو في قبضة يده، سعى ابن زياد بكل خسة وخديعة لإلقاء القبض على مسلم. وعندما أُسر مسلم بن عقيل بعد معركة بطولية أُعطي فيها "أماناً كاذباً" من قِبل جلاوزة السلطة، لم يرعَ ابن زياد حرمة الأسر، ولا قرابة مسلم من رسول الله، ولا شرف الوعود. لقد تجرد ابن زياد من كل قيم العرب والمسلمين فأمر بضرب عنق مسلم ورمي جسده من أعلى قصر الإمارة، وسحله في أسواق الكوفة.
إن المواجهة بين سفير النهضة الحسينية، سيدنا مسلم بن عقيل بن أبي طالب (عليه السلام)، وبين والي الكوفة الأموي، عبيد الله بن زياد، هي دراسة حالة عميقة في فلسفة الأخلاق السياسية. إنها تفكيك لجدلية "العهد" و"الغدر"، حيث يرتفع العهد عند مسلم بن عقيل إلى مرتبة العقيدة التي تُبذل دونها الأرواح، بينما ينحط الغدر عند ابن زياد إلى أداة حكم ووسيلة وحيدة للبقاء.
الهوية التكوينية والبيئة المعرفية للخصمين
إن فهم السلوك الأخلاقي لأي شخصية تاريخية في لحظات الأزمات الكبرى يتطلب بالضرورة تفكيك "البيئة المعرفية" والتكوينية التي صاغت وعي هذه الشخصية. والمقارنة بين مسلم بن عقيل وعبيد الله بن زياد تبدأ من نقطة التكوين والمنبت.
أولاً: مسلم بن عقيل عليه السلام. سليل الدوحة الهاشمية وأدب الفروسية
ولد مسلم بن عقيل في بيت يمثل عماد الشرف والبلاغة والشجاعة في جزيرة العرب. فهو ابن عقيل بن أبي طالب، العالم بأنساب العرب وأيامهم، وهو ابن عم الإمام الحسين (عليه السلام). نشأ مسلم في أحضان الحاضنة النبوية والعلوية، وتنفس أنفاس أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وتلقى علومه وتربيته العسكرية والأخلاقية في مدرسة السبطين الحسن والحسين عليهما السلام (ابن قتيبة الدينوري، المعارف، ص 204).
في هذه البيئة لم تكن الشجاعة مجرد تهور في ميدان الحرب، بل كانت محكومة بـ "التقوى السياسية". لقد تعلّم مسلم من عمه أمير المؤمنين (عليه السلام) مفهومه الخالد للسياسة والأخلاق، حيث يقول (عليه السلام):
«والله ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ولكن كل غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة» (الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 200).
بناءً على هذا التأصيل المعرفي، تشكل وعي مسلم بن عقيل؛ فالسياسة عنده لا تنفصل عن الدين، والوسيلة يجب أن تكون بطهر الغاية.
ثانياً: عبيد الله بن زياد.. نتاج الدعيّ وسلطة العنف
في المقابل، يقف عبيد الله بن زياد على النقيض التام في بيئته ونشأته. هو ابن زياد بن أبيه، الشخصية التاريخية الإشكالية التي استُلحقت بنسب أبي سفيان في حادثة الاستلحاق الشهيرة التي هزت الوجدان الإسلامي وتجاوزت الحدود الشرعية لأجل مصالح سياسية. (اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 218). نشأ عبيد الله في بيئة قائمة على "عقدة النقص " والبحث عن الشرعية المفقودة عبر الإفراط في القسوة والولاء المطلق للسلطة المركزية في دمشق.
تربى ابن زياد على أدبيات السلطة الأموية في إدارة الأزمات، والتي تعتمد على شراء الذمم، وبث الجواسيس، واستخدام الغدر كخيار استراتيجي أول. فالسياسة في وعي ابن زياد هي " الغاية في تثبيت الملك والحفاظ على الكرسي) تبرر كل وسيلة، من الكذب والوعود الزائفة إلى القتل الجماعي وسحل الجثث. (ينظر: البلاذري، أنساب الأشراف، ج 5، ص 330).
موقف مسلم من اغتيال ابن زياد
لقد كان مسلم بن عقيل (رضوان الله تعالى عليه) يحمل رسالةً ساميةً، وأخلاقاً فاضلة اكتسبها من بيت النبوّة، كما كان يملك درايةً بكلّ تقاليد وأعراف المجتمع الذي كان يتحرّك فيه، ففي موقف كان يمكن فيه لمسلم بن عقيل أن يغتال ابن زياد رفض ذلك لاعتبارات شتّى.
تعد الواقعة التي حدثت في دار الصحابي الجليل هانئ بن عروة (رضوان الله عليه) المحور الرئيسي الذي يتجلى فيه "ميزان القيم" بأبهى وأعمق صوره. وهي الحادثة التي يرتكز عليها هذا البحث لتفكيك جدلية العهد والغدر.
تفاصيل الواقعة تاريخياً:
مرض شريك بن الأعور الحارثي (وكان من وجهاء الشيعة في الكوفة) نزيلاً في دار هانئ بن عروة. وعلم شريك أن عبيد الله بن زياد يعتزم عيادته في الدار. هنا، رأى شريك أنها الفرصة الذهبية الحاسمة لإنهاء الأزمة السياسية وقطع رأس الأفعى الأموية في الكوفة. (ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 4، ص 27). التفت شريك إلى مسلم بن عقيل وقال له: "إن هذا الطاغية عائدي الليلة، فإذا جلس فاخرج إليه واقتله، ثم اقعد في القصر ليس لك منازع". ووضعوا علامة وإشارة للخروج وهي أن يقول شريك: "اسقوني ماءً. (الطبري، تاريخ الطبري، ج 4، ص 272).
جاء ابن زياد وجلس، وجاءت الإشارة، وكررها شريك بن الأعور بصوت مرتفع مستنجداً بأبيات من الشعر تمثلت في التورية والتحريض:
*ما انتســـابكمُ تعــالوا واسقـوني*
*اسقوني الماءَ فـقد زادت شجوني*
*ألا فاسقوني فـقد ضاقـت حـياتي*
*ألا سـقياً مـن المـوت المـنــونِ*
لكن مسلم بن عقيل لم يخرج، وظل خلف الستار قابضاً على سيفه، حتى انصرف ابن زياد سالماً. دخل شريك عاتباً ومذهولاً، وسأله هانئ بن عروة عن سبب تفويت هذه الفرصة التاريخية التي لا تعوض. (الدينوري، الأخبار الطوال، ص 235)..
الرد الأخلاقي والروائي لمسلم بن عقيل:
الجواب الذي قدمه مسلم بن عقيل لم يكن تبريراً عسكرياً أو خوفاً، بل كان إعلاناً لمنهج فقهي وأخلاقي صارم؛ حيث ينقل الشيخ المفيد في كتاب (الإرشاد) أن مسلماً قال:
«مَنَعتني خِصلتان: أمّا إحداهما فكراهية هانئ أن يُقتَل ابن زياد في داره وفي ضيافته، وأمّا الأخرى فحديث حدّثه الناس عن رسول الله (ص): "إنَّ الإيمانَ قَيَّدَ الفَتْكَ، لا يَفْتِكُ مؤمنٌ"» .(الشيخ المفيد، الإرشاد، ج 2، ص 48).
وفي رواية أخرى معتبرة أوردها العلامة المجلسي في *بحار الأنوار*، عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال مفسراً هذا الثبات الهاشمي:
> «إنَّ الإيمانَ قَيَّدَ الفَتْكَ، فلا يَفْتِكُ مُسلِمٌ» (المجلسي، بحار الأنوار، ج 44، ص 344).
التحليل الفكري للموقف:
إن هذا الموقف يمثل صدمة حقيقية للمدرسة السياسية الواقعية. فبالقوانين العسكرية البحتة، كان امتناع مسلم خطأً استراتيجياً فادحاً أدى لاحقاً إلى مقتله وفشل الثورة في الكوفة. ولكن، بالمنظور القيمي الرفيع، كان هذا الموقف حفظاً لجوهر الإسلام عبر محددات ثلاثة:
1. طهارة الوسيلة: إن دولة الحق لا يمكن أن تتأسس على طريقة الاغتيال والغدر (الفتك هو القتل المفاجئ على حين غرة دون إعلام أو مواجهة). لو قتل مسلمٌ ابنَ زياد غدراً، لشرعن الغدر كأداة سياسية في الإسلام، ولساوت المعارضة الحسينية السلطةَ الأموية في انحطاط الوسائل.
2. قدسية الجوار والضيافة: احترم مسلم رغبة المضيف (هانئ) وحافظ على العرف الإنساني والشرعي الذي يجعل الدار أماناً، وهي سمة الفرسان الأحرار.
3. السياسة الأخلاقية: أثبت مسلم بن عقيل أن القائد الرسالي ليس مستعداً لبيع مبادئه مقابل نصر سريع مؤقت.
السلوك الأموي.. الغدر منهج للنظام الاموي (ابن زياد نموذجاً)
على الطرف الآخر من ميزان القيم، يتجلى عبيد الله بن زياد كشخصية خالية تماماً من الالتزامات الأخلاقية. وبمجرد أن أمن الموت في بيت هانئ، واستجمع خيوط قوته عبر الترهيب والترغيب، بدأ في تطبيق "استراتيجية الغدر الممنهج".
1. شراء الذمم ونكث العهود:
استخدم ابن زياد أموال بيت المال لقطع الروابط القبلية؛ فأرسل شيوخ القبائل الموالين له لتهديد الناس بـ "جيش الشام"، ونجح في فض آلاف المبايعين عن مسلم بن عقيل في غضون ساعات، حتى صلى مسلم صلاة العشاء ولم يلتفت خلفه إلا ووجد نفسه وحيداً فريداً في أزقة الكوفة. (الخوارزمي، مقتل الحسين، ج 1، ص 208). إن هذا الانفضاض تجسيد لنجاح "سياسة الرعب والغدر" التي أدارها ابن زياد بنجاح خبيث.
2. الأمان الكاذب في معركة طوعة:
حين التجأ مسلم إلى دار المرأة الصالحة "طوعة"، واكتشف الأعداء مكانه، خرج إليهم مسلم مصلتاً سيفه، وأبدى من الشجاعة الباسلة ما أعاد للأذهان صولات عمه أمير المؤمنين (عليه السلام). وحين عجز الجيش بقيادة محمد بن الأشعث عن مواجهته فرداً لفرد، ولجأوا إلى رمي الحجارة والنار من فوق الأسطح، طلب ابن الأشعث من مسلم الاستسلام مقابل "الأمان" قاصداً خديعته والمحافظة على ما تبقى من هيبة جنوده. (أبو مخنف، مقتل الحسين، ص 31).
قال له ابن الأشعث: "لك الأمان، لا تقتل نفسك". وكان مسلم جريحاً مثخناً بالضربات، فقبل بالأمان بناءً على الأعراف العسكرية والعهود. ولكن، بمجرد أن وضع مسلم سيفه، غدروا به، وسحبوا بغلته، ونزعوا سلاحه، وتلفت مسلم يميناً وشمالاً وقال دموعه تنحدر:
> «هذا أول الغدر! وبك يا بن الأشعث سقط الأمان». (الطبري، تاريخ الطبري، ج 4، ص 280).
ثم بكى، لا على نفسه، بل على الحسين (عليه السلام) وعياله الذين هم في طريقهم إلى الكوفة بناءً على رسائله السابقة التي وثق فيها بعهود أهل الكوفة.
3. انتهاك حرمة الأسر والقيم الإنسانية:
حين أُدخل مسلم على ابن زياد، دارت بينهما محاكمة كلامية شهيرة نقلتها الأصول التاريخية. لم يسلم مسلم على الطاغية تحقيراً له، وحين قال له الحارس: "سلم على الأمير"، أجاب مسلم بكل عزة: «اسكت، لا أم لك، والله ليس هو لي بأمير». (الشيخ المفيد، الإرشاد، ج 2، ص 60).
تجلت خسة ابن زياد حين قرر قتل مسلم بن عقيل؛ لم يكتفِ بالقتل العسكري، بل أراد القتل الانتقامي الشنيع الذي يعبر عن سادية السلطة وقلقها البنيوي. أمر بإصعاد مسلم إلى أعلى قصر الإمارة، وأمر "بكر بن حمران الأحمري" بقطع رأسه ورَمي جثته الشريفة من أعلى القصر إلى الأرض، ثم أمر بصلبه وسحله في الأسواق دون أدنى مراعاة لحرمة الميت أو شرف الخصومة الإنسانية. (ابن كثير، البداية والنهاية، ج 8، ص 167). نقف هنا مذهولين أمام هذا التباين: مسلم يعفو عن ابن زياد وهو في منزلة القدرة عفةً وشرفاً، وابن زياد يمثل بجثة مسلم وهو في حالة الأسر ضعفاً وخسة!
الخاتمة:
انتصار المبدأ وهزيمة السيف
إن القراءة الفاحصة لجدلية العهد والغدر في كوفة عام 60 هـ توصل الباحث إلى حتمية فكرية واحدة: إن النصر العسكري المؤقت الذي يحققه الغدر هو هزيمة استراتيجية وأخلاقية نكراء على المدى الطويل، وإن الهزيمة العسكرية الظاهرية التي تقترن بوعي المبدأ وطهارة الوسيلة هي الانتصار الحقيقي والخالد.
لقد ظن عبيد الله بن زياد، وهو يرى جسد مسلم بن عقيل يهوي من أعلى قصر الإمارة، أنه طوى صفحة المعارضة وأحكم قبضته الحديدية على الكوفة. لكن التاريخ، بميزانه العادل والصارم، أثبت العكس تماماً. فاليوم، تلاشت آثار قصر الإمارة وباد كسر الطاغية، وتحول قبر عبيد الله بن زياد إلى رمز للمقت واللعنة، بينما يرتفع مرقد سيدنا مسلم بن عقيل (عليه السلام) في الكوفة بشوامخ القباب والمنائر، مزاراً تهوي إليه أفئدة الملايين من البشر، ليس فقط بوصفه قريباً للحسين، بل لكونه المعلم الأول الذي أثبت للبشرية أن "الإيمان قيد الفتك"، وأن الشرف والعهد هما القيمة الإنسانية العليا التي لا تسقط أمام بريق الكراسي أو رعب الموت.
لقد خطّ مسلم بن عقيل بدمائه الميثاق الأخلاقي الأسمى للممارسة السياسية الرسالية تلك السياسة التي ترفض الصعود على أكتاف الخديعة، وتفضّل الشهادة بشرف ومظلومية على تحقيق نصر زائف ملوث بالغدر والتنصل من المبادئ ومن هنا يبقى مسلم بن عقيل حياً في ضمير الإنسانية، ويبقى ابن زياد جثة هامدة في مزبلة التاريخ.

اترك تعليق