المنكر الإلكتروني

لم يكن المنكر في أي مرحلة من مراحل التشريع مفهومًا جامدًا أو حبيس صورة واحدة، بل كان عنوانًا مرنًا يدور مدار القبح الشرعي أو العقلي، ويتكيّف في مصادقيه مع تغيّر الأزمنة وتحوّل البيئات. ومن هنا، فإنّ انتقال الإنسان المعاصر إلى الفضاء الإلكتروني لم يُنتج منكرًا جديدًا من حيث الحقيقة، بقدر ما أوجد ساحةً جديدةً لتموضع المنكر، واتّساع أثره، وتعقّد طرق مواجهته.

وقد أصبح المنكر الإلكتروني اليوم من أخطر أشكال المنكرات؛ لا لذاته فقط، بل لما يمتاز به من سرعة الانتشار، وتراكم الأثر، وخفاء الفاعل، وتجاوز الحدود الجغرافية والاجتماعية، فإن البشرية تعيش اليوم تحولاً وجودياً بفعل ثورة المعلومات والاتصالات، حيث أصبح الفضاء الإلكتروني فضاءً مفتوحاً بلا حدود، يتسع للخير والشر، وللمعروف والمنكر، وللحكمة والرذيلة. ومن أخطر ما أنتجته هذه الثورة الرقمية ما يمكن تسميته بـ "المنكر الإلكتروني": أي ذلك النسق المتكامل من الأفعال المحرمة والأخلاق السيئة التي تمارس خلف الشاشات، وهذا المنكر الجديد لا يستهدف أجساد الجيل الناشئ، بل يستهدف أرواحهم قبل أن تنضج، وفطرتهم قبل أن تترسخ، وهو ما يستدعي وقفة علمية رصينة تتوسل بالثابت الديني لتشخيص الداء ووصف الدواء.

ملامح المنكر الإلكتروني في المشهد الرقمي المعاصر

لم يعد المنكر محصوراً في الأماكن المغلقة أو الخفية، بل صار يُرتكب بجرأة وعلانية في الفضاء الرقمي، بل يُسوَّق له أحياناً كشكل من أشكال "التحرر" أو "المواكبة". ومن أبرز صوره:

1. انتهاك الخصوصية ونشر العورات: بالتجسس عبر الكاميرات، أو تسريب الصور الخاصة، أو ابتزاز الضحايا.

2. الغيبة والنميمة الإلكترونية: حيث تنتقل الكلمة الخبيثة بسرعة البرق وتُخلَّد في السجلات.

3. الإباحية الإلكترونية: وهي من أعظم مفاسد العصر، حيث تُفقد الجيل الحياء والغيرة وتُحول العلاقة بين الجنسين إلى سلعة مبتذلة.

4. التنمر الإلكتروني: وهو أشد إيلاماً من التنمر المباشر، لأن الضحية تجد نفسها محاصرة في كل وقت.

قال الله تعالى في محكم كتابه: {وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا} [الحجرات: 12]. والتجسس الإلكتروني اليوم أبلغ وأخطر من التجسس المباشر، إذ يُمكن للمرء أن يخترق خصوصيات مئات الأشخاص بنقرة زر. وقال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [النور: 19]. وإشاعة الفاحشة اليوم لم تعد تحتاج إلى ركوب البحر أو السفر في القوافل، بل تكفيها شاشة صغيرة واتصال بالإنترنت.

شواهد من القرآن وأهل البيت في مواجهة المنكر

لم يترك الإسلام ثغرة إلا وسدها، ولم يترك منكراً إلا بيّن طرق اجتنابه:

· قال الله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور: 30]. وغض البصر يشمل اليوم غض النظر عن المحرمات التي تعرضها الشاشات.

· وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا، فَقَالَ: إِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا. قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنكَرِ" (جامع السعادات: ج2، ص45.). والفضاء الإلكتروني هو "طريق" العصر، وله حقوقه ذاتها.

· وعن الإمام الحسين (عليه السلام) في وصيته لأصحابه: "إِنَّ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ مَا خَلَقَ الْعِبَادَ إِلَّا لِيَعْرِفُوهُ، فَإِذَا عَرَفُوهُ عَبَدُوهُ، فَإِذَا عَبَدُوهُ اسْتَغْنَوْا بِعِبَادَتِهِ عَنْ عِبَادَةِ مَنْ سِوَاهُ" (علل الشرائع، الصدوق، ج1، ص9.). والتعريف بالله هو أقوى حصانة ضد الانجراف وراء المنكرات.

الشعر نافذة على الألم الإنساني

أَلاَ رُبَّ شَاشَةٍ تَغْتَالُ دِينَا * وَتَجْلِبُ بِالْفَتَى هَمّاً وَغما

تُرِيهِ الْفُحْشَ فِي أَلْوَانِ فَنٍّ * فَيَحْسَبُهُ دينا وعلما وفهما

فَيَا جِيلَ التطور كُنْ بَصِيراً * فَلَيْسَ الْكُلُّ مَا تَرْنُو سليما. (حسين الصالح)

وهذه الأبيات تعبر عن خداع المنكر الإلكتروني حين يُلبس ثوب الجمال والفن.

 

الحلول المستمدة من هدي أهل البيت (عليهم السلام)

لإنقاذ الجيل، لا بد من استراتيجية متكاملة:

1. تحصين داخلي: تربية الجيل على "المراقبة الذاتية" (أن الله معه أينما كان، حتى خلف الشاشة). قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} [البقرة: 235].

2. تثقيف بصري وسمعي: تعليمهم غض البصر الإلكتروني، وفلترة المحتوى، واختيار البدائل الهادفة.

3. القدوة الحسنة: أن يكون الآباء والمعلمون هم أنفسهم ملتزمين بالأخلاق الرقمية.

4. الوعي النقدي: تدريب الناشئة على كشف زيف المنكرات وتمييزها عن الحريات المشروعة

5. بدائل جذابة: إنتاج محتوى إلكتروني هادف، ومنصات ترفيهية وتعليمية نظيفة، وغرس الهوايات الواقعية

وعن الإمام الصادق (عليه السلام): "إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَسْتَحْيِي مِنَ اللهِ أَنْ يَرَاهُ عَلَى غَيْرِ طَاعَتِهِ" (الكافي، ج2، ص 99). فإذا استحيا الشاب من الله في خلواته الرقمية، فقد ملك ناصية الخلاص.

 

الخاتمة

لقد قدّم لنا الدين الحنيف وسيرة أهل البيت (عليهم السلام) خريطة طريق لا تعتريها الريبة، فان المنكر الإلكتروني ليس قدراً محتوماً، بل هو تحدٍ يمكن تجاوزه بالإرادة والعلم والإيمان. ومتى تربى الجيل على حب الله وخشيته، وعلى إدراك أن الشاشة ليست ساتراً ولا ملاذاً آمناً من الرقيب الأعلى فإنه سيكون قادراً على أن يبحر في هذا المحيط الرقمي دون أن تغرق سفينته. فلنعمل جميعاً على غرس هذه القيم في قلوب الأجيال، ولنكن لهم عوناً على الخير لا سبباً في شرودهم. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين الطيبين.

: الشيخ علاء محسن السعيدي