المحرمات واثرها على الصيام في رويات أهل البيت عليهم السلام

عندما أمرنا الشارع المقدس بالإتيان بالواجبات وجعلها واجبة علينا وملزمين بالإتيان بها  ليس عبثا  بل  يقينا أن الخالق الحكيم واللطيف بعباده الذي خلقهم لايريد لنا  إلا  النفع والخير و الكمال فجعل  لهم سلما للكمال من خلال (العقيدة و التشريع) كما قال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}[1] فشرع الله فيها المصالح  (ملاكات)التي دعت الباري تعالى من باب حكمته ولطفه بالعباد كي يستوفوا المصالح النافعة لهم في الدارين وأن  يتدرجوا بمدارج الكمال اوجب عليهم أفعال فامر بها  و حرم أخرى فنهى عنها بأشد عبارات الوعيد، وأن الافعال المحرمة تؤثرعلى  العبادات ومحتواها وتجعلها حركات خالية المعنى والمضمون بلافائدة ،كما أن العبادة المقبولة تمنع من السقوط والوقوع في الحرام كالصلاة المقبولة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر.

الحديث عن العبادات ومنها الصيام  في شهر رمضان يكون من العبادات التي بنيت على الجهد والمشقة  وهذا واضح جدا ولكن الذي يخفى عن الكثير أن الصائم ربما لايجني من صيامه إلّا الجوع والعطش، وذلك  بسبب الغفلة او عدم الدراية  من أن  الأفعال المحرمة عند إرتكابها كيف يكون لها الأثر البالغ  على   الصيام وتجعله فارغ المضمون و بلا فائدة مرجوة تناسب مشقة الصيام والعناء الذي يتلقاه الصائم  حتى يفطر وهذا بسبب آثار الذنوب التي تمنع الصائم أن يجني ثمرات صومه وسنذكر في المقام الأفعال المحرمة التي تؤثر على روح الصيام في بعض روايات أهل البيت َعليهم السلام:

وقد ورد بالإسناد عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إن الصيام ليس من الطعام والشراب وحده إنما للصوم شرط يحتاج أن يُحفظ حتى يتمّ الصوم، وهو الصمت الداخل، أما تسمع قول مريم بنت عمران، { فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا}[2] يعنى صمتا، فإذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم عن الكذب، وغضوا أبصاركم، ولا تنازعوا ولا تحاسدوا ولا تغتابوا ولا تماروا ولا تكذبوا ولا تباشروا ولا تخالفوا ولا تغاضبوا ولا تسابوا ولا تشاتموا ولا تنابزوا ولا تجادلوا ولا تبادوا ولا تظلموا ولا تسافهوا ولا تزاجروا ولا تغفلوا عن ذكر الله وعن الصلاة وألزموا الصمت والسكوت والحلم والصبر والصدق ومجانبة أهل الشر، واجتنبوا قول الزور والكذب والفراء والخصومة وظن السوء والغيبة والنميمة، وكونوا مشرفين على الآخرة منتظرين لايامكم، منتظرين لما وعدكم الله متزودين للقاء الله، وعليكم السكينة والوقار والخشوع والخضوع وذل العبد الخائف من مولاه، راجين خائفين راغبين راهبين قد طهرتم القلوب من العيوب..إلى أن قال: ـ إن الصوم ليس من الطعام والشراب، إنما جعل الله ذلك حجابا مما سواها من الفواحش من الفعل والقول يفطر الصائم، ما أقل الصوّام وأكثر الجواع[3].

ذكر الإمام عليه السلام في هذه الرواية مجموعة من الأفعال المحرمة التي يجب على الصائم أن يجتنب عنها ومنها ما ذكر في الرواية: (فاذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم عن الكذب)، وكذلك السب والتنابز بالالقاب وكل آفات اللسان، وقال  عليه السلام  (وغضوا أبصاركم) والمراد بها محرمات البصر وتلذذ المحرم حتى وأن كان  عبر برامج التواصل الاجتماعي  والتلفاز وغيرها التي تحاول بعض الجهات سلخ روح الصيام من المؤمنين والمؤمنات.

ثم قال  عليه السلام: (ولا تنازعوا) لأن النزاع يولد البغضاء والقطيعة بين المؤمنين وهذا أثره كبيرفي الدنيا والاخرة ،وعنه  عليه السلام (ولا تحاسدوا) الحسد هو تمني زوال ماعند الاخر من النعم التي  أنعم الله بها عليه، كما نهى  عليه السلام (ولا تغتابوا)وهي ذكر أخاك بما يكره،بعيب بما يشينه سواء أكان العيب في القول ام بالفعل يريد الحط من كرامته ،ونهى  عليه السلام بقوله: (ولا تماروا) هو النزاع لأجل الجدال والمخاصمة والطعن في كلام الاخر تحقيرا به ،وذكر  عليه السلام في حديثه  عليه السلام:  (ولا تكذبوا) وقد عرفه العلماء  الكذب إن كان ينسب قولا لله تعالى او أهل البيت عليهم السلام يعد  من المفطرات، وإن كان يكذب في حديثه على الناس فهو حرام وليس مفطرا ،وقال عليه السلام : (ولا تباشروا) والمراد به هو النهي عن مقاربة  النساء.

وكذلك نهى عليه السلام في حديثه:  (ولا تخالفوا) ما وعدتم به وقطعتوا عليه عهدا، وأيضا نهى  عليه السلام المؤمنين بقوله : (ولا تغاضبوا) لا يدخل بين المؤمنين وبالخصوص الصائمين التباغض والتناحر لأي شيئا كان، وأشار  عليه السلام الى حرمة السب بقوله : (ولا تسابوا) وقيل السب هوالكلام الموجع الطويل،و ليس من أخلاق الصائم المؤمن أن  يسب الاخر مهما كان الاخر مسلما اوغير مسلم كبيرا اوصغيرا ، فالحري بالصائم أن تصوم كل جورحه ، وماله من أهمية أخلاقية هو الإبتعاد عن الشتائم في قوله  عليه السلام: (ولا تشاتموا)و المقصود به هو القول الفاحش بكلمة كالذي يرمي الآخرين  بكلمة نابية بحجة المزاح وغيرها من الكلمات الغير لائقة بالصائم والمنهي عنها ، وكذلك نهى  عليه السلام عن التنابز في قوله :  (ولا تنابزوا) والتنابز بالالقاب هو بيان عيوب الاخرين كالعوق الظاهر  في الجسد او الخلل في الكلام او غير ذلك .

ومما حذر منه الإمام  عليه السلام المؤمنين لأنه يجلب البغضاء ويورث العداء بين المؤمنين وهو الجدال وقال  عليه السلام:  (ولا تجادلوا) الجدال هو النزاع اللفظي لأجل الإنتصار على الاخر لا لأجل الوصول للحقيقة.

ومن الافعال التي تورث التقاطع والتخاصم في قوله  عليه السلام:  (ولا تبادوا) هو النهي عن التقاطع بين شخصين يتخاصمان وكل منهما يُعرض  بظهر عن اخيه المؤمن.

ومن القبائح المنهي عنها عقلا وشرعا هو الظلم في بيان قوله  عليه السلام: (ولا تظلموا) والظلم قبيح مما لايختلف عليه اثنان  حتى لو كان بكلمة او نظرة إستخفاف او اقل من ذلك  او تظلم نفسك بنفسك برتكاب المحرم.

ويرد في كثير من الروايات التي تنهى عن تسفيه قول او فعل الاخرين وهذا بدليل قوله عليه السلام: (ولا تسافهوا) وعرف التسفيه هو التقليل من قول و رأي او  تصرف الاخرين  لأجل التقليل من شانه والحط من كرامته .

واشار  عليه السلام الى آداب الكلام ونهي عن الزجر بقوله : (ولا تزاجروا) وهو نهر الاخر بغلضه وشدة والتعامل بقسوة مع كل من لك مكنة او سلطة عليه كالاولاد او الزوجة او الصانع او الموظف...الخ.

 إن الغفلة من الامور التي تجعل الإنسان غافلا عن ذكرالله تعالى وعن عبادته وهذا ماورد عنه عليه السلام:  (ولا تغفلوا عن ذكر الله وعن الصلاة) وكم من أعمار ونعم وخيرات ضاعت بسبب الغفلة وعدم الامبالاة  لم تستثمر في طاعة الله تعالى ،وقد يستفيق البعض من غفلتة برحمة من الله  والبعض الآخر لا ينتبه ولا يستفيق حتى يدركه الموت، ومن المحذورات المراد تجنبها الإبتعاد عنها لأنها تاخذ بالايدي الاخرين الى التهلكه وبهذا يكون مرتكبها من أهل الشر ولذا حذر إمامنا عليه السلام من مجانبة أهل الشر في قوله :  (ومجانبة أهل الشر) هم أهل الفسوق والفجور ، ومن الكلام المنهي عنه على لسان الإئمة الأطهارعليهم السلامهو قول الزور وعد المحرمات وهذا ما قاله في حديثه المبارك  عليه السلام : (واجتنبوا قول الزور)وهي الشهادة  بالباطل والكذب وهي إما سلب حق او ثبات شيئا لغير أهله وهي من كبائر الذنوب .

الخاتمة:

ليس الصيام هو الإمتناع عن المفطرات وحدها كاف لبلوغ الصائم  بصيامه الكمال المطلوب الذي يترتب عليه الفوز برضوان الله تعالى والثواب الجزيل والرفعة في الدرجات ومحو السيئات بل لابد مع الإجتناب أيضا عن المحرمات جميعا في السر والعلن ولأجل ذلك  يتفاوت عند الله تعالى فضل الصيام وكماله من شخص لآخر على مقدار خلوصه في النية وإجتنابه عن المفطرات والمحرمات وهذا ماشار اليه المولى أمير المؤمنين  عليه السلام بالحديث المبارك قال: (الصيام إجتناب المحارم كما يمتنع الرجل من الطعام و الشراب)[4].

        وفقنا الله سبحانه وتعالى وإياكم لما يرضيه ويجنبنا معاصيه

 

الهوامش:-----

[1] - سورة فاطر، الاية: 10.

[2] - سورة مريم، الاية:26.

[3] - الحر العاملي،وسائل الشيعة ج10 ص166، البحار ج93 ص 292.

[4] - المجلسي: بحار الأنوار، ج93، ص294.

: الشيخ علي جواد عبيد