العلاقة بالمثل الأعلى وركائزها الثلاث

لعل من أخطر المفاهيم التي ساهمت الثورة الحسينية في فضحها وتزييفها المفهوم المتصل بالعلاقة بالمثل الأعلى، حيث تم اجتزاء هذه العلاقة بل مسخها من بعض الوجوه، وتوضيحاً لذلك لا بد لنا في البدء أن نتساءل:

كيف ينبغي أن تكون العلاقة مع الرمز الديني والمثل الأعلى؟ ما هي الأسس والركائز التي تقوم عليها؟ كيف تجعل هذه العلاقة مثمرة وناجحة؟ ولماذا تغدو أحياناً غير مجدية ولا مؤثرة؟ وإنطلاقاً من ذلك فلنا أن نسأل: كيف نبني العلاقة مع الإمام الحسين عليه السلام كواحد من أبرز المثل العليا في الإسلام؟ وأين يكمن الخلل في هذه العلاقة عند الأمة التي عاصرت الإمام الحسين لما جعلها تتنكر له وتنقلب عليه؟ ماذا جرى لينقلب الآلاف بين ليلة وضحاها على سفيره مسلم بن عقيل بعد مبايعتهم له، ليجد نفسه وحيداً فريداً؟

ركائز العلاقة:

أعتقد أن نجاح العلاقة مع الرمز الديني والمثل الأعلى تستوجب قيامها على ثلاث ركائز أو قواعد:

1 - الركيزة المعرفية بأن تفهم المثل الأعلى وتتعرف على مشروعه وطموحاته وأهدافه وتقتنع به وتدخله إلى عقلك من خلال ما يملك من عناصر الحق ويجسده من القيم السامية، فمعرفة من هذا النوع شرط أساسي لتبني المثل الأعلى واتباع نهجه وبالمقابل فإن الجهل بذلك هو مدعاة لمعاداته ومحاربته؛ لأن الناس أعداء ما جهلوا كما قال علي عليه السلام (1) .

٢ - الركيزة العاطفية والشعورية وهي ضرورة أيضاً لنجاح العلاقة، ولا يكفي في المنطق الإسلامي والقرآني أن يجمد الإنسان في علاقته بالمبدأ والمثل الأعلى على المعرفة العقلية البحتة، بل لا بد أن يتبع المعرفة المذكورة علاقة عاطفية، ليشعر القلب بدفء المحبة كما شعر العقل بقوة الحجة، ومن هنا وجدنا أن القرآن الكريم يركز على الجانب العاطفي سواء في العلاقة الإيجابية مع الأشخاص أو العلاقة السلبية، ففي العلاقة الإيجابية حيث لا بد أن تغمر القلب مشاعر الحب يقول تعالى في شأن رسول الله محمد صلى الله عليه واله : ﴿قل إن كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتَكُمْ وَأَمْوَالُ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتَجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم منَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة: ٢٤]، وقال سبحانه في شأن أهل البيت عليهم السلام : ﴿وَقُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾ [الشورى: ٢٣].

وفي العلاقة السلبية يلزم على الإنسان رفض الظلم بقلبه كما يرفضه بقوله وفعله، يقول تعالى: ﴿وَلَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ [المجادلة: ٢٢].

- الركيزة السلوكية فلا يكفي الإنسان أن يعرف المثل الأعلى ويُحبه، بل لا بد أن يترجم معرفته وحبه إلى عمل وسلوك، وهنا يحصل المائز بين المعرفة الصادقة والمعرفة الكاذبة، فمن كانت معرفته ومحبته صادقتين، ينعكس ذلك على سلوكه، ولا يكون هناك انفصام بين قوله وفعله، أو بين عاطفته وسلوكه. قال تعالى مشيراً إلى هذا التلازم : ﴿ قُل إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ )) [آل عمران: ۳]، وروي أن الإمام الصادق عليه السلام تمثل ببيتين من الشعر يشيران إلى هذا التلازم:

تعصي الإله وأنت تظهر حبه لو كان حبك صادقاً لأطعته

هذا محال في الفعال بديع إن المحب لمن يحب مطيع (2)

العقل مصفاة القلب:

إن الركائز الثلاث الآنفة هي قواعد أساسية وتعتبر شروطاً رئيسية في نجاح العلاقة بالمثل الأعلى، ووقوع الخلل في أي منها سيعرض العلاقة للانهيار أو التشويه، كما أن الخلل في أعمدة البناء يُعرض البناء برمته للانهيار أو التصدع، ولا بد من الالتفات إلى أن هذه القواعد متدرجة كما عرضناها، بمعنى أن الارتباط يبدأ أولاً فكرياً وعقلياً، ويتلوه الارتباط العاطفي، ثم السلوكي والعملي ولو حصل خلل في هذه التراتبية المنطقية، فإن ذلك سيؤدي إلى نتائج غير محمودة، فلو أن الإنسان بنى العلاقة العاطفية مع المثل الأعلى قبل العلاقة الفكرية فإن ذلك قد يوقعه في الشطط والزيغ ولذا لا يجوز أن تدخل شخصاً إلى قلبك قبل أن يأذن العقل بذلك؛ لأن العقل بضوابطه القائمة على أساس المحبة والبرهان هو المصفاة والبوصلة التي تحدد مسار العاطفة وحركتها.

وفي هذا المجال، فإننا لا نجانب الحقيقة إذا قلنا: إن أكثر حالات الغلو ناتجة عن قيامنا بإدخال بعض الرموز إلى قلوبنا مباشرة ودون المرور على مصفاة العقل وموازينه، وإذا رجعنا إلى كلام الإمام علي عليه السلام: (هلك في رجلان: محب غال ومبغض قال)(3) فإنا لا نستطيع أن نفسر هذا الجنوح العاطفي الإيجابي والسلبي أو لنقل: هذا الغلو في الحب أو الكره إلا باختلال التوازن بين العقل والعاطفة، وإننا نلاحظ أن بعض المذاهب بنت فكرها وعقيدتها - إزاء بعض الرموز - على ضوء عاطفتها ومشاعرها، ولم تركز عاطفتها على أساس عقلها ووفق الضوابط البرهانية، وكانت النتيجة الطبيعية لذلك وقوعها في الغلو أو الشطحات الكثيرة.

مصادر المعرفة:

ولكن يبقى السؤال: ما هي هذه الضوابط المعرفية ومن يحددها ؟

وفي الإجابة على ذلك نقول باختصار: إن عقيدتنا بشأن الرموز الدينية من الأنبياء والأئمة عليهم السلام لا يصح أن تقوم على بعض الانفعالات والتصورات الذاتية أو الخيالات الوجدانية، فضلاً عن ثقافة الأحلام والأساطير، وإنما يجب أن تقوم على أساس القرآن والبرهان وما ثبت من السنة والسيرة، فالعلاقة يجب أن ترتكز على هذه الأسس لتكون سليمة، وإلا فقد الفكر موضوعيته وغدا تبريرياً أكثر منه نقدياً؛ لأنه سوف يتجه حينئذ إلى تبرير ما تقود إليه العاطفة، بدل أن يضبط إيقاعها لصالح ما يقتضيه البرهان والحجة.

شروط الحب:

إن لم تقم المحبة للمثل الأعلى على أسس سليمة فقد تقود إلى الغلو وتوقع في الزلل والزيغ - كما أسلفنا - ومن هنا كان من الضروري التأكيد على أسس المحبة وضوابطها على ضوء ما يستفاد من الكتاب والسنة.

وأولى تلك الضوابط: أن يكون الحب في الله سبحانه، فنحن إنما نحب النبي صلى الله عليه واله أو الإمام عليه السلام لا لذواتهم الشخصية ولا لبعض العلائق العشائرية أو القومية، وإنما نحبهم الله وللرسالة وما يتحلون به من قيم، وما يجسدون من مبادئ، وقد ورد في الحديث عن الإمام علي بن الحسين عليهما السلام: (أحبونا حب الإسلام)(4). وعن رسول الله صلى الله عليه واله: (أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي) (5)، وعن الإمام الحسين عليه السلام : (من أحبنا الله وردنا نحن وهو على نبينا هكذا - وضم إصبعيه - ومن أحبنا للدنيا فإن الدنيا تسع البر والفاجره) (6).

ومن شروط الحب أيضاً، أن يكون حباً واعياً يتحرك على بصيرة من العقل وهدى من الوحي، لا حباً أعمى تتحكم به العاطفة والغريزة، فإن الحب إن لم يكن واعياً فإنه يعمي ويصم تماماً كما حصل مع امرأة العزيز التي قادها حبها الغرائزي إلى الخروج عن الاتزان في تصرفاتها، قال تعالى: ﴿وَقَالَ نسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امرات العزيز تراود منتها عن نفسه، قد شغفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَتَهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [يوسف: ٣٠]، وإذا كان الحب الغرائزي يُفقد الإنسان توازنه، فإن الغلو العاطفي فيما نحن فيه يقود إلى الغلو العقدي وتجاوز الحد كما ذكرنا.

ومن جملة شروط الحب أيضاً، أن يكون من الطرفين، فلا يكفي أن تحب الله ورسوله والأئمة ، بل يتعين أن يبادلنا الله رسوله والأئمة الحب أيضاً، وإذا كنا نستطيع أن نتلمس حبنا الله ورسوله بمراجعة قلوبنا وأنفسنا، فكيف نعرف ونكتشف حب الله ورسوله والأئمة لنا ؟

ليس من سبيل إلى ذلك إلا اتباع سلوكهم والسير على خطاهم والاهتداء بهديهم؛ لأنه وكما سلف فإن علامة الصدق في الحب هي الإتباع والعمل، وقد ورد في الخبر عن الإمام الباقر عليه السلام في وصيته لجابر الجعفي أنه قال: (يا جابر بلغ شيعتي عني السلام وأعلمهم أنه لا قرابة بيننا وبين الله عز وجل ولا يتقرب إليه إلا بالطاعة، يا جابر من أطاع الله وأحبنا فهو ولينا ومن عصى لم ينفعه حبنا) (7)، وفي الحديث عن أبان بن تغلب قال الإمام الشهيد عليه السلام: (من أحبنا كان منا أهل البيت!، فقلت: منكم أهل البيت ؟! فقال عليه السلام: منا أهل البيت، حتى قالها ثلاثاً، ثم قال عليه السلام: أما سمعت قول العبدالصالح ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ﴾) [إبراهيم: ٣٦] (8) حيث أكد من خلال استشهاده بالآية المباركة على أن الحب الصادق لا بد أن يتبعه العمل والاقتداء.

الهوامش:----

(1) نهج البلاغة: ج4 \ ص 42

(2) الامالي للشيخ الصدوق 578

(3) نهج البلاغة ج4 \ 28

(4) بحار الانوار ج46 \ 73

(5) بحار الانوار ج27 \ 76

(6) موسوعة كلمات الامام الحسين عليه السلام 583

(7) بحار الانوار ج68 \ 179

(8) موسوعة كلمات الامام الحسين عليه السلام 695

: الشيخ حسين الخشن