حين تمحى المعالم، لا يمحى الحجر فحسب، بل يطمس معه التاريخ، وتغيب الذاكرة، وتقطع الصلة بين الحاضر وجذوره الممتدة في عمق الرسالة. فالأمم لا تعيش بمواردها المادية وحدها، بل تعيش بذاكرتها، بهويتها، برموزها التي تحفظ لها توازنها الوجودي وتمنحها معنى الاستمرار. ومن هنا، كان الاعتداء على الآثار الإسلامية، وعلى وجه الخصوص مقبرة البقيع الغرقد، حدثًا يتجاوز حدود المكان ليطال وجدان الأمة بأسرها. إن هدم البقيع لم يكن مجرد إزالة لقبور أو تسوية لأضرحة، بل كان فعلًا يحمل في طياته دلالات عميقة تتصل بمسألة حفظ التراث، وصيانة المقدسات، واحترام الرموز التي شكّلت الوعي الإسلامي عبر القرون. ومن هذا المنطلق، يأتي هذا المقال ليسلّط الضوء على أبعاد هذا الحدث، مستندا إلى النصوص الشرعية، والشواهد التاريخية، والرؤية الثقافية التي تؤكد أن حماية الآثار ليست ترفًا، بل واجبًا حضاريًا وأخلاقيًا.
مكانة البقيع وأهميته في التاريخ الإسلامي
البقيع، أو كما يسمى "بقيع الغرقد"، هو المقبرة الرئيسية لأهل المدينة المنورة منذ عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقد اختص بمكانة عظيمة لاحتوائه على رفات خيرة من الصحابة وأهل البيت عليهم السلام.
البقيع: مقبرة اختارها الله
جاء في المستدرك للنيسابوريّ: )كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرتاد لأصحابه مقبرة يُدفنون فيها، فكان قد طلب نواحي المدينة وأطرافها، ثمّ قال: أمرت بهذا الموضع؛ يعني البقيع( (المستدرك، الحاكم النيسابوريّ، ج3، ص190.). وبهذا يكون البقيع مكاناً اختاره الله سبحانه لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم ليدفن فيه موتى المسلمين؛ بقرينة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "أُمرت".
البقيع: قطعة في الجنّة
عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: )إنّ الله عزّ وجلّ يأمر يوم القيامة القَيَمة أن يأخذوا بأطراف الحجون والبقيع (وهما مقبرتان بمكّة والمدينة) فيُطرحان في الجنّة ((جامع أحاديث الشيعة، البروجرديّ، ج2، ص309.).
سبعون ألفاً على صورة البدر
من فضائل مقبرة البقيع أنّ الله سبحانه وتعالى سيبعث منها يوم القيامة سبعين ألفاً، وجوههم كالقمر ليلة البدر، يدخلون الجنّة بغير حساب.
فعن أمّ قيس بنت محصن أنّها قالت: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في زيارة قبور البقيع، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:)يا أُمَّ قيس، قلت: لبّيك وسعديك يا رسول الله، قال: أترين هذه المقبرة؟ يبعث الله منها سبعين ألفاً يوم القيامة على صورة القمر ليلة البدر، يدخلون الجنّة بغير حساب((المعجم الكبير، الطبرانيّ، ج25، ص182.).
رغّب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس في دفن موتاهم بالبقيع بعد دفن ابنه إبراهيم هناك، وهو ما صرّح به خبر أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه: أنّه لـمّا توفّي إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أمر صلى الله عليه وآله وسلم أن يُدفن عند عثمان بن مظعون، فرغب الناس في البقيع، وقطعوا الشجر، واختارت كلّ قبيلة ناحية، فمن هناك عرفت كلّ قبيلة مقابرها، وأصبح البقيع الغرقد مدفن أهل المدينة. (تاريخ المدينة، النميريّ، ج1، ص121.)
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو لأهل البقيع ويستغفر لهم
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما يأتي البقيع، يقف عند بيت عقيل بن أبي طالب، ويدعو لأهل البقيع في الوقت الذي لم يُدفن أحد في بيته، ثمّ صار ذلك المكان الذي وقف فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو مدفناً لأبنائه الأئمّة الأربعة المعصومين عليهم السلام، وعمِّه العبّاس، وفاطمة بنت أسد، وزوجاته، وعمّاته.
فعن خالد بن عوسجة: كنت أدعوه ليلة إلى زاوية دار عقيل بن أبي طالب، فمرّ جعفر بن محمّد [الإمام الصادق عليه السلام] يريد العريض، فقال: "أعن أثر وقفت ها هنا؟ هذا موقف نبيّ الله صلى الله عليه وآله وسلم بالليل إذ جاء يستغفر لأهل البقيع"(دائرة المعارف الاسلامية الشيعية، حسن الأمين، ج8، ص264.).
ولـمّا مرض النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مرضه الذي توفّي به، أخذ بيد عليّ بن أبي طالب عليه السلام وتبعه جماعة من الناس وتوجّه إلى البقيع، فقال لمن تبعه: "إنّني قد أمرت بالاستغفار لأهل البقيع"، فانطلقوا معه حتّى وقف بين أظهرهم، فقال: "السلام عليكم يا أهل القبور، ليهنّئكم ما أصبحتم فيه ممّا فيه الناس، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع أولَها آخرُها" ثمّ استغفر لأهل البقيع طويلاً(الإرشاد، المفيد، ج1، ص180.).
وعن صفوان الجمّال قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخرج في ملأ من الناس من أصحابه كلّ عشية خميس إلى بقيع المدنيّين فيقول ثلاثاً: السلام عليكم يا أهل الديار، وثلاثاً: رحمكم الله"(بحار الأنوار، المجلسيّ، ج99، ص296.
لفضل البقيع، ولشرف من دُفن فيها ومنزلتهم عند الله سبحانه، يُحشر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ويُبعث مع أهل البقيع، فقد روي أنّه صلى الله عليه وآله وسلم "إذا حُشر الناس يوم القيامة، بُعث في أهل البقيع"( المصنّف، الصنعانيّ، ج3، ص580.).
سدرة البقيع
عن أنس بن مالك قال: "خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نتماشى حتى انتهينا إلى بقيع الغرقد، فإذا نحن بسدرة عارية لا نبات عليها، فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحتها فأورقت الشجرة وأثمرت، واستظّلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فتبسّم صلى الله عليه وآله وسلم وقال: يا أنس، ادع لي عليّاً، فعدوت حتّى انتهيت إلى منزل فاطمة عليها السلام فإذا أنا بعليّ يتناول شيئاً من الطعام، قلت له: أجب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فقال: لخير أُدعى؟
فقلت: الله ورسوله أعلم.
قال: فجعل عليّ عليه السلام يمشي ويهرول على أطراف أنامله حتّى مثُل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجذبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأجلسه إلى جنبه، فرأيتهما يتحدّثان ويضحكان، ورأيت وجه عليّ عليه السلام قد استنار... فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا أنس أترى هذه السدرة؟
قلت: نعم.
قال: قعد تحتها ثلاثمائة وثلاثة عشر نبيّاً وثلاثمائة وثلاثة عشر وصيّاً، ما في النبيّين نبيّ أوجه منّي، ولا في الوصيّين وصيّ أوجه من عليّ بن أبي طالب..."( بحار الأنوار، المجلسيّ، ج99،ص128.).
تعظيم الآثار في ضوء القرآن الكريم
إن القرآن الكريم، بوصفه المصدر الأول للتشريع، لم يتعامل مع الآثار بوصفها جماداتٍ بلا قيمة، بل أشار إلى ضرورة تعظيم ما يرتبط بالله تعالى وبأوليائه، قال عز وجل:
﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج: 32).
ولا يخفى أن قبور الصالحين، وأماكن ارتباطهم بالله، تندرج ضمن هذا المفهوم، لما تحمله من دلالاتٍ روحية ومعنوية.
كما أن القرآن أقرّ مبدأ تخليد آثار الصالحين، كما في قوله تعالى:
﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ (الكهف: 21)،
وهو نصٌّ يُظهر بوضوح أن بناء المعالم على قبور أولياء الله كان سلوكًا مشروعًا في سياق تكريمهم وتخليد ذكراهم. وهو تأكيد على أن الآثار تُعدّ وسيلةً للتفكّر والاعتبار.
شواهد شعرية في رثاء البقيع وهدمه
لقد خلد الشعراء المسلمون عبر العصور مأساة هدم البقيع في قصائد خالدة، تعبر عن الألم العميق الذي أصاب الأمة الإسلامية جراء هذا الفعل. ومن هذه الشواهد:
قال السيد حيدر الحلي في رثاء البقيع:
أَلا يَا قُبُورَ الْبَقِيعِ سَلَامُ
عَلَيْكِ وَإِنْ هُدِمَتْ لَهَا الْأَرْكَانُ
فَأَنْتِ مَعَالِمُ الدِّينِ الْحَنِيفِ
وَأَنْتِ لِآلِ الْهُدَى عُنْوَانُ
وَكَمْ ضَمَّتِ الْأَرْضُ مِنْ سَيِّدٍ
يُضَاءُ بِهِ الْأُفْقُ وَالْبُهْتَانُ
فَلاَ تَحْسَبُوا الْهَدْمَ يَمْحُو الْعُلَى
فَمَا الطِّينُ يُخْفِي سَنَا الْغُفْرَانِ
(ديوان السيد حيدر الحلي، ص 245)
الخاتمة
إن هدم البقيع لم يكن حادثة عابرة في سجل التاريخ، بل جرحًا مفتوحًا في ذاكرة الأمة، يذكّرنا بأهمية الوعي بقيمة التراث، وضرورة الدفاع عنه بوصفه جزءًا من الهوية الإسلامية. فالمعالم ليست حجارة صامتة، بل شواهد ناطقة، تحكي قصة الرسالة، وتربط الإنسان بجذوره الروحية.
وإن إعادة الاعتبار لهذه القضية لا تعني استعادة البناء المادي فحسب، بل تعني إحياء الوعي، وترسيخ ثقافة تحترم التاريخ، وتقدّر الرموز، وتفهم أن الحفاظ على الآثار هو في جوهره حفاظ على الإنسان نفسه.
فالأمة التي تصون ذاكرتها، تصون مستقبلها… وتلك التي تهدم معالمها، إنما تهدم جزءًا من ذاتها دون أن تشعر.

اترك تعليق